
عزة الفشني تكتب: من المخا إلى قناة السويس.. كيف تهز مدينة يمنية أسعار النفط العالمية؟
قد تبدو مدينة المخا اليمنية للوهلة الأولى مدينة ساحلية صغيرة على البحر الأحمر لا تختلف كثيراٌ عن غيرها من مدن الساحل اليمني لكن موقعها هو الذي يمنحها هذا الثقل كله. فهي لا تبعد أكثر من سبعين كيلو متراٌ عن مضيق باب المندب ذلك الشريان المائي الضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبالمحيط الهندي ومنه إلى العالم.
باب المندب أحد أهم الشرايين التي يتنفس بها الإقتصاد العالمي.
باب المندب ليس مجرد ممر مائي. هو أحد أهم الشرايين التي يتنفس بها الإقتصاد العالمي. تمر من خلاله كل يوم ملايين البراميل من النفط والغاز وعشرات السفن التجارية المحملة بكل شيء من الإلكترونيات الآسيوية إلى الحبوب الأوروبية. وبحسب التقديرات ما بين عشرة إلى إثني عشر بالمئة من التجارة العالمية تعبر هذا المضيق. وبالنسبة لمصر فإن هذا الطريق هو المدخل الطبيعي لقناة السويس. فأي سفينة تريد أن تصل إلى السويس قادمة من آسيا لا بد أن تمر أولاٌ من باب المندب.
عندما كانت قدرات الحوثيين العسكرية بعيدة نسبياٌ كانوا يعتمدون على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من عمق الأراضي اليمنية. فكانت الضربات تصل لكنها كانت تأتي من بعيد وكان هناك وقت للرصد والتحذير والإعتراض. أما اليوم فمع الإقتراب الجغرافي إلى ساحل المخا تتغير المعادلة. الإقتراب يعني أن منصات الرصد والرادارات يمكن أن تكون بشكل مباشر على خط الساحل. يعني أن زمن وصول الصاروخ أو المسيرة صار أقصر بكثير. أى أن القدرة على تمييز هوية السفن ومساراتها صارت أدق وأوضح.
باب المندب يمنح من يسيطر عليه ورقة ضغط هائلة
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. السيطرة على شريط ساحلي مقابل مضيق دولي لا تعني بالضرورة إغلاقه لكنها تمنح من يسيطر عليه ورقة ضغط هائلة. يصبح بإمكان بعض السفن أن تمر بأمان بينما تتعرض سفن أخرى للمضايقة أو التهديد. ويؤدى أيضاٌ إلى رفع كلفة التأمين على كل ناقلة تقرر العبور. ويصبح تحويل البحر إلى ساحة رسائل سياسية كما حدث من قبل في مضيق هرمز.
هذا التحول ينعكس فوراٌ على أسعار النفط. الأسواق لا تنتظر حتى تقع الكارثة. يكفي أن يحدث توتر في منطقة حيوية مثل باب المندب حتى تضيف شركات التأمين زيادة على كل شحنة نظراٌ للمخاطر التى ربما تتعرض لها. وتبدأ بعض الشركات في التفكير بتغيير خط السير حول قارة أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح رغم أن ذلك يضيف أسبوعين كاملين إلى الرحلة. وكل يوم تأخير وكل دولار إضافي في الشحن ينتقل في النهاية إلى سعر البرميل.
أمن باب المندب هو أمن لقناة السويس أيضاٌ
أما قناة السويس فهي تتأثر من طرف خفي. القناة لا تعمل في فراغ. هي الحلقة الثانية بعد باب المندب. إذا شعرت شركات الملاحة أن البحر الأحمر صار بيئة غير آمنة فإنها ستعيد حساباتها بالكامل. وقد رأينا هذا المشهد يتكرر خلال العامين الماضيين عندما اختارت كبرى شركات الشحن تحويل مسارها بعيداٌ عن البحر الأحمر مما كبد القناة خسائر بمليارات الدولارات. أمن باب المندب هو في النهاية أمن لقناة السويس أيضاٌ.
لكن من المهم أن ندرك أن السيطرة على الأرض ليست هي السيطرة على البحر. لكي تتحول المخا إلى تهديد دائم للملاحة الدولية يحتاج الأمر إلى منظومات دفاع جوي متقدمة وصواريخ ساحل بحر بعيدة المدى وقدرة على الصمود في وجه أي رد عسكري دولي. وهذا ما لم يحدث بعد. كما أن البحر الأحمر اليوم لم يعد ساحة خالية. هناك تحالفات بحرية ودوريات وردع تمارسه دول كبرى كلما تصاعدت وتيرة الإستهداف.
إغلاق باب المندب أو فتحه لا يزال محكوما بمعادلات دولية
لذلك يمكن القول إن ما جرى هو تطور تكتيكي خطير لكنه لم يصل بعد إلى درجة قلب قواعد اللعبة بالكامل. الحوثيون باتوا أقرب وأصبح صوتهم أعلى وصار تهديدهم أكثر بشكل مباشر. لكن القرار النهائي بشأن إغلاق الممر أو فتحه لا يزال محكوماٌ بمعادلات دولية وإقليمية أكبر من مدينة واحدة.
في النهاية تظل المخا تذكيراٌ بأن الجغرافيا لا تكذب. مدينة صغيرة على الخريطة يمكن أن تهز أسواق الطاقة في العالم وأن تجعل قبطان سفينة في الهند يعيد التفكير في طريقه إلى أوروبا. وأن تجعل المصريين في الإسماعيلية وبورسعيد ينتبهون أكثر لما يحدث على بعد آلاف الكيلومترات من البحر الأحمر. ففي عالم اليوم لم تعد المسافة عائقاٌ أمام الخطر ولم تعد الحدود تمنع تداعيات الحرب من الوصول إلى جيوب الناس.



