
من مفاجأة أكتوبر إلى صدمة السابع من أكتوبر: تحولات الأمن الإسرائيلي وحدود القوة
د حمدي محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد مواجهة عسكرية انتهت بوقف إطلاق النار، وإنما كانت لحظة انكشاف عميقة في بنية الأمن الإسرائيلي، لأنها هزت الاعتقاد بأن التفوق العسكري والاستخباراتي قادران على منع المفاجأة وإدارة الحرب وفق إيقاع تفرضه إسرائيل. ففي السادس من أكتوبر، وجدت القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية نفسها أمام هجوم مصري وسوري واسع في لحظة لم تكن فيها القوات الإسرائيلية مستعدة على النحو الذي يتناسب مع حجم الخطر. وعلى الرغم من أن إسرائيل استعادت زمام المبادرة لاحقًا، فإن الصدمة الحقيقية بقيت مرتبطة بالساعات الأولى: كيف استطاعت دولة بنت جزءًا كبيرًا من أمنها على الإنذار المبكر والتفوق الاستخباراتي أن تفاجأ بالحرب؟¹
كان جوهر الأزمة في 1973 أعمق من مجرد نقص في المعلومات. فقد كانت هناك مؤشرات وتحذيرات وتحركات عسكرية، لكن المشكلة تمثلت في الطريقة التي جرى بها تفسير هذه المعلومات داخل منظومة أمنية أسيرة لما عُرف لاحقًا بـ«المفهوم»، أي الاعتقاد بأن مصر وسوريا لن تخوضا حربًا شاملة قبل امتلاك القدرة الكافية لتحقيق إنجاز عسكري كبير. وهكذا لم تكن المشكلة أن إسرائيل لم ترَ بعض المؤشرات، بل أنها لم تمنحها المعنى الذي تستحقه. وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم الأمن الإسرائيلي المعاصر، لأن أخطر إخفاقات الاستخبارات لا تبدأ دائمًا من غياب المعلومة، وإنما قد تبدأ من وجود معلومة صحيحة داخل إطار تفسيري خاطئ.²
وقد أصبحت حرب أكتوبر واحدة من أشهر دراسات الفشل الاستخباراتي في التاريخ الحديث، ليس بسبب غياب المعلومات، وإنما بسبب فشل المؤسسة في اكتشاف التحول في حسابات الخصم في الوقت المناسب. وتشير الأدبيات الحديثة إلى أن الدرس الأهم لا يتعلق فقط بضرورة جمع مزيد من المعلومات، وإنما بضرورة البحث الدائم عن التغير والانقطاع عن الأنماط السابقة، وعدم تحويل الفرضيات التي أثبتت نجاحها في الماضي إلى حقائق غير قابلة للمراجعة.³
بعد الحرب، أعادت إسرائيل بناء جزء مهم من منظومتها الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وأصبحت تجربة 1973 مرجعًا دائمًا في تطوير الإنذار المبكر، وتحسين آليات التقدير، وتوسيع مصادر المعلومات، وتشجيع قدر أكبر من المراجعة والمساءلة. غير أن المفارقة التاريخية أن المؤسسة التي تتعلم من صدمة سابقة قد تنجح في بناء منظومة أكثر قوة، ثم تقع في أسر نجاحها ذاته؛ إذ يمكن للثقة المتزايدة في قدرات الإنذار والمراقبة والتكنولوجيا أن تتحول تدريجيًا إلى شعور بأن المفاجأة أصبحت أقل احتمالًا، وأن الخصم أصبح مكشوفًا وقابلًا للاحتواء.⁴
وهنا ظهر التحول الجوهري في مفهوم الأمن الإسرائيلي. فبعد 1973 لم تعد المسألة مجرد حماية الحدود، وإنما بناء منظومة متكاملة للسيطرة على البيئة الاستراتيجية، تعتمد على التفوق الجوي، والاستخبارات البشرية والتقنية، والاستطلاع، والمراقبة الإلكترونية، والقدرات السيبرانية، والجدران والحواجز، ومنظومات الدفاع الصاروخي. وقد منحت هذه المنظومة إسرائيل قدرة استثنائية على الرصد والاستجابة، لكنها لم تمنحها ما هو أصعب: القدرة على معرفة ما الذي يريده الخصم فعلًا، ومتى ينتقل من النية إلى التنفيذ، وكيف يمكن أن يخفي تحولًا نوعيًا داخل سلوك يبدو في ظاهره اعتياديًا.
وهنا تحديدًا تتضح الفجوة بين «المعلومة» و«المعرفة الاستراتيجية». قد تمتلك المؤسسة الأمنية كمية هائلة من البيانات، وتراقب الخصم على مدار الساعة، وتعرف قدراته وتدريباته ووسائل اتصاله، لكنها قد تخطئ في تفسير ما تعنيه هذه المؤشرات إذا كانت تنطلق من تصور مسبق عن دوافعه وحدود سلوكه. وقد كان هذا أحد الدروس الجوهرية في 1973، لكنه سيعود بعد نصف قرن تقريبًا في صورة أكثر تعقيدًا.
غير أن نجاح إسرائيل في تحويل دروس 1973 إلى منظومة متقدمة للإنذار والردع والسيطرة حمل معه مفارقة استراتيجية؛ فكلما اتسعت قدرة الدولة على مراقبة بيئتها الأمنية واحتواء خصومها، ازداد خطر تحول التفوق المتراكم إلى قناعة بأن المفاجأة الكبرى أصبحت أقل احتمالًا، وأن الخصم قد تم احتواؤه ضمن حدود يمكن التحكم فيها، وهي القناعة التي ستخضع لأقسى اختبار لها في السابع من أكتوبر 2023.
ومن هنا تأتي أهمية السابع من أكتوبر 2023. فبعد نحو خمسين عامًا من صدمة حرب أكتوبر، وجدت إسرائيل نفسها أمام مفاجأة استراتيجية جديدة، ولكن في بيئة مختلفة جذريًا. لم يكن الخصم هذه المرة جيشًا نظاميًا مصريًا وسوريًا يتحركان على جبهتين واضحتين، وإنما حركة مسلحة أقل بكثير من حيث الموارد التقليدية، لكنها استطاعت استغلال السرية والخداع والتخطيط العملياتي والمرونة التكتيكية لإحداث اختراق أمني وعسكري بالغ التأثير. ولذلك فإن المقارنة بين 1973 و2023 لا ينبغي أن تقوم على التشابه بين الحدثين، وإنما على التشابه الأعمق في السؤال الذي طرحاه على العقل الإسرائيلي: ماذا يحدث عندما تكون الدولة أقوى عسكريًا من خصمها بكثير، لكنها تخطئ في تقدير قدرته أو نواياه؟⁵
والأكثر دلالة أن الدراسات التي تناولت إخفاق السابع من أكتوبر لم تختزله في نقص المعلومات. فقد أشارت إلى وجود تحذيرات ومؤشرات سابقة، وإلى أن المشكلة ارتبطت بتفسير هذه الإشارات داخل منظومة فكرية ومؤسسية رأت حركة حماس باعتبارها طرفًا يمكن احتواؤه وردعه، وليس باعتبارها خصمًا قادرًا على تغيير قواعد المواجهة. وقد ساهم هذا التصور في تقليل قيمة بعض المؤشرات، وفي تفسير الأنشطة العسكرية والتدريبات باعتبارها جزءًا من الضغط أو الردع المتبادل، لا استعدادًا لعملية هجومية واسعة.⁶
لقد كشفت صدمة السابع من أكتوبر كذلك حدود الاعتماد المفرط على التكنولوجيا. فالمراقبة المستمرة، وأجهزة الاستشعار، واعتراض الاتصالات، وتحليل البيانات، والقدرات السيبرانية، كلها أدوات هائلة، لكنها لا تلغي قدرة الخصم على الخداع أو التضليل أو العمل في المناطق التي لا تصل إليها المستشعرات. وقد خلصت دراسات حديثة إلى أن إخفاق الإنذار المبكر في 7 أكتوبر كان مرتبطًا أيضًا بتحول مفهوم الإنذار نفسه، وبمدى قدرة العقيدة الأمنية على التكيف مع تغير طبيعة التهديد.⁷
وهنا تصبح التكنولوجيا سلاحًا ذا حدين. فهي تزيد قدرة الدولة على الرؤية، لكنها قد تزيد في الوقت نفسه ثقتها بأنها ترى كل شيء. وهذا هو الخطر الأكثر عمقًا: أن يتحول التفوق التقني من أداة للمساعدة في اتخاذ القرار إلى مصدر ثقة زائدة في صحة القرار. فكلما أصبحت الحدود أكثر مراقبة، والجدران أكثر ذكاء، والخوارزميات أكثر حضورًا، يمكن أن ينشأ اعتقاد بأن المفاجأة تحتاج إلى قدرات استثنائية كي تحدث، بينما قد يكون الخصم يبحث أساسًا عن نقاط الضعف في طريقة تفسير هذه المراقبة.
والأخطر من ذلك أن النجاح التكتيكي المستمر يمكن أن ينتج «وهم السيطرة». فحين تنجح الدولة في احتواء الهجمات لسنوات، وتفرض كلفة مرتفعة على خصومها، وتمنعهم من تحقيق أهدافهم في جولات متكررة، يبدأ النجاح التكتيكي في التحول إلى تصور استراتيجي مفاده أن الخصم أصبح مردوعًا، وأن استمرار الوضع القائم ممكن، وأن أي تصعيد واسع سيكون غير عقلاني بالنسبة إليه. وقد أظهرت دراسات حديثة أن فكرة أن حماس أصبحت «مردوعة» لعبت دورًا مهمًا في تشكيل التقديرات الإسرائيلية السابقة للسابع من أكتوبر.⁸
ومن هنا ينبغي إعادة النظر في مفهوم الردع نفسه. فالردع ليس كمية من الأسلحة ولا عدد الطائرات أو منظومات الدفاع الصاروخي، وإنما علاقة إدراكية بين طرفين؛ أي أن يعتقد الخصم أن كلفة الفعل أعلى من عائده. وعندما يقرر الخصم، لأي سبب كان، أنه مستعد لتحمل الكلفة من أجل تحقيق هدف استراتيجي أو رمزي، فإن ميزان الردع يبدأ في التحول. لذلك فإن مشكلة إسرائيل بعد السابع من أكتوبر لم تكن فقط أن حدودها اخترقت، بل أن صورة قدرتها على التحكم الكامل في بيئتها الأمنية تعرضت لضربة شديدة، وهو ما جعل الحدث أكبر من مجرد إخفاق عسكري موضعي.
كما كشفت التجربة أن القوة العسكرية لا تنتج بالضرورة أمنًا سياسيًا مستدامًا. تستطيع إسرائيل تدمير بنى عسكرية، وتوجيه ضربات بعيدة المدى، وتطوير قدرات استخباراتية متقدمة، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إلغاء الدوافع السياسية للصراع أو إنتاج استقرار دائم. وهذه هي المفارقة الكبرى في تطور الأمن الإسرائيلي: كلما ازدادت أدوات القوة، ازداد خطر الاعتقاد بأن المشكلات السياسية يمكن اختزالها في حلول أمنية وتقنية. وعندما يحدث الاختراق، تظهر فجأة المساحة التي لم تستطع القوة وحدها السيطرة عليها.⁹
لهذا فإن الدرس الأعمق الممتد من 1973 إلى السابع من أكتوبر ليس أن إسرائيل كانت ضعيفة، بل العكس تمامًا؛ لقد كانت قوية جدًا، وربما كان جزء من المشكلة في الطريقة التي تحولت بها القوة إلى ثقة، وتحولت الثقة إلى افتراضات، وتحولت الافتراضات إلى نمط مؤسسي في قراءة الخصم. ومن ثم فإن حدود القوة لا تظهر فقط عندما يفشل الجيش في القتال، وإنما تظهر قبل ذلك عندما يفشل العقل الاستراتيجي في تصور ما يستطيع الخصم أن يفعله.
إن الفارق الحقيقي بين أكتوبر 1973 والسابع من أكتوبر ليس أن إسرائيل لم تتعلم شيئًا من التجربة الأولى، بل أنها تعلمت الكثير، وبنت على تلك الدروس واحدة من أكثر منظومات الأمن تطورًا، ثم اكتشفت أن التعلم نفسه يمكن أن يتحول إلى قيد إذا أصبح عقيدة جامدة. ولذلك فإن المعضلة الإسرائيلية المعاصرة ليست فقط كيف تمنع المفاجأة القادمة، وإنما كيف تمنع نفسها من الاعتقاد بأنها أصبحت قادرة على منع كل مفاجأة. ففي عالم تتغير فيه الحروب، وتتداخل فيه التكنولوجيا مع الخداع، وتصبح فيه الجماعات الأقل قوة قادرة على إنتاج صدمات استراتيجية تفوق حجمها المادي، تظل الحقيقة الأكثر قسوة هي أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك اليقين، وأن التفوق في أدوات الحرب لا يضمن التفوق في فهم الحرب.
الهوامش
¹ Itai Shapira, “The Yom Kippur Intelligence Failure after Fifty Years: What Lessons Can Be Learned?” Intelligence and National Security, Vol. 38, No. 6, 2023, pp. 978–1002. DOI: 10.1080/02684527.2023.2235795.
² Avi Shlaim, “Failures in National Intelligence Estimates: The Case of the Yom Kippur War,” World Politics, Vol. 28, No. 3, 1976, pp. 348–380.
³ Shapira, “The Yom Kippur Intelligence Failure after Fifty Years,” 2023.
⁴ Uri Bar-Joseph, The Watchman Fell Asleep: The Surprise of Yom Kippur and Its Sources, Albany: State University of New York Press, 2005.
⁵ Avner Barnea, “Israeli Intelligence Was Caught Off Guard: The Hamas Attack on 7 October 2023—A Preliminary Analysis,” International Journal of Intelligence and CounterIntelligence, Vol. 37, No. 3, 2024, pp. 1056–1082. DOI: 10.1080/08850607.2024.2315546.
⁶ Ruth Hanau Santini and Andrea Novellis, “Paradigm Lock-In and Strategic Surprise: Explaining Israel’s October 7 Intelligence Failure,” Middle East Policy, Vol. 33, 2026, Article e70100. DOI: 10.1111/mepo.70100.
⁷ Gil Baram and Isaac Ben Israel, “Redefining Vigilance: Reevaluating the Meaning of Early Warning in Israel’s Security Doctrine and the October 7 Attack,” Intelligence and National Security, Vol. 40, No. 3, 2025, pp. 470–485. DOI: 10.1080/02684527.2025.2466267.
⁸ Avner Barnea, “‘Hamas Is Deterred’ as Wishful Thinking: An Analysis of How Israel Empowered Hamas to Attack Israel on October 7,” Journal of Strategic Studies, Vol. 49, No. 1, 2026, pp. 34–64.
⁹ Efraim Inbar, Israel’s National Security: Issues and Challenges Since the Yom Kippur War, London: Routledge, 2008.



