مقالات

حين تصبح مصيبة الآخر مادة للسخرية: هل نعيش أزمة أخلاقية في تونس؟

تشهد تونس في الفترة الأخيرة أزمات متعددة، فلا تنكاد تنتهي الواحدة منها حتى تطلّ أخرى أكثر شدة وألما، وفي كل مرة تضرب فيها البلاد أزمة جديدة، تكشف مواقع التواصل الاجتماعي وجهًا آخر من وجوه الخيبة.

فإلى جانب الغضب والخوف والجزع، تظهر تعليقات لا تكتفي بالنقد أو السخرية، بل تذهب غالبا إلى التشفي والشماتة في مصائب الآخرين، وكأن ألم شخص ما يمكن أن يتحول إلى انتصار شخصي أو إلى فرصة لتصفية حساب سياسي أو اجتماعي.

قد تبدو المسألة، للوهلة الأولى، مجرد تعليقات على مواقع التواصل الإجتماعي، لكن تكرر هذه الظاهرة يطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل تعاني تونس اليوم، إلى جانب أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، من أزمة أخلاقية؟

الجزم والإجابة عن هذا السؤال ليس أمرا هينا، لكن عديد المؤشرات تؤكد فعلا أن تونس تعاني أزمة أخلاقية حادة، رغم أن السخرية ليست جديدة على التونسيين. فهي جزء من الثقافة الشعبية، ومن وسائل التعبير عن الغضب والاحتجاج وحتى مقاومة القسوة اليومية للحياة. كما أن النقد، مهما كان حادًا، يظل حقًا أساسيًا، والاختلاف في المواقف والآراء أمر طبيعي في أي مجتمع.

كما بيّنا فإن السخرية هي فعل مقاومة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتجاوز الأمر الأفكار والمواقف ليصل إلى الإنسان نفسه، فأن نسخر من قرار سياسي شيء، وأن نسخر من شخص فقد مصدر رزقه شيء آخر. أن ننتقد مسؤولًا أو حزبًا شيء، وأن نفرح بمرض أحد المختلفين معنا أو بمصيبة أصابت عائلته شيء آخر تمامًا.

هنا لا يمكن ان تكون السخرية وسيلة للتعبير، بل تتحول إلى شكل من أشكال القسوة، وقد عاينا ذلك في منشورات وتعليقات كثيرة في الأونة الأخيرة على منصات التواصل الإجتماعي وأبرزها “فيسبوك”.

عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة إنسانية

يبدو أن جزءًا من الخطاب المتداول على منصات التواصل في تونس لم يعد يرى في الآخر مجرد مواطن يختلف معنا، بل خصمًا يجب أن يخسر حتى نشعر أننا انتصرنا.

وهذا التحول خطير، لأنه يجعل مصائب الناس مرتبطة بمواقفهم وانتماءاتهم. فإذا أصابت المحنة شخصًا نختلف معه، وجد البعض فيها فرصة للتهليل. وإذا تعرض شخص من «جماعتنا» للمصيبة نفسها، طالبنا الجميع بالتضامن والتعاطف.

اليساريون يهللون لمصائب الإسلاميين والمختلفين معهم، والعكس صحيح أيضا رغم أنهم في نفس الخندق والمستنقع ويتشاركون زنازين السجن الصغير والكبير. وكأن التعاطف في يومنا هذا أصبح انتقائيًا.

هل يحتاج الألم الإنساني إلى بطاقة انتماء؟

قد نختلف مع شخص سياسيًا جذريا ولا نلتقي معه في أي نقطة، وقد نرفض أفكاره، وقد نعتقد أنه أخطأ في موقف أو قرار، لكن ذلك لا يلغي إنسانيته وانتماءه لهذا الوطن. ويمكننا أن نختلف معه بشدة دون أن نتمنى له المرض أو الفقر أو المأساة.

أن نتمنا الموت لشيخ تسعيني الموت والفناء في السجن بعيدا عن أهله وأحبابه، وتهمته الوحيدة أنه وقف عاري الصدر أمام الدبابة ليلة الانقلاب على دستور البلاد ومؤسسات الدولة الشرعية، فتلك سقطة أخلاقية.

أن نفرح لهلاك شباب في زنزانة السجن، وتهمتهم نصرة فلسطين وجمع تبرعات لفائدة أهلنا في غزة، لمجرد الاختلاف معهم والتشفي منهم على أشياء قاموا بها سابقا، فتلك مسألة تحتاج مراجعة كبيرة وتدبّر.

تؤكد لنا الحياة أن الاختبار الحقيقي للأخلاق ليس في تعاملنا مع من نحب، وإنما في تعاملنا مع من نختلف معهم، لكننا كل نسقط في هذا الاختبار وتمنحنا الحياة فرص أخرى للتدارك ومع ذلك لا حياة لمن تنادي.

شاشة الهاتف تخفي الإنسان

هذه الصفات السلبية في التونسي ارتفعت حدتها في السنوات الأخيرة، وقد ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في جعل هذه الظاهرة أكثر وضوحًا وانتشارًا.

خلف شاشة الهاتف، يتحول الإنسان أحيانًا إلى مجرد صورة أو اسم أو موقف سياسي. لا نرى وجهه عندما يقرأ التعليق، ولا نسمع صوته، ولا نعرف ما الذي يعيشه في حياته الخاصة.

وهذا البعد عن الإنسان الحقيقي يجعل الكلمات أكثر قسوة، فقد يكتب شخص تعليقًا ساخرًا في ثوانٍ، بينما يحتاج الشخص الآخر إلى أيام أو أشهر أو سنوات حتى يتجاوز أثره.

المشكلة أن العالم الافتراضي يجعلنا ننسى أحيانًا أن وراء كل منشور إنسانًا من لحم ودم، وأن ما يبدو لنا مجرد «محتوى» كتبناه في ثواني أو دقائق قد يكون بالنسبة إلى صاحبه مأساة حقيقية.

من أين تأتي كل هذه القسوة؟

ليس من السهل اختزال الظاهرة في سبب واحد، فالتونسي يعيش منذ سنوات تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية متراكمة؛ ارتفاع الأسعار، البطالة، تراجع القدرة الشرائية، فقدان الثقة، الخلافات السياسية والانقسامات الاجتماعية، كلها عوامل يمكن أن تزيد منسوب التوتر والغضب في المجتمع.

وعندما يتراكم الإحباط، يبحث الإنسان أحيانًا عن مساحة يفرغ فيها غضبه وقد يصبح الآخر هدفًا سهلًا، خاصة في ضل القيود التي تمارسها السلطة على حرية التعبير.

عوض أن يصب التونسي غضبه على السلطة الحاكمة التي أوصلته لهذا الوضع، فإنه يجد في شتم الآخر المختلف والسخرية من معاناته فرصة التخفيف عن وجعه وتفريغ المكبوت.

كان على التونسي أن يتحج ويقاوم ويرفض الوضع السائد حتى ينعم بحياة كريمة، لكنه اختار الطريق السهل بالنسبة له والصعب لغيره والإنسانية جمعاء. اختار أن يسخر من غير مادام ليس في السلطة وإن وصل لكرسي الحكم فله صكّ الغفران.

هكذا بزرّ بسيط ومن خلف شاشات الهاتف، يتحول المجتمع إلى مجموعات تتبادل الاتهامات، فتصبح مصيبة كل مجموعة فرصة للشماتة بالنسبة إلى المجموعة الأخرى ويمكن أن تتحول هذه الاتهامات في الواقع الافتراضي إلى الشوارع والبيوت.

هل أصبح الضحك مشكلة؟

البعض ممن سيقرأ هذه الكلمات سيسألنا هل أصبح الضحك مشكلة في واقعنا الحالي؟ لماذا تحرمُنا من ثواني قليلة من الضحك والفرحة!! لكنها فرحة تخفي وراءها مآسي كثيرة!!! فرحة كاذبة على أعتاب أحزان كثيرة للغير.

من الضروري علينا أن نميّز في هذه الحالة بين أمرين مهمين، لسنا بحاجة إلى مجتمع بلا ضحك أو بلا سخرية، فالسخرية يمكن أن تكون وسيلة مقاومة، ويمكن أن تكشف التناقضات، وتنتقد السلطة، وتخفف من وطأة الأزمات.

هذه السخرية والتندر كانت في يوم ما، سببا في مراجعة عديد المسؤولين لمواقف وقرارات لفائدة الشعب، لكن هناك فرقًا واضحا وجليا بين أن نضحك من وضع سيئ وأن نضحك على إنسان يتألم.

يمكننا أن نسخر من قرار حكومي، من خطاب سياسي، من ظاهرة اجتماعية، من تناقض واضح في الشارع، لكن عندما يصبح الألم الشخصي للآخر مادة للتسلية والتندر، فنحن أمام شيء مختلف.

ماذا تكشف الشماتة عن المجتمع؟

ربما تكشف الشماتة أكثر عن صاحبها مما تكشف عن الشخص الذي يتعرض لها، فالإنسان الذي يجد متعته في سقوط غيره لا يكتفي بالحكم على الآخر، بل يكشف أيضًا عن حجم الخصومة التي يحملها داخله.

والأخطر أن تتحول الشماتة من سلوك فردي إلى ثقافة جماعية. عندها يصبح التعاطف نفسه موضع سخرية، ويُنظر إلى من يدافع عن إنسان يتعرض للتنمر باعتباره «ساذجًا» أو «عاطفيًا»، بينما يُكافأ صاحب التعليق الأكثر قسوة بمئات الإعجابات والتفاعلات.

ليس المطلوب أن نتفق مع بعضنا البعض. وليس مطلوبًا أن نتخلى عن النقد أو أن نصمت أمام الأخطاء، المطلوب فقط أن نستعيد الحد الفاصل بين الاختلاف والعداء، وبين النقد والإهانة، وبين السخرية والشماتة.

يمكن أن نقول إن شخصًا أخطأ، دون أن نتمنى له السوء، يمكن أن نرفض موقفًا سياسيًا، دون أن نفرح بمصيبة صاحبه، يمكن أن ننتقد ظاهرة اجتماعية، دون أن نحول ضحاياها إلى مادة للترفيه.

لا تختبر الأزمات ، مهما كانت قاسية، فقط قدرة الدولة على إدارتها، بل تختبر أيضًا قدرة المجتمع على البقاء متماسكًا وإنسانيًا في أصعب الظروف.

قد نستطيع تجاوز أزمة اقتصادية، وقد تتغير الحكومات، وتتبدل السياسات، وتنتهي الخلافات السياسية، لكن استعادة إنسانيتنا تجاه بعضنا البعض قد تكون المعركة الأهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى