مقالات

سارة الحربي تكتب: المجتمع بين انوثة الذكر ورجولة الانثى


من يراقب حملات التشهير بالمرأة خلال الفترة الأخيرة، يلاحظ أنها ليست حملة أخلاقية حقيقية، ولا دعوة صادقة للإصلاح، بقدر ما هي رد فعل على تحول اجتماعي لم يعد بالإمكان تجاهله.

المشكلة ليست أن المرأة فسدت، بل أنها أصبحت أكثر وعيًا من الأجيال السابقة بكلفة الزواج والأسرة عندما تُبنى على الظلم. فقد رأت كيف دفعت أمهاتنا وجداتنا أثمانًا باهظة من أعمارهن وصحتهن واستقرارهن النفسي من أجل استمرار نموذج أسري مختل، ولذلك لم تعد مستعدة لإعادة إنتاج التجربة نفسها.

ما يحدث اليوم أن المرأة لم تعد تخفي الخلل، بل أصبحت تسمي الأشياء بأسمائها، وهذا ما أربك كثيرًا من الرجال.

للمرة الأولى يجد بعضهم نفسه أمام أسئلة لم يُربَّ على مواجهتها:
أين مسؤوليتك داخل الأسرة؟
ماذا تقدم غير النفقة؟
كيف تدير غضبك؟
كيف تحل خلافاتك؟
ما مفهومك للأبوة؟
ما مفهومك للشراكة؟
ما مفهومك للقوامة؟
ما حدود الطاعة؟
وما معنى أن تكون رجلًا؟

هذه الأسئلة لا تُسقط الرجولة، لكنها تُسقط الصورة الوهمية التي صُنعت عنها.

ولهذا لم يكن الرد عند البعض مراجعةً للذات، بل تحول إلى هجوم على المرأة نفسها.

فجأة أصبحت كل امرأة متعلمة مصدر تهديد، وكل امرأة عاملة متمردة، وكل امرأة تناقش حقوقها موصوفة بالعصيان، وكل امرأة ترفض الظلم تُلصق بها أوصاف جارحة. ليس لأن هذه الأوصاف صحيحة، بل لأن مهاجمة صاحب السؤال أسهل من مواجهة السؤال نفسه.

المفارقة أن المجتمع الذي ظل لعقود يطالب المرأة بالصبر، بدأ يطالبها اليوم بالصمت أيضًا؛ يريدها أن تتحمل، وألا تتحدث عما تتحمله.

ولا يمكن تجاهل عامل آخر يطفو على السطح، وهو الكبت النفسي والجنسي الذي تعاني منه بعض الشرائح الاجتماعية، ثم يُعاد تصديره في صورة خطاب أخلاقي متشدد ضد المرأة.

فبعض العقول لم تعد ترى المرأة كما هي، بل كما تملي عليها إسقاطاتها. يكفي أن تكون أنيقة، واثقة، وحاضرة في المجال العام، حتى تُحمّل نوايا لم تقلها ولم تفعلها؛ ليس لأن الحقيقة كذلك، وإنما لأن البعض أسير لتصوراته الخاصة.

إنها آلية نفسية معروفة؛ فالإنسان كثيرًا ما ينسب إلى الآخرين ما يختبئ في داخله. فمن امتلأ وعيه بالهوس، قد يقرأ العالم كله من خلال هذه الزاوية. ومن عجز عن ضبط نظرته وخياله، قد يظن أن الآخرين يتحركون وفق دوافعه هو.

وهنا تتحول المرأة من إنسان كامل إلى مساحة تُعرض عليها إسقاطات الآخرين؛ فلا يعود يُنظر إلى علمها، أو عملها، أو شخصيتها، أو كفاءتها، وإنما يُختزل وجودها في جسدها فقط. وهذه ليست قراءة للمرأة، بل إلغاء لها.

فالمرأة ليست جسدًا مفتوحًا لتأويلات الآخرين، وليست مشروعًا أخلاقيًا عامًا يحق للجميع مراقبته ومحاكمته، وليست مسؤولة عن علاج كبت أحد أو تهذيب خياله أو تحمل نتائج عجزه عن ضبط نفسه.

المرأة إنسان كامل؛ لها عقلها، ووعيها، وطموحها، وحدودها، واختياراتها، وأخطاؤها أيضًا. ومن حقها أن تُحاسب على أفعالها كما يُحاسب الرجل على أفعاله، لا أن تُدان لمجرد كونها امرأة.

والوعي الحقيقي لا يبدأ من سؤال: كيف نجعل المرأة أكثر طاعة؟
بل يبدأ من سؤال أعمق: كيف نبني علاقة أكثر عدلًا ونضجًا ومسؤولية؟

فالرجولة لا تُثبت بإسكات المرأة، ولا بإخافتها، ولا بتقييد حريتها، ولا بتحويل الدين إلى أداة للسيطرة عليها، ولا بكتم مشاعرها وتعبيرها تحت مبررات الظروف.

الرجولة التي تستحق الاحترام هي التي تستطيع أن تحمل المسؤولية دون استعلاء، وأن تقود دون قهر، وأن تحمي دون امتلاك، وأن تختلف دون إهانة، وأن تضبط رغباتها دون أن تجعل المرأة مسؤولة عنها.

وكذلك فإن وعي المرأة لا يعني كراهية الرجل، ولا رفض الأسرة، ولا التمرد لمجرد التمرد؛ بل يعني أن تتوقف عن دفع ثمن الظلم باسم الحب، وعن تسمية الاستنزاف صبرًا، وعن تسمية الخوف طاعة، وعن اعتبار التنازل المستمر حفاظًا على البيت.

ربما لهذا يبدو وعي المرأة مزعجًا في زمن اعتاد صمتها.

لأن المرأة الواعية لا تهدم الأسرة؛ بل ترفض أن تُبنى الأسرة على أنقاضها.

ولا تحارب الرجل؛ بل ترفض أن يكون ضعف رجلٍ مبررًا لقهر امرأة.

ولا ترفض الزواج؛ بل ترفض أن يكون الزواج عقدًا تتنازل فيه عن إنسانيتها.

وفي النهاية، ليست القضية من انتصر: الرجل أم المرأة؟

القضية هي أن نرتقي جميعًا من منطق السيطرة إلى منطق المسؤولية، ومن الخوف إلى الوعي، ومن الأدوار المفروضة إلى العلاقات التي تقوم على الاحترام والعدل والرحمة.

لأن المجتمع الذي يخاف من امرأة واعية، لا يحتاج إلى امرأة أقل وعيًا…

بل يحتاج إلى وعي أكبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى