بريكس بعد 3 سنوات.. ماذا كسبت مصر من الانضمام إلى نادي القوى الصاعدة؟
د. عماد عنان
منذ انضمام مصر رسميًا إلى تجمع “بريكس” في يناير/كانون الثاني 2024، علّقت القاهرة آمالًا واسعة على هذا التكتل الاقتصادي الصاعد الذي يضم عددًا من أكبر الاقتصادات العالمية، وفي مقدمتها الصين والهند وروسيا والبرازيل، باعتباره أحد المسارات الجديدة لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي الدولي.
واليوم، ومع ترؤس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وفد بلاده للمشاركة في أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع بريكس، التي تستضيفها الهند يومي 12 و13 أيلول/سبتمبر تحت شعار “بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة”، تبرز هذه المشاركة باعتبارها الثالثة لمصر منذ انضمامها الرسمي إلى التجمع.
ومع مرور نحو ثلاثة أعوام على هذه الخطوة، تطرح التجربة المصرية داخل “بريكس” مجموعة من التساؤلات المشروعة حول حجم المكاسب التي تحققت بالفعل، ومدى قدرة هذا التحالف على تلبية التطلعات التي صاحبت قرار الانضمام.. فهل وجدت مصر في هذا التكتل الشريك الاقتصادي القادر على تقديم حلول عملية للتحديات التي يواجهها اقتصادها؟ وما حجم الاستفادة التي تحققت على مستوى التجارة والاستثمار والتمويل؟ وهل جاءت النتائج متوافقة مع الآمال الكبيرة التي عُقدت على هذا التكتل عند الإعلان عن انضمام مصر إليه؟
أهداف مصر من الانضمام لبريكس
لم يكن انضمام مصر إلى تجمع “بريكس” خطوة عشوائية أو تحركًا منفصلًا عن سياق التحولات الاقتصادية العالمية، بل جاء في إطار رؤية استراتيجية تستهدف تعزيز موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد، والاستفادة من التحولات المتسارعة نحو نظام اقتصادي أكثر تعددية، تتوزع فيه مراكز القوة بعيدًا عن هيمنة القطب الاقتصادي الواحد.
ونظرت القاهرة إلى عضوية بريكس باعتبارها فرصة للانخراط بصورة أكبر في دوائر التعاون بين الاقتصادات الصاعدة، بما يتيح لها مساحة أوسع للمناورة الاقتصادية والسياسية في ظل المتغيرات الدولية المتلاحقة.
ورأت مصر في هذا التكتل، الذي يضم عددًا من أبرز الاقتصادات الناشئة عالميًا، منصة لتعزيز الشراكات الاقتصادية مع قوى دولية تمتلك قدرات إنتاجية واستثمارية كبيرة، حيث ركزت على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، إلى جانب تعزيز التجارة البينية، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات والصادرات المصرية، بما يدعم جهود الدولة لزيادة معدلات النمو وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
كما راهن المصريون على دور بريكس في تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد النسبي على المؤسسات المالية التقليدية، من خلال الاستفادة من الآليات التمويلية التي يوفرها التكتل، وعلى رأسها بنك التنمية الجديد.
وارتبط هذا التوجه برغبة القاهرة في تعزيز استقلالية قرارها الاقتصادي، وتوسيع قاعدة الشركاء التجاريين والماليين، في ظل التحديات التي واجهها الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها ضغوط التمويل وارتفاع الاحتياجات من العملة الأجنبية.
وفي السياق ذاته، علّقت مصر آمالًا على أن يسهم التعاون داخل بريكس في تخفيف الضغوط المرتبطة بالاعتماد الكبير على الدولار الأميركي في التجارة والتمويل، من خلال التوسع في استخدام العملات المحلية بين الدول الأعضاء، أو تطوير آليات دفع بديلة داخل التكتل.
تعزيز مكانة مصر الدولية.. المكسب الأبرز
بعد مرور ثلاثة أعوام على انضمام مصر إلى تجمع “بريكس”، يبرز تعزيز مكانتها كدولة محورية ضمن منظومة “الجنوب العالمي” كأحد أبرز المكاسب السياسية التي تحققت من هذه العضوية، فوجود القاهرة داخل تكتل يضم قوى اقتصادية وسياسية كبرى، مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، إلى جانب عدد من الاقتصادات الصاعدة، منحها منصة جديدة لتعزيز حضورها في دوائر صنع القرار المرتبطة بالاقتصاد العالمي، وفتح أمامها مساحة أوسع للتأثير في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل النظام الاقتصادي العالمي.
وانطلاقًا من موقعها الجغرافي والاستراتيجي، أصبحت مصر طرفًا حاضرًا في الحوارات المرتبطة بإصلاح المؤسسات المالية الدولية، وإعادة صياغة قواعد التجارة العالمية، وتعزيز دور الدول النامية في إدارة الاقتصاد الدولي.
كما أتاحت لها عضوية بريكس توسيع شبكة علاقاتها السياسية والاقتصادية مع القوى الصاعدة، وتعميق الشراكات الثنائية مع الدول الأعضاء، بما يعزز قدرتها على بناء تحالفات أكثر تنوعًا في ظل التحولات الجارية في موازين القوى العالمية.
ويأتي تطور العلاقات المصرية الصينية خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك الزيارات واللقاءات رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين، كأحد المؤشرات على تنامي الأهمية السياسية التي اكتسبتها عضوية مصر في بريكس، فالقاهرة تنظر إلى هذا التكتل ليس فقط باعتباره إطارًا اقتصاديًا، وإنما أيضًا كمنصة لتعزيز دورها الإقليمي والدولي، وتثبيت موقعها كحلقة وصل بين الأسواق الناشئة ومراكز القوة الاقتصادية الجديدة.
جذب الاستثمارات.. ارتفاع ولكن!
نجحت مصر منذ انضمامها إلى تجمع “بريكس” في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع عدد من الدول الأعضاء، وظهرت مؤشرات هذا التطور في ارتفاع حجم التبادل التجاري بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تترجمه الأرقام الرسمية.
فقد ارتفعت قيمة التجارة بين مصر ودول بريكس من نحو 31.2 مليار دولار عام 2022 إلى 42.5 مليار دولار عام 2023، قبل أن تسجل نحو 50.8 مليار دولار خلال عام 2024، محققة نموًا قدره نحو 19.5% مقارنة بعام 2023، وتعكس هذه الأرقام تنامي حجم الارتباط الاقتصادي بين مصر ودول التكتل، خاصة في ظل سعي القاهرة إلى توسيع شبكة شركائها التجاريين والاستفادة من الأسواق الكبرى داخل المجموعة.
وعلى مستوى الصادرات المصرية، سجلت التجارة الخارجية مع دول بريكس تطورًا ملحوظًا، حيث ارتفعت قيمة الصادرات المصرية إلى دول التحالف من نحو 8.5 مليار دولار عام 2023 إلى 9.4 مليار دولار عام 2024، بنسبة نمو بلغت نحو 10.6% خلال عام واحد.
ومع ذلك، فإن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى قدر من التحليل بعيدًا عن الربط المباشر بين ارتفاع حجم التجارة وعضوية بريكس وحدها؛ فالعلاقات الاقتصادية المصرية مع عدد من دول التكتل، وعلى رأسها الصين وروسيا ودول الخليج التي انضمت لاحقًا إلى المجموعة، كانت قائمة قبل انضمام القاهرة رسميًا إلى التحالف.
وبالتالي فإن الزيادة المسجلة في حجم التجارة تمثل امتدادًا لمسار سابق من التعاون الاقتصادي، وليس بالضرورة نتيجة مباشرة للعضوية، وهو ما يجعل تقييم نجاح مصر داخل بريكس مرتبطًا بقدرتها خلال السنوات المقبلة على تحويل العضوية إلى استثمارات إنتاجية، وشراكات صناعية، وزيادة مستدامة في الصادرات ذات القيمة المضافة.
ماذا عن تخفيف الضغط على الدولار؟
كان من بين الأهداف الرئيسية التي دفعت مصر إلى الانضمام إلى “بريكس” السعي نحو تخفيف الضغوط المرتبطة بالاعتماد الكبير على الدولار الأميركي، من خلال تعزيز التعاملات بالعملات المحلية بين الدول الأعضاء، أو دعم إنشاء آليات مالية جديدة توفر بدائل جزئية للنظام النقدي القائم على العملة الأميركية.
وقد رأت القاهرة أن تنويع أدوات التسوية المالية يمكن أن يسهم في تقليل مخاطر تقلبات سوق الصرف، وتخفيف الأعباء الناتجة عن الحاجة المستمرة إلى توفير الدولار لتمويل التجارة والالتزامات الخارجية.
ورغم أن دول بريكس قطعت خطوات باتجاه تعزيز استخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية، وطرحت أفكارًا بشأن تطوير أنظمة دفع بديلة، فإن هذه المبادرات لا تزال في مراحلها الأولى ولم تتحول بعد إلى بديل عملي واسع النطاق للدولار في التجارة الدولية، كما أن فكرة إصدار عملة موحدة لدول التكتل، التي كانت محل نقاش واسع، لم تصل حتى الآن إلى مرحلة التنفيذ، ما أبقى النظام المالي العالمي قائمًا بدرجة كبيرة على هيمنة العملة الأميركية.
وبناءً على ذلك، لم تحقق مصر حتى الآن الهدف الكامل المتعلق بتحرير جزء كبير من معاملاتها الخارجية من الاعتماد على الدولار، إذ لا تزال العملة الأميركية تمثل العنصر الأساسي في تسوية التجارة الخارجية والالتزامات المالية الدولية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري ضغوطًا متزايدة مرتبطة بتوفير النقد الأجنبي وارتفاع أعباء الدين الخارجي، الذي سجل مستويات مرتفعة خلال الفترة الأخيرة، بعدما وصل إلى 165 مليار دولار، ما يؤكد أن الاستفادة من بريكس في هذا الملف تحتاج إلى وقت أطول حتى تتحول المبادرات المطروحة إلى أدوات مالية فعالة وقابلة للتطبيق.
كشف حساب بعد 3 سنوات
بعد اقتراب مرور ثلاثة أعوام على انضمام مصر إلى “بريكس”، يمكن القول إن القاهرة حققت عددًا من المكاسب الاستراتيجية المهمة، يأتي في مقدمتها تعزيز حضورها السياسي على الساحة الدولية، وتوسيع شبكة علاقاتها مع القوى الاقتصادية الصاعدة، إلى جانب اكتساب مساحة أكبر للمشاركة في النقاشات المرتبطة بإعادة تشكيل النظام العالمي نحو مزيد من التعددية في مراكز القوة، كما عززت العضوية من قدرتها على بناء شراكات جديدة مع دول ذات ثقل اقتصادي وسياسي متزايد، بما يدعم موقعها كفاعل إقليمي ودولي.
اقتصاديًا، أسهم الانضمام إلى بريكس في تعزيز التعاون مع عدد من الدول الأعضاء، ورافقه نمو نسبي في حجم التجارة والاستثمارات، إلى جانب توسيع مجالات التعاون المالي والاقتصادي، حتى وإن لم يكن ذلك مرتبطًا بشكل مباشر بالانضمام للتحالف، غير أن العضوية وفرت إطارًا أوسع لتعميق هذه العلاقات وفتح قنوات جديدة للتعاون.
في المقابل، لم تتحول عضوية بريكس حتى الآن إلى نقطة تحول اقتصادية كبرى كما كانت بعض التوقعات تشير عند الإعلان عن الانضمام؛ فلم تشهد مصر تدفقات استثمارية ضخمة وسريعة بالحجم المأمول، كما لم تسهم العضوية في إنهاء أزمة نقص العملة الأجنبية أو خفض تكلفة الاقتراض الخارجي، كذلك لم ينجح التكتل حتى الآن في تقديم بديل حقيقي للنظام المالي العالمي القائم، لتظل القاهرة، شأنها شأن معظم الاقتصادات الناشئة، مرتبطة بدرجة كبيرة بمنظومة مالية دولية لا يزال الدولار الأميركي يحتل فيها موقع الصدارة.
من هنا يُنظر إلى بريكس باعتباره أداة استراتيجية وفرصة مهمة أمام مصر لتوسيع خياراتها الاقتصادية وتعزيز موقعها داخل الاقتصاد العالمي المتغير، لكنه في الوقت ذاته لا يمثل حلًا جاهزًا أو سريعًا للأزمة الاقتصادية المصرية؛ كما كان يتخيل الكثيرون، إذ إن معالجة التحديات الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد المصري تتطلب سياسات طويلة الأمد ومعالجة أكبر من مجرد عضوية في تحالف هنا أو تكتل هناك.
(ألترا صوت)



