مقالات

القوة الناعمة للكنيسة الروسية: تراجع أم إعادة تموضع؟

مع استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية منذ فبراير 2022، لم تعد الكنيسة الأرثوذكسية الروسية مجرد مؤسسة دينية فاعلة في المجال الداخلي، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع توظف الدين والهوية والقيم التقليدية في السياسة الخارجية الروسية. وإذا كانت الدعوات الدينية إلى السلام قد برزت في بدايات الحرب، فإن مسار الكنيسة الروسية خلال السنوات التالية أظهر ارتباطاً وثيقاً بالسردية الرسمية للكرملين، وهو ما أعاد طرح السؤال حول مستقبل قوتها الناعمة وقدرتها على التأثير خارج روسيا.

وتستند أهمية هذا السؤال إلى أن العلاقة بين الدولة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية شهدت، منذ عهد الرئيس فلاديمير بوتين، تقارباً متزايداً. فقد استعادت الكنيسة موقعاً بارزاً في الحياة العامة، وأصبحت من المؤسسات التي تسهم في صياغة خطاب الهوية الوطنية والقيم المحافظة. كما ارتبط هذا الدور بمفهوم «العالم الروسي» (Russkiy Mir)، الذي يتجاوز الحدود السياسية للدولة ليركز على الروابط التاريخية واللغوية والثقافية والدينية بين روسيا ومجتمعات أخرى، ولا سيما في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق.

وكانت أوكرانيا تمثل تاريخياً إحدى أهم ساحات هذا النفوذ. غير أن الحرب أدت إلى تحول عميق في البيئة الدينية والسياسية التي كانت تستند إليها موسكو. فقد اعترفت بطريركية القسطنطينية المسكونية باستقلال الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا عام 2019، بعد منحها «التوموس» في يناير من العام نفسه، ما شكل ضربة كبيرة لمكانة بطريركية موسكو داخل العالم الأرثوذكسي. ومع استمرار الحرب، اتسعت القطيعة بين المؤسسات الدينية المرتبطة بموسكو والبيئة الأوكرانية، وأصبحت مسألة الارتباط الكنسي بروسيا جزءاً من الأمن القومي الأوكراني.

وفي أغسطس 2024 أقر البرلمان الأوكراني قانوناً يستهدف التنظيمات الدينية المرتبطة بالدول التي تشن عدواناً على أوكرانيا، وفي مقدمتها المؤسسات المرتبطة بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وبدأ تنفيذ القانون وتطبيقاته القضائية في 2025 و2026، ما أدى إلى تراجع المجال القانوني والمؤسسي المتاح للنفوذ الكنسي الروسي داخل أوكرانيا. وتشير تقارير أوروبية إلى أن سلطات الاحتلال الروسي في الأراضي الأوكرانية المحتلة أعادت تسجيل عدد كبير من الأبرشيات والكيانات الدينية تحت مظلة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، في حين واجهت مؤسسات دينية أخرى قيوداً وضغوطاً. وهذه التطورات تعكس انتقال الصراع الكنسي من الخلاف حول الاستقلال الديني إلى جزء من الصراع على السيادة والهوية..

وفي الوقت نفسه، لم تتراجع القوة الناعمة للكنيسة الروسية بالمعنى المطلق، وإنما تغيرت أدواتها ومجالاتها. فقد أصبح خطاب «القيم التقليدية» أكثر حضوراً في نشاطها الدولي، إلى جانب خطاب الدفاع عن الهوية المحافظة ومواجهة ما تعتبره الكنيسة نفوذاً غربياً ليبرالياً. وتظهر دراسات حديثة أن الحرب أضعفت قدرة موسكو على استخدام «العالم الروسي» كإطار جامع في أوروبا وشرق أوروبا، لكنها دفعتها في المقابل إلى توسيع حضورها في الجنوب العالمي، ولا سيما في أفريقيا، مستفيدة من خطاب مناهض للهيمنة الغربية ومن شبكة دينية وثقافية متنامية..

وهنا يبرز تحول مهم: فالقوة الناعمة الروسية لم تعد تعتمد فقط على القرب العقائدي الأرثوذكسي أو الروابط التاريخية مع الجمهوريات السوفييتية السابقة، بل تسعى بصورة متزايدة إلى بناء خطاب عالمي يقوم على المحافظة الاجتماعية، والتعددية القطبية، وانتقاد النموذج الليبرالي الغربي. وقد يمنح هذا التوجه الكنيسة الروسية فرصاً جديدة للتأثير في بعض المجتمعات المحافظة، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر كبيرة؛ إذ إن الارتباط الوثيق بسياسات الكرملين والحرب في أوكرانيا يضعف قدرتها على الظهور كوسيط ديني مستقل ومحايد..

ومن ثم، يبدو أن مستقبل القوة الناعمة للكنيسة الأرثوذكسية الروسية يتجه نحو إعادة التموضع أكثر من كونه صعوداً أو انهياراً مطلقاً. فقد خسرت موسكو جزءاً مهماً من نفوذها الكنسي في أوكرانيا، وتعرضت قدرتها على تقديم نفسها بوصفها مركز العالم الأرثوذكسي لضغوط متزايدة، لكنها تعمل في المقابل على تعويض ذلك عبر توسيع شبكاتها في أفريقيا والجنوب العالمي، وتوظيف خطاب القيم التقليدية في المجال الدولي..

وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام الكنيسة الروسية لا يتعلق بحجم انتشارها المؤسسي فقط، وإنما بقدرتها على الحفاظ على المصداقية الدينية المستقلة. فإذا استمر تماهي خطابها مع السياسة الخارجية الروسية، فقد تتحول القوة الناعمة إلى أداة من أدوات النفوذ الجيوسياسي، لكنها ستواجه صعوبة أكبر في أداء دور الوسيط أو بناء الثقة لدى المجتمعات التي تنظر إلى موسكو بوصفها طرفاً في الصراع. أما استعادة نفوذ أوسع، فتتطلب قدرة أكبر على الفصل بين الرسالة الدينية والحسابات السياسية، وإعادة بناء جسور الحوار مع الكنائس والمجتمعات الأرثوذكسية خارج روسيا..

وهكذا، فإن مستقبل القوة الناعمة للكنيسة الروسية سيتحدد بمدى قدرتها على الموازنة بين دورها الديني وعلاقتها بالدولة. وقد يكون أكبر اختبار لها في المرحلة المقبلة هو الانتقال من منطق النفوذ المرتبط بالحدود السياسية والصراع الجيوسياسي إلى منطق التأثير القائم على الثقة، والحوار، والعمل الإنساني، والقدرة على التواصل مع بيئات دينية وثقافية مختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى