قضايا وتحليلات

بين واشنطن والرياض وطهران.. كيف تتحرك مصر في منطقة مضطربة؟

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، ، تتقاطع فيه عدة ملفات ساخنة، من التصعيد السعودي–الحوثي، إلى التوتر الأمريكي–الإيراني، وما يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في 20 أيلول/سبتمبر الجاري، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف.

وتكتسب الزيارة أهميتها كونها تأتي بعد خمسة أيام فقط من زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 من الشهر نفسه، وهو تقارب زمني يضفي على زيارة راتكليف مزيدًا من الثقل السياسي والأمني، ويفتح الباب أمام قراءة أوسع لدلالاتها في ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

ومن هنا تفرض الزيارة، التي لا يمكن قراءتها بخطاب بروتوكولي تقليدي، جملة من التساؤلات: ما الرسائل التي حملها مدير الاستخبارات الأمريكية إلى القاهرة؟ وما الملفات التي تصدرت مباحثاته مع القيادة المصرية؟ وهل جاءت الزيارة في إطار تنسيق أوسع يتعلق بأمن البحر الأحمر والتصعيد في اليمن؟ والأهم، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في احتواء هذا المشهد المعقد، وما الذي تنتظره منها كل من واشنطن والرياض في المرحلة المقبلة؟

تناول اللقاء، بحسب المتحدث باسم رئاسة الجمهورية، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، مع التأكيد على استمرار التنسيق السياسي والأمني والاستخباراتي بين البلدين، كما استعرض السيسي تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، مؤكدًا دعم مصر للجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة الإيرانية، وضمان حرية الملاحة الدولية، مع التشديد على أمن وسيادة الدول العربية ورفض الاعتداء عليها، وأولوية الحلول السياسية والدبلوماسية.

 كما تناولت المباحثات تطورات القضية الفلسطينية، وضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وضمان تدفق المساعدات، والدفع نحو استئناف المسار السياسي وصولًا إلى تسوية شاملة وفق حل الدولتين، وامتدت كذلك إلى السودان والصومال والقرن الأفريقي وأمن الملاحة الدولية، حيث جددت القاهرة تمسكها بوحدة السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية، ودعمها لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.
 وفي المقابل، أكد الجانب الأمريكي أهمية استمرار التنسيق مع مصر في مواجهة التحديات الأمنية والجيوسياسية، وتبادل التقديرات والمعلومات بشأن الأزمات الإقليمية، بما يعكس اتساع مساحة التشاور بين القاهرة وواشنطن في ملفات المنطقة الأكثر حساسية.

من بن سلمان إلى راتكليف.. دلالة التوقيت

أن تأتي زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى القاهرة بعد خمسة أيام فقط من زيارة ولي العهد السعودي، فذلك يمنح التوقيت دلالة لا يمكن تجاهلها، حتى في غياب أي رابط رسمي معلن بين الزيارتين، فالتقارب الزمني بينهما يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات أمن الخليج والبحر الأحمر واليمن مع التصعيد الأمريكي–الإيراني.

وكانت زيارة بن سلمان إلى القاهرة قد جاءت في سياق تتصدره قضايا أمن البحر الأحمر ومضيقا هرمز وباب المندب والأزمة اليمنية، في وقت جددت فيه مصر التأكيد على ارتباط أمن الخليج بالأمن القومي المصري، وعلى دعمها لأمن السعودية، بالتوازي مع تمسكها بالحل السياسي الشامل والمستدام في اليمن، وعليه فإن زيارة راتكليف بعد ذلك بأيام تفتح الباب أمام قراءة أوسع تتعلق بحجم التنسيق الأمني والسياسي المطلوب في مواجهة تطورات تتسارع على أكثر من جبهة.

وتتزامن الزيارتان مع تصعيد واضح في الهجمات الحوثية ضد أهداف سعودية، شملت منشآت ومدنًا داخل المملكة، إلى جانب تقدم ميداني للحوثيين على الساحل الغربي لليمن واقترابهم من مناطق استراتيجية قرب باب المندب، بما عزز قدرتهم على التأثير في أمن الملاحة بالبحر الأحمر وتحويل الممرات البحرية إلى جزء من أدوات الضغط في المواجهة مع الرياض.

لا تُقرأ زيارة راتكليف إلى القاهرة من زاوية شخصية الزائر فحسب، وإنما من طبيعة المؤسسة التي يمثلها أيضًا، فحين يكون الضيف هو مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ويشارك في اللقاء رئيس المخابرات العامة المصرية، فإن البعد الأمني والاستخباراتي يفرض نفسه تلقائيًا كأحد المكونات الرئيسية للمباحثات، حتى وإن بقي جانب مهم من الملفات والتفاصيل بعيدًا عن البيانات الرسمية المعلنة.

وقد عكس بيان الرئاسة المصرية هذا البعد بوضوح، إذ أشار إلى بحث التعاون القائم بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والمخابرات العامة المصرية، إلى جانب تبادل الرؤى والتقديرات والمعلومات بشأن التطورات الإقليمية، وأمن الملاحة الدولية، فضلًا عن ملفات السودان والصومال والقرن الأفريقي، وهي جميعًا ساحات تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية بصورة متزايدة.

ومن هنا، فإن قراءة زيارة راتكليف في ضوء زيارة ولي العهد السعودي التي سبقتها بأيام، وبالتزامن مع تسارع التحولات الجيوسياسية في المنطقة، تضع القاهرة في قلب مثلث شديد الحساسية يجمعها بكل من واشنطن والرياض،  وفي خلفية هذا المشهد تحضر إيران وشبكة حلفائها الإقليميين، بما يجعل الدور المصري محل اهتمام متزايد في حسابات أمن البحر الأحمر، واليمن، وأمن الملاحة، ومحاولات احتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مواجهة إقليمية أوسع.

تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم أمام معادلة إقليمية أكثر تعقيدًا من ذي قبل؛ فمن ناحية، تسعى واشنطن إلى حماية حرية الملاحة الدولية والحيلولة دون تعرض أمن الطاقة في الخليج والبحر الأحمر لاضطرابات واسعة، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي ومصالحها الاستراتيجية، حتى وإن كانت تستفيد نسبيًا من بعض التحولات التي تفرضها الأزمة على أسواق الطاقة، ومن ناحية أخرى، تبدو حريصة على عدم دفع المنطقة نحو مستوى أعلى من التصعيد قد يهدد مصالحها وقواعدها وخطوطها اللوجستية في واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للاستراتيجية الأميركية.

وفي السياق ذاته، لا تبدو واشنطن راغبة في الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الحوثيين في اليمن، إذ تميل إلى إدارة التهديد من خلال مزيج من الدعم الاستخباراتي والأمني والتحركات الدبلوماسية، مع الإبقاء على قنوات اتصال غير مباشرة تسهم سلطنة عُمان في استضافتها، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انتقاله إلى مستويات قد تهدد المصالح الأميركية أو توسع نطاق المواجهة الإقليمية.

وفي خضم هذه المعادلة، تكتسب القاهرة أهمية خاصة في الحسابات الأميركية، فمصر حليف استراتيجي قديم لواشنطن، وشريك وثيق للرياض، وفي الوقت ذاته تتمتع بموقع جيوسياسي يجعلها طرفًا رئيسيًا في معادلة أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط، فضلًا عن إشرافها على قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة والملاحة الدولية.

ومن هنا يمكن قراءة زيارة راتكليف إلى القاهرة باعتبارها جزءًا من تحرك أميركي أوسع يستهدف الاستفادة من الثقل السياسي والدبلوماسي المصري، ومن شبكة علاقات القاهرة مع مختلف أطراف المشهد الإقليمي، وفي مقدمتها الرياض وطهران، للمساهمة في احتواء التصعيد وفتح مساحات للتهدئة، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة ستكون المصالح الأميركية في الشرق الأوسط من بين أول المتأثرين بتداعياتها.

وبهذا المعنى، لا تبدو القاهرة بالنسبة لواشنطن مجرد شريك أمني، وإنما طرفًا يمتلك القدرة على أداء دور في إدارة التوازنات الإقليمية وتقليص مساحة المواجهة بين الأطراف المتنافسة، في مرحلة تسعى فيها الولايات المتحدة إلى حماية مصالحها الاستراتيجية بأقل قدر ممكن من الانخراط العسكري المباشر.

تتبنى مصر مقاربة واضحة ومعلنة تجاه الملف اليمني، تقوم بالأساس على تجنب الانخراط العسكري المباشر في هذا الصراع، إدراكًا منها لما قد يترتب على ذلك من أعباء وتكاليف سياسية وأمنية وعسكرية كبيرة قد لا تتناسب مع طبيعة المصالح المصرية المباشرة،  ومن ثم، فإن الرهان على تدخل عسكري مصري واسع في الساحة اليمنية يظل رهانًا غير واقعي، وهو ما تؤكده الخبرة التاريخية المصرية في التعامل مع الأزمات الإقليمية الممتدة على مدار العقود الماضية.

غير أن غياب الانخراط العسكري المباشر لا يعني غياب الدور المصري أو محدودية أدوات القاهرة في إدارة هذا الملف، فهناك مجموعة من الأوراق الأخرى التي يمكن توظيفها بما يحقق تأثيرًا موازيًا، خاصة إذا تم التعامل معها ضمن رؤية متكاملة تجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والاستخباراتية.

ويأتي التعاون المعلوماتي والتنسيق الاستخباراتي في مقدمة هذه الأدوات، خاصة في ظل طبيعة التهديدات الراهنة التي تتسم باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ والقدرات غير التقليدية،  وفي هذا السياق، تصبح مشاركة تقديرات الموقف، وتبادل المعلومات حول التحركات الإقليمية، وتعزيز قدرات الإنذار المبكر، عناصر ذات أهمية متزايدة في إدارة الأزمة وتقليل احتمالات اتساع نطاق التصعيد، لا سيما في ظل وجود قنوات تعاون استخباراتي قائمة بين القاهرة وواشنطن.

إلى جانب ذلك، يمثل المسار الدبلوماسي والسياسي أحد أبرز مجالات الدور المصري، حيث تمتلك القاهرة خبرة طويلة في إدارة التوازنات الإقليمية، ويمكنها، بالتنسيق مع أطراف أخرى مثل سلطنة عُمان، الإسهام في جهود خفض التصعيد وتهيئة مسارات للحوار السياسي.

 وتستمد مصر قدرتها النسبية على لعب هذا الدور من طبيعة علاقاتها المتوازنة مع مختلف أطراف الأزمة، سواء الرياض أو طهران أو واشنطن، وهو ما يمنحها مساحة للحركة والاتصال في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

كما يبرز بُعد أمني آخر يتعلق بأمن البحر الأحمر وباب المندب، وهو ملف يمثل أهمية استراتيجية مباشرة لمصر بالنظر إلى ارتباطه بأمن قناة السويس وحركة التجارة الدولية، فاضطراب الملاحة في هذا الممر الحيوي ينعكس بصورة مباشرة على المصالح المصرية، الأمر الذي يجعل القاهرة معنية بتعزيز التنسيق الأمني مع الأطراف الإقليمية والدولية، وتبادل المعلومات بشأن مصادر التهديد، ومراقبة التطورات التي قد تؤثر على أمن الملاحة.

وبذلك، فإن الدور المصري في الملف اليمني لا يرتبط بالضرورة بإرسال قوات عسكرية، وإنما يرتكز على توظيف أدوات متعددة تشمل الدبلوماسية، والاستخبارات، والتنسيق الأمني، وحماية المصالح الاستراتيجية المرتبطة بأمن البحر الأحمر، بما يعكس طبيعة المقاربة المصرية القائمة على إدارة الأزمات واحتواء تداعياتها أكثر من الانخراط المباشر في صراعات مفتوحة.

في هذا المشهد الإقليمي شديد التعقيد، تتحرك القاهرة وفق حسابات دقيقة وحساسة، فهي من ناحية تدعم أمن السعودية واستقرارها، باعتبار أن أمن الخليج والبحر الأحمر وحرية الملاحة ترتبط بصورة مباشرة بالمصالح المصرية الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بأمن الممرات البحرية وحركة التجارة الدولية.

وفي المقابل، تدرك القاهرة أن الانخراط العسكري المباشر في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين قد يكون له كلفة اقتصادية وعسكرية وسياسية كبيرة، لا تتحملها الدولة المصرية في هذا التوقيت، خاصة في ظل طبيعة الصراع وتشعباته الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، تتحرك مصر وفق مقاربة براغماتية تقوم على توظيف مجموعة من الأدوات غير العسكرية، تجمع بين التعاون الاستخباراتي، وتعزيز أمن الملاحة، والتنسيق الأمني، والتحرك الدبلوماسي، ودعم مسارات الوساطة وخفض التصعيد، فيما تبقى الخيارات العسكرية المباشرة ضمن دائرة الاحتمالات، ورغم أنها صعبة على الأقل في الوقت الراهن لكنها ليست مستبعدة بالكلية، لاسيما إذا ما كانت كلفة الحياد أكبر بكثير من كلفة الانخراط المباشر، وهو ما يتوقف على تطورات الموقف ومستوى التصعيد.

(ألترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى