مقالات

د. عبدالعظيم الشاذلي يكتب: افهم إشارات جسدك.. أمراض مناعية تبدأ بأعراض بسيطة

نحن نعرف جهاز المناعة باعتباره خط الدفاع الأول عن أجسامنا. مهمته أن يكتشف الفيروسات والبكتيريا وكل ما يمكن أن يهدد صحتنا، ثم يتحرك لمواجهته

لكن ماذا لو أخطأ هذا الجهاز يومًا في التمييز بين العدو والصديق؟

ماذا لو بدأ يهاجم جزءًا من الجسم نفسه؟

هذا بالضبط ما يحدث، بصورة أو بأخرى، في مجموعة من الأمراض المناعية والالتهابية التي قد تصيب الجهاز الهضمي، من الأمعاء إلى الكبد والقنوات المرارية، وحتى البنكرياس.

والمشكلة أن البداية ليست دائمًا مخيفة أو واضحة. أحيانًا تبدأ القصة بإسهال متكرر، أو أنيميا لا تتحسن رغم العلاج، أو إرهاق مستمر، أو حكة لا نعرف سببها، أو ارتفاع بسيط في إنزيمات الكبد

وأحيانًا يتعايش المريض مع هذه الأعراض شهورًا، وربما سنوات، وهو يقول لنفسه: “أكيد قولون”، أو “يمكن من الأكل”، أو “أنا مضغوط نفسيًا هذه الأيام“.

لكن بعض الأعراض تستحق أن نتوقف عندها قليلًا.

من أشهر الأمراض المناعية الالتهابية التي تصيب الجهاز الهضمي مرضا كرون والتهاب القولون التقرحي.

وهما مختلفان عن القولون العصبي الذي يعرفه معظم الناس.

في القولون العصبي، تكون هناك اضطرابات في حركة ووظيفة الأمعاء، وقد يعاني المريض من الانتفاخ والمغص وتغير طبيعة التبرز، لكننا لا نرى الالتهابات والتقرحات العضوية التي نراها في مرض كرون أو التهاب القولون التقرحي.

أما في هذه الأمراض الالتهابية، فقد يشكو المريض من إسهال مستمر، أو دم في البراز، أو مغص متكرر، أو فقدان وزن، أو إرهاق وأنيميا.

والأمر قد لا يقتصر على الأمعاء فقط.                             

بعض المرضى قد يعانون من آلام أو التهابات في المفاصل، أو مشكلات بالعينين، أو تغيرات جلدية.

وهنا نفهم أن ما يحدث ليس مجرد مشكلة هضم، وإنما اضطراب في طريقة استجابة الجهاز المناعي.

أحيانًا يزور المريض الطبيب بسبب أنيميا متكررة.

يتناول الحديد، تتحسن النسبة قليلًا، ثم تعود الأنيميا من جديد.

هنا يجب ألا نتوقف فقط عند إعطاء الحديد، بل نسأل: لماذا يحدث النقص أساسًا؟

أحد الأسباب المحتملة هو مرض السيلياك.

في هذا المرض، يتفاعل الجهاز المناعي بطريقة غير طبيعية مع مادة الجلوتين الموجودة في القمح والشعير ، مما يؤدي إلى تضرر بطانة الأمعاء الدقيقة، وبالتالي ضعف امتصاص الحديد وبعض الفيتامينات والعناصر الغذائية.

وقد يكون المريض مصابًا بالسيلياك من دون أن يعاني أصلًا من إسهال واضح.

أحيانًا تكون الأنيميا هي العلامة الوحيدة.

وأحيانًا يظهر المرض في صورة انتفاخ مزمن، أو نقص وزن، أو هشاشة عظام، أو نقص في بعض الفيتامينات.

ولهذا فإن أحد الأخطاء الشائعة هو أن يبدأ الشخص حمية خالية من الجلوتين من تلقاء نفسه قبل إجراء الفحوص.

إذا كان هناك اشتباه حقيقي في السيلياك، يجب أن يتم التشخيص أولًا، لأن التوقف عن تناول الجلوتين قبل الفحوص قد يجعل الوصول إلى التشخيص أكثر صعوبة.

عندما نتحدث عن أمراض المناعة، لا ينبغي أن نفكر في الأمعاء وحدها.

فهناك مرض يسمى التهاب الكبد المناعي الذاتي، وفيه يهاجم الجهاز المناعي خلايا الكبد.

والمثير أن المريض قد لا يشعر بشيء واضح في البداية.

قد يكتشف ارتفاع إنزيمات الكبد بالصدفة أثناء إجراء فحوص روتينية، وقد تظهر عند آخرين أعراض مثل الإرهاق، أو اصفرار العينين، أو تغير لون البول.

ومع استمرار الالتهاب من دون علاج، قد يتعرض الكبد بمرور الوقت للتليف.

لكن الجانب المطمئن أن كثيرًا من المرضى يستجيبون بصورة جيدة للعلاج عند تشخيص المرض في الوقت المناسب.

الحكة من الأعراض التي غالبًا ما تدفع الناس أولًا للبحث عن حساسية جلدية.

وهذا منطقي في معظم الحالات.

لكن إذا كانت الحكة مستمرة، ولا يوجد لها تفسير جلدي واضح، وخصوصًا إذا صاحبها اضطراب في تحاليل الكبد، فقد يكون من الضروري التفكير في أمراض القنوات المرارية.

من بينها مرض يسمى Primary Biliary Cholangitis أو PBC، وهو مرض مناعي يؤثر أساسًا في القنوات المرارية الصغيرة داخل الكبد.

وهناك أيضًا Primary Sclerosing Cholangitis أو PSC، الذي يؤدي إلى حدوث التهابات وتضيقات في القنوات المرارية، ويرتبط أحيانًا بأمراض الأمعاء الالتهابية، وخاصة التهاب القولون التقرحي.

وقد تظهر هذه الأمراض بحكة، أو إرهاق، أو اصفرار، أو اضطراب في وظائف الكبد.

وفي أحيان كثيرة، تبدأ القصة كلها بتحليل غير طبيعي.

وقد يظهر المريض باصفرار، أو تغيرات في البنكرياس في الأشعة، أو انسداد بالقنوات المرارية.

وأهمية هذا المرض أنه قد يتشابه أحيانًا مع أورام البنكرياس في بعض الصور والأعراض.

ولهذا لا يجوز التسرع في التشخيص اعتمادًا على الأشعة وحدها.

التقييم الدقيق، والفحوص المناسبة، وأحيانًا أخذ عينات، هي ما تحدد الصورة الحقيقية.

هذا هو السؤال الذي يسأله معظم المرضى:

دكتور، لماذا حدث لي هذا؟

والإجابة ليست دائمًا بسيطة.

في معظم هذه الأمراض، لا يوجد سبب واحد نستطيع أن نقول إنه المسؤول بمفرده.

هناك استعداد وراثي عند بعض الأشخاص، وهناك دور للجهاز المناعي، وللبيئة، وللبكتيريا الطبيعية الموجودة داخل الأمعاء، وربما عوامل أخرى ما زال الطب يحاول فهمها.

لهذا، ليس صحيحًا أن نقول إن مرضًا مناعيًا حدث لأن الشخص تناول نوعًا معينًا من الطعام، أو لأنه تعرض لضغط نفسي شديد.

التوتر يمكن أن يزيد بعض الأعراض، وربما يساهم في نشاط بعض الأمراض، لكنه ليس القصة كلها.

ليس بالضرورة.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

في كثير من الأمراض المناعية، المشكلة ليست أن المناعة “ضعيفة”، وإنما أنها تعمل بطريقة غير منضبطة أو تتجه في الاتجاه الخطأ.

أي أن المشكلة في تنظيم المناعة، وليس ببساطة في قوتها أو ضعفها.

في كثير من الحالات نعم.

وهذه ربما أهم رسالة يجب أن تصل إلى كل مريض يسمع لأول مرة كلمة “مرض مناعي“.

لقد تطور العلاج بصورة كبيرة جدًا خلال السنوات الأخيرة.

في أمراض الأمعاء الالتهابية مثل كرون والتهاب القولون التقرحي، أصبح لدينا علاجات بيولوجية وأدوية حديثة تستهدف أجزاء محددة من الالتهاب والمناعة.

وفي أمراض الكبد المناعية والقنوات المرارية، أصبح التشخيص أكثر دقة، وهناك علاجات تستطيع الحد من نشاط المرض وحماية الكبد من المضاعفات.

هدفنا اليوم لم يعد فقط أن نقول للمريض: “الألم اختفى والإسهال توقف“.

الهدف الحقيقي هو السيطرة على الالتهاب نفسه، ومنع الضرر الذي قد يحدث على المدى الطويل.

لا داعي لأن تتحول كل نوبة مغص أو إسهال إلى مصدر للقلق.

لكن إذا كانت الأعراض مستمرة أو متكررة، فالأفضل أن نعرف السبب.

خصوصًا عند وجود:

دم في البراز، أو إسهال يستمر لفترة طويلة، أو فقدان وزن من دون سبب، أو أنيميا متكررة، أو ارتفاع مستمر في إنزيمات الكبد، أو اصفرار بالعينين، أو حكة مزمنة غير مفسرة.

كذلك فإن الأعراض التي توقظ الشخص من النوم، أو يصاحبها ارتفاع في الحرارة أو إرهاق شديد، تستحق تقييمًا أكثر دقة.

لا تخف… لكن لا تتجاهل

ليس الهدف من الحديث عن أمراض الجهاز الهضمي المناعية أن يعيش الناس في خوف من كل عرض بسيط.

العكس تمامًا.

الهدف أن نفرق بين العرض العابر والعرض الذي يحاول الجسم من خلاله أن يخبرنا بأن هناك شيئًا يحتاج إلى الانتباه.

ليس كل إسهال مرض كرون.

وليس كل أنيميا سيلياك.

وليس كل ارتفاع في إنزيمات الكبد مرضًا مناعيًا.

لكن أيضًا ليس من الحكمة أن نستمر في علاج نفس العرض لسنوات من دون أن نسأل عن سببه.

أحيانًا تكون المشكلة الحقيقية ليست أن المرض صعب العلاج

بل أن المريض اعتاد أعراضه وتأخر في البحث عن السبب.

لذلك استمع إلى جسدك، لكن لا تخف منه.

اسأل، وافحص، ولا تعتمد على التشخيص الذاتي أو معلومات متناثرة من الإنترنت.

فكلما عرفنا السبب مبكرًا، كانت فرص السيطرة على المرض وحماية الجسم أفضل.

افهم جسمك… واطمئن على صحتك.



*استشاري الجهاز الهضمي والكبد والمناظير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى