
د. جيهان علو: كيف حوّلت طهران كوردستان إلى جغرافيا أمنية مغلقة؟
تُصرّ طهران على تقديم نفسها باعتبارها دولة متماسكة تحكمها منظومة أيديولوجية واضحة ومؤسسات تعمل ضمن انسجام كامل، إلا أن القراءة المتعمقة لبنية السلطة الإيرانية تكشف واقعاً أكثر تعقيداً؛ واقعاً تحكمه التناقضات الداخلية، وصراع النفوذ بين مراكز القرار، وتنافس مستمر حول الطريقة المثلى للحفاظ على تماسك النظام في مواجهة أزمات داخلية وخارجية متراكمة. فالمسألة في إيران لم تعد مجرد خلاف بين تيارات سياسية حول أسلوب إدارة الدولة، بل أصبحت صراعاً حول سؤال أكثر عمقاً: هل بقاء النظام يتطلب مزيداً من السيطرة الأمنية وإغلاق المجال العام بقبضة حديدية؟ و لماذا تُعتبر المدن الكوردية الملف الأكثر حساسة قي حسابات طهران ؟
في قلب هذا الصراع برز مفهوم “أمن النظام” باعتباره المعيار الأعلى الذي تُقاس من خلاله معظم السياسات والقرارات الداخلية. فبدلاً من النظر إلى الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية باعتبارها نتائج تحتاج إلى معالجة عبر التنمية والمشاركة السياسية، يجري التعامل معها غالباً من منظور أمني بحت يرى في أي حركة اجتماعية أو مطلب حقوقي احتمالاً كامناً لتهديد الأمن القومي لإيران. وهنا تتحول الدولة من مؤسسة تسعى إلى إدارة التنوع الداخلي إلى جهاز يركز على مراقبة المجتمع وضبطه، خصوصاً في المناطق التي تحمل خصوصيات قومية ومطالب حقوقية و التي تعتبرها الدولة الإيرانية تمرد واضح على السُلطة.
إذ تُعد كوردستان روژهلات إحدى أبرز المناطق التي انعكست عليها هذه العقلية الأمنية. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية 1979، لم تنظر طهران إلى المناطق الكوردستانية باعتبارها مجرد مدن حدودية تحتاج إلى إصلاحات و برامج تنموية أو سياسات اندماج اجتماعي، بل تعاملت معها بوصفها ملفاً أمنياً هو الأخطر من نوعه على الدولة المركزية. فالموقع الجغرافي، والهوية القومية، والذاكرة السياسية و التاريخية، ووجود مطالب متعلقة بالحقوق الثقافية والسياسية، كلها عوامل دفعت المؤسسات الأمنية الإيرانية إلى بناء تصور يقوم على القبضة الحديدية بدلاً من بناء الثقة المتبادلة.
لا يمكن إخفاء أنَّ استمرار هذا النهج يعكس خوفاً عميقاً لدى مراكز القرار في طهران من قدرة المجتمعات المحلية في كوردستان على تنظيم نفسها سياسياً واجتماعياً
جوهر المشكلة هنا لا يكمن فقط في حجم الانتشار الأمني أو الإجراءات القمعية التي تُمارس في فترات الأزمات، بل في تحول المنظور الأمني إلى فلسفة حكم كاملة. فعندما تصبح حماية النظام الهدف الأول، يتم تقديم المجتمع باعتباره مساحة محتملة لتهديد النظام، ويصبح المواطن محل مراقبة قبل أن يكون شريكاً في بناء الدولة، إذ لا يُنظر النظام الإيراتي إلى الاحتجاج أو المطالبة بالحقوق باعتبارها تعبيراً طبيعياً عن مشكلات اجتماعية، بل باعتبارها تهديداً .يجب احتواؤه بلا أيّ مرونة
يظهر هذا المنهج الأمني في الحوكمة و العقلية المتشددة بوضوح في طريقة تعامل مؤسسات القرار الإيرانية مع المناطق الكوردية. فمجلس الأمن القومي الأعلى، باعتباره أحد أهم مراكز صياغة القرارات و السياسات الاستراتيجية الرسمية الصادرة عن الدولة، يعكس التوازنات المعقدة داخل النظام بين من يدعون إلى تخفيف الاحتقان عبر أدوات سياسية واقتصادية، وبين التيار الأمني المحافظ الذي يرى أن أي تساهل أو حتى محاولة لفتح طاولة التفاهم قد تُفسر باعتبارها ضعفاً يهدد هيبة الدولة. وفي ظل قوة المؤسسات العسكرية والأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، غالباً ما تميل الكفة نحو المقاربة التي تضع السيطرة الكاملة والاستباق الأمني فوق أي اعتبار آخر.
هذا التصور جعل كوردستان (روژهلات) تتحول تدريجياً إلى مساحة تُدار بمنطق مختلف عن بقية المدن. فبدلاً من أن تكون التنمية وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية أدوات أساسية لتعزيز الاستقرار، أصبحت الأدوات و الأجهزة الأمنية هي الوسيلة الرئيسية للتعامل مع ما تسميه بحركات التمرد أو تأييد أحزاب كوردية معارضة. فارتفاع معدلات البطالة، والخنق الاقتصادي، والتفاوت التنموي بين المناطق المركزية والمناطق الكوردية رغم امتلاكها موارد طبيعية وإمكانات اقتصادية مهمة، لكنّها تعاني من فجوات تنموية مزمنة مقارنة بالمناطق المركزية.
إذ لا تُقرأ هذه الفجوات باعتبارها أزمات اجتماعية، بل تُربط غالباً بحسابات أمنية تتعلق بالسيطرة الكاملة على البنية المجتمعية و إنهاكها اقتصادياً و
و هذه آلية مدروسة تتبناها المنظومة الأمنية كإدارة لما تعتبره (مخاطر على الأمن القومي) قبل وقوعها.
فلا يمكن إخفاء أنَّ استمرار هذا النهج يعكس خوفاً عميقاً لدى مراكز القرار في طهران من قدرة المجتمعات المحلية في كوردستان على تنظيم نفسها سياسياً واجتماعياً. فالمشكلة بالنسبة للعقلية الأمنية ليست فقط في وجود معارضة سياسية منظمة، بل في وجود مجتمع يمتلك وعياً ثقافياً وتاريخياً قادراً على إنتاج خطاب مختلف جذرياً على المستوى الإيديولوجي عن الخطاب الحكومي الرسمي. ولهذا تتحول الرقابة إلى أداة لإضعاف قدرة المجتمع على التعبير والتنظيم، وليس فقط لمنع أحداث أمنية محددة.
ولا تقتصر أدوات السيطرة على الجانب العسكري أو الأمني المباشر، بل تمتد إلى المجال النفسي والاجتماعي. فسياسات الاعتقال، والضغط على الناشطين والمثقفين، وتقييد النشاط المدني بشكل شبه كامل، وخلق حالة مستمرة من الخوف، أدت إلى إنهاك المجتمع الكوردي وإضعاف شبكات الاحتجاج المنظم داخله. فالمقصود ليس فقط التعامل مع فرد أو حادثة، بل إرسال رسالة ردع قاسية إلى البيئة الاجتماعية بأكملها مفادها أن أي مساحة مستقلة خارج إطار الدولة ستبقى تحت الرقابة والقبضة الأمنية باعتبارها تطاولاً على سيادة الدولة ما يمنح الدولة الصلاحية و الهيمنة الكاملة للتعامل معها بحزم و عقيدة أمنية جافة تركز على الحصار و التطويق و سياسات التخويف.
كوردستان (روژهلات) تكشف عن إشكالية أوسع في بنية الحكم الإيراني؛ وهي أن النظام يتعامل مع الحقوق القومية باعتبارها تحدياً أمنياً كبيراً و حجر عثرة أمام مركزية الدولة أكثر من كونه واقعاً اجتماعياً وسياسياً.
غير أن خطورة هذا النهج تتجاوز الانتهاكات المباشرة لتصل إلى “أمننة شاملة” تطال التفاصيل اليومية؛ وتُستغل الملفات التنموية والبيئية كأدوات للهندسة الديموغرافية والإنهاك المجتمعي. فهذا التلاحم بين البطش القضائي للمحاكم الثورية والضغط المعيشي المستمر يحول البنية التحتية ومؤسسات الدولة ذاتها إلى أدوات ردع سيكولوجي تهدف لإقناع المجتمع بأن ثمن المطالبة بالحقوق هو الإلغاء الكامل و التهديد الوجودي الصريح .
ما عمّق انعدام الثقة بين السياسة الإيرانية و الشعب الكوردي. إذ تحولت المطالب لحلّ الملفات الحقوقية العالقة كقضية الاعتقالات التعسفية للمثقفين و أستاذة الجامعات إلى ملفات قضائية مغلقة بوصفها حركات تمردية.و تم وربطها بالإرهاب بلا أيّ محاكمات قضائية صريحة .
فكوردستان (روژهلات) تكشف عن إشكالية أوسع في بنية الحكم الإيراني؛ وهي أن النظام يتعامل مع الحقوق القومية باعتبارها تحدياً أمنياً كبيراً و حجر عثرة أمام مركزية الدولة أكثر من كونه واقعاً اجتماعياً وسياسياً.
و السلطة في طهران؛ بعقيدة “أمن النظام” حوّلت روژهلات إلى منطقة مغلقة تُدار بالآليات العسكرية، والردع القضائي. و الإصرار على قراءة المطالب الحقوقية عبر عدسة “التهديد الوجودي” لا يحل الأزمة بقدر ما يؤجل انفجارها؛ .و قد تفرض منهجية النظام انضباطاً ظاهرياً وتفُكك شبكات التضامن المدني مؤقتاً، لكنها في المقابل تُعمق الفجوة مع الدولة. وبناءً عليه، يظل الرهان على المقاربة الأمنية حلاً مؤقتاً يحمل في طياته هشاشة كبيرة، ساهمت في خلق حالة من الاحتقان المكتوم للشعب الكوردي و جعلت استقراره و تطلعاته القومية هو الضحية الأولى للتطويق الأمني التي تمارسه السُلطة في سبيل استدامة سيطرتها كمنظومة مركزية أحادية القرار السياسي.
المصادر:
• د. شريف عبد الحميد، دفتر الحرب: قراءات في العسكرة والمواجهات الحدودية.
• أرشيف وأعداد مجلة كردستان (الصادرة في القاهرة ولندن).
• البيانات والوثائق السياسية الصادرة عن إعلام الأحزاب الكوردية المعارضة PDKI و PAK.
• التقارير الاستراتيجية الصادرة عن مركز الخليج للدراسات الإيرانية.
• الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلة إيران بوست و مجلة شؤون إيرانية
المعهد الكردي في باريس institut kurde de Paris) – دراسات وتقارير حول القضية الكوردية، الهوية، والسياسات الحكومية تجاه الكورد في إيران وعموم المنطقة.
معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute for Near East Policy) – أبحاث حول الحرس الثوري الإيراني، بنية النفوذ الأمني، وسياسات طهران تجاه الأقليات والمناطق الحدودية.



