
ما بعد السابع من أكتوبر: صفقة كبرى تعيد رسم المنطقة… من الرابح ومن يدفع الثمن؟
سارة الحربي
من يراقب ما جرى ويجري في المنطقة لا يستطيع أن ينظر إلى الأحداث بمعزل عن بعضها: السابع من أكتوبر، الحرب على غزة، ما جرى في سوريا ولبنان وإيران والعراق، والتحولات المتسارعة في الخليج، وصولاً إلى ملف النفط والغاز وإعادة رسم خرائط النفوذ.
هناك قراءة سياسية تقول إن أجهزة استخبارات إسرائيلية ودولية كانت على علم بجزء من التحضيرات التي سبقت السابع من أكتوبر، وربما جرى توظيف الحدث في اتجاهات تتجاوز ما أراده منفذوه. وكان يحيى السنوار لاعباً أساسياً في المشهد، لكن وفق هذه القراءة، كان يتحرك انطلاقاً من اعتقاد بأن ما يقوم به يخدم القضية الفلسطينية، بينما استطاعت إسرائيل والولايات المتحدة توظيف نتائج الحرب لمصلحة أهداف سياسية وأمنية واقتصادية أوسع، وفي لحظة كان فيها بنيامين نتنياهو يواجه أزمة سياسية واحتجاجات واسعة داخل إسرائيل.
والسؤال هنا: من هو الرابح الحقيقي من الحروب؟
قد لا يكون الرابح هو من يحقق الانتصار العسكري المباشر، بل من يخطط لما بعد الحرب، ويحوّل نتائجها إلى مكاسب سياسية واقتصادية. فالحرب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والعمليات العسكرية، بل بما تتركه من خرائط جديدة، ومنظومات نفوذ، وطرق طاقة، وحقول نفط وغاز، وممرات استراتيجية.
ومن هنا تأتي أهمية ما يجري في الخليج، وخصوصاً في مضيق هرمز. هناك روايات متناقضة حول من يملك السيطرة الفعلية على المضيق: الإيرانيون يقولون إنهم يسيطرون عليه، والأمريكيون يتحدثون عن إجراءاتهم، فيما أعلن دونالد ترامب عن إزالة الألغام، بينما تقول طهران إن الألغام لا تزال موجودة.
لكن خلف هذه التصريحات المتناقضة يطرح البعض فرضية وجود تفاهمات غير معلنة يجري تنفيذها بهدوء، تقوم على إعادة ترتيب النفوذ في الخليج، بما يسمح للولايات المتحدة بتأمين مصالحها وتدفق النفط والغاز من دون الحاجة إلى وجود عسكري أمريكي ضخم ومباشر.
وبحسب هذه القراءة، قد نشهد انسحاباً تدريجياً للقوات الأمريكية، مقابل بقاء أدوات النفوذ الأكثر حساسية: أجهزة الاستخبارات، السفارات، شبكات المصالح، والوجود السياسي والأمني. أي أن الجندي الأمريكي قد يتراجع حضوره العسكري، لكن النفوذ الأمريكي لا يختفي؛ بل ينتقل من الزي العسكري إلى أدوات أكثر هدوءاً وفعالية.
وهنا يطرح سؤال آخر: هل تتجه إيران إلى نموذج جديد؟
إيران قد تبقى دولة ثورية في بنيتها السياسية، لكنها، وفق هذه القراءة، قد تتجه إلى حصر مشروعها الثوري داخل حدودها، بحيث لا تعود مصدراً لتصدير الثورة أو لتوسيع نفوذها الإقليمي بالطريقة التي عرفناها خلال العقود الماضية. ويُقال إن هذا الأمر قد يكون جزءاً من الضمانات التي تُعطى للأمريكيين في أي تفاهمات مقبلة.
وفي هذا السياق، تبرز أدوار شخصيات إقليمية، ومنها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي يُقال إنه لعب دوراً في بعض الاتصالات والترتيبات، إلى جانب شخصيات من الحرس الثوري الإيراني ومحمد باقر قاليباف والقوى الإصلاحية، بما يعكس محاولة صياغة تفاهم إيراني داخلي ـ إقليمي جديد.
أما العقوبات الأمريكية على إيران، فيُقال في بعض الأروقة السياسية إنها قد تتحول إلى عقوبات مضبوطة أو محدودة التأثير، تسمح باستمرار الحياة الاقتصادية الإيرانية، مع إبقاء الضغط السياسي قائماً. فالشعب الإيراني اعتاد على الحصار والعقوبات، وإيران نفسها قد تجد في أي تفاهم إقليمي فرصة للتخفف من العبء المالي الكبير الذي فرضته عليها شبكة حلفائها وأذرعها الإقليمية.
وهنا نصل إلى العراق.
ما يجري في العراق، والاتصالات بين بغداد وطهران، والاتفاقات التي تُبرم بين القوى السياسية العراقية والإيرانية، يفتح سؤالاً كبيراً حول مستقبل الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. فهناك حديث متزايد عن دمج السلاح ضمن مؤسسات الدولة، وعن انتقال القوى الشيعية المختلفة، من عمار الحكيم إلى مقتدى الصدر ونوري المالكي وقيس الخزعلي وغيرهم، إلى مرحلة يكون فيها العمل السياسي والمؤسساتي داخل الدولة هو الإطار الأساسي.
وإذا تحقق ذلك، فقد يكون العراق أمام صيغة جديدة: دولة قوية، وسلاح محصور رسمياً بالمؤسسات، واستمرار النفوذ الإيراني ولكن من خلال السياسة والاقتصاد والعلاقات الرسمية، مقابل تخفيف الوجود العسكري الأمريكي مع بقاء السفارة وشبكات الاستخبارات والوجود الأمني الضروري لحماية المصالح الأمريكية.
أما الملف النووي الإيراني، فهو بدوره جزء أساسي من أي تسوية. فهناك سيناريوهات تتحدث عن نقل أو تخزين اليورانيوم المخصب خارج إيران، أو إخضاع المنشآت النووية، ومنها فوردو ونطنز، لترتيبات ورقابة دولية جديدة. وفي هذه الحالة تستطيع إيران الحفاظ على جزء من بنيتها النووية المدنية والعلمية، مع تقديم ضمانات تمنع استخدامها لإنتاج سلاح نووي.
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب: ماذا عن لبنان؟
هذا هو السؤال الذي يشغل جمهور المقاومة، والبيئة الحاضنة لها، وكل من وقف إلى جانبها: هل تخلت إيران عن حلفائها في لبنان؟ هل باعتهم على طاولة المفاوضات؟
الجواب، في رأيي، ليس بهذه البساطة.
إيران لا تستطيع أن تتجاهل التضحيات التي قدمها حلفاؤها في لبنان، ولا يمكنها أن تنسى سنوات المواجهة والوقوف إلى جانبها. لكن السياسة الدولية لا تُبنى فقط على الوفاء والتحالفات؛ إنها أيضاً موازين قوى ومصالح وتسويات.
هناك، بحسب ما يتردد في بعض الأوساط، مسارات تفاوضية غير معلنة بين واشنطن وطهران، بعضها جرى أو يجري عبر قنوات مختلفة، وقد يكون لبنان وسوريا جزءاً من الملفات التي تُناقش ضمن الصورة الإقليمية الأشمل.
لكن المشكلة الأساسية أن القرار في لبنان، وخصوصاً في الجنوب، لا تملكه واشنطن وحدها. إسرائيل شريك أساسي في تحديد ما تريده الولايات المتحدة في المساحة الممتدة من جنوب لبنان إلى سوريا، لأنها تعتبر هذه المنطقة جزءاً مباشراً من أمنها القومي.
ولهذا نرى استمرار الاحتلال الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب، واستمرار عمليات التجريف والهدم ومحو القرى والمنشآت، وصولاً إلى استهداف البنى التحتية ومصادر المياه. وإذا استمر هذا المسار، فإن الخطر لا يكون فقط في الاحتلال العسكري، بل في تحويل المنطقة تدريجياً إلى منطقة عازلة أو اقتصادية أو أمنية جديدة، مرتبطة بمصالح إسرائيلية وأمريكية أوسع.
وهنا يدخل ملف النفط والغاز بقوة، وخصوصاً مع إعادة رسم خرائط الطاقة في شرق المتوسط، والعلاقات اللبنانية مع قبرص واليونان، والحدود البحرية، ومصالح الشركات الدولية.
●فماذا عن المقاومة في لبنان؟
هناك أكثر من سيناريو.
السيناريو الأول هو المواجهة، لأن إسرائيل قد لا تقبل ببقاء قوة مسلحة على حدودها تعتبرها تهديداً استراتيجياً.
والسيناريو الثاني هو إعادة صياغة المقاومة داخل الدولة اللبنانية، بحيث تنتقل تدريجياً من نموذج القوة العسكرية المستقلة إلى نموذج سياسي ـ أمني جديد، مع الحفاظ على جوهر قوتها ضمن صيغة لبنانية يتم التفاوض عليها.
والسيناريو الثالث هو تسوية طويلة الأمد، يتم فيها تثبيت واقع جديد في الجنوب، مع ترتيبات أمنية واقتصادية وتعويضات وإعادة إعمار للمناطق المتضررة، باستثناء المناطق التي قد تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية أو ضمن المنطقة التي يجري الحديث عنها كمنطقة اقتصادية أو أمنية.
وفي كل هذه السيناريوهات يبقى السؤال عن السلاح، وعن المقاومة، وعن الجنوب، وعن مستقبل القرى التي دُمّرت، وعن مصير أهلها.
●أما القول إن إيران قد تترك لبنان، فهو برأيي تبسيط شديد للمشهد. الأرجح أن طهران، إذا غيّرت طريقة إدارتها لملفها الإقليمي، ستبحث عن صيغة تحفظ الحد الأدنى من نفوذها وحضورها في لبنان، ولكن ربما بأدوات مختلفة عن السابق.
وقد تتركز المساعدات مستقبلاً بصورة أكبر على الجرحى والأيتام والأرامل والمتضررين وإعادة الإعمار، وربما تشمل تعويضات مالية كبيرة لأهالي القرى التي دُمّرت، إذا حصلت تسوية إقليمية تسمح بذلك.
لكن كل هذا يبقى في دائرة السيناريوهات، لا الحقائق النهائية.
والخلاصة أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة ترتيب شاملة: إيران تعيد تعريف دورها، العراق يعيد تعريف علاقة الدولة بالسلاح، الولايات المتحدة تعيد تعريف وجودها العسكري، وإسرائيل تحاول تثبيت واقع أمني وجغرافي جديد في الجنوب اللبناني وسوريا.
ويبقى لبنان الحلقة الأكثر حساسية.
فإذا كان المطلوب من المقاومة أن تتأقلم مع الواقع الجديد، فإن السؤال الحقيقي هو: هل سيكون التأقلم عبر الدولة، أم عبر مواجهة جديدة؟ وهل ستقبل إسرائيل بتسوية تحفظ للبنان سيادته، أم أنها تريد فرض أمر واقع دائم في الجنوب؟
حتى الآن لا توجد أجوبة نهائية.
لكن المؤكد أن الشعب اللبناني، وخصوصاً أهل الجنوب، لا يريدون أن يكونوا مجرد ورقة على طاولة المفاوضات.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل نحن أمام نهاية مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، أم أمام بداية مرحلة جديدة من الصراع ولكن بأدوات مختلفة؟
الأيام المقبلة وحدها ستكشف الحقيقة.
نسأل الله أن يحمي لبنان وأهله، وأن يحفظ ويحمي العراق واهله وفلسطين واهلها وجميع الشعوب العربية وان لا يكون ثمن التسويات الإقليمية على حساب الأرض والكرامة والسيادة.



