مقالات

إسرائيل والليطاني: الحلم الذي لم يفارقها منذ التأسيس

لم يكن الوصول إلى نهر الليطاني بالنسبة إلى إسرائيل هدفاً عابراً أو مرتبطاً بحرب واحدة. فمنذ ما قبل تأسيس الكيان، ظلّ جنوب لبنان، بما يمثله من موقع جغرافي ومائي وأمني، جزءاً من الحسابات الإسرائيلية وفي الثقافة التلمودية الصهيونية.

واليوم، مع ما يجري في الجنوب من عمليات تجريف وتهديم واقتلاع، يعود السؤال القديم إلى الواجهة: هل نحن أمام فصل جديد من مشروع قديم؟

لكن قبل أن نصل إلى اليوم، علينا أن نتذكر كيف وُضع الجنوب اللبناني، تاريخياً، في فم التنين.

بعد اتفاق القاهرة عام 1969، دخل الجنوب مرحلة شديدة التعقيد، بعدما أصبح ساحة مفتوحة للعمل الفلسطيني المسلح، في وقت كانت فيه إسرائيل تتعامل مع الجنوب باعتباره منطقة صراع وأمن مفتوح. وكان الإمام موسى الصدر من أبرز من رفضوا هذا الواقع، وطالبوا بانتشار الجيش اللبناني وبأن تكون الدولة هي صاحبة القرار والسيادة على أرض الجنوب.

والتاريخ، للإنصاف، يجب أن يُروى بكل تفاصيله: فقد كان هناك أيضاً عدد كبير من أبناء الجنوب الذين انخرطوا مع المنظمات الفلسطينية، بل إن بعضهم وقف في وجه انتشار الجيش وقطع الطرق أمامه. وفي المقابل، تعرض الإمام الصدر لحملات تخوين وافتراء من جهات كانت ترى في موقفه عائقاً أمام مشروع تحويل الجنوب إلى ساحة مفتوحة للصراع.

لقد دفع الجنوبيون ثمن تلك المرحلة، ثم دفعوا ثمن الحروب والاجتياحات والاحتلالات المتتالية.

وما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي اليوم في الجنوب يبدو، من حيث حجم الجرف والتهديم واقتلاع الأشجار وتدمير المنازل والمعالم وحتى الاعتداء على القبور، أشبه بمحاولة محو الذاكرة والمكان، لا بمجرد عملية عسكرية محدودة. إنها إبادة للمشهد العمراني والطبيعي والحضاري للقرى التي عاشت فيها أجيال من اللبنانيين.

لكن، رغم كل ذلك، يجب على اللبنانيين التريث قبل التعامل مع الاحتلال وكأنه أمر نهائي أو قدر لا يمكن تغييره.

فالتاريخ يقول إن الوصول الإسرائيلي إلى الليطاني أو فرض السيطرة على مناطق جنوبية حتى النهر تكرر في محطات أساسية:

  • 1948: عملية حيرام، التي شهدت توغلاً إسرائيلياً في جنوب لبنان.
  • 1978: عملية الليطاني، حين اجتاح الجيش الإسرائيلي مناطق واسعة من الجنوب وصولاً إلى مشارف النهر.
  • 1982: الاجتياح الإسرائيلي للبنان، الذي تجاوز الليطاني ووصل إلى بيروت.
  • 2026: العمليات الجارية وخطط إقامة منطقة أمنية وفرض واقع جديد في الجنوب.

وهنا تكمن العبرة.

الاحتلال الإسرائيلي للجنوب ليس قدراً لبنانياً، والليطاني ليس مجرد خط على الخريطة. إنه جزء من صراع عمره عقود، حاولت إسرائيل خلاله مراراً الوصول إلى عمق الجنوب وفرض وقائع جغرافية وأمنية جديدة.

لذلك، فإن ما يجري اليوم لا ينبغي أن يُقرأ فقط من خلال مشهد الدمار الحالي، بل من خلال التاريخ الطويل للمطامع الإسرائيلية في جنوب لبنان.

فقد يتغير شكل الاحتلال، وتتغير الذرائع، وتتبدل خرائط النفوذ، لكن السؤال يبقى نفسه:

هل يكون الليطاني نهاية الطريق بالنسبة لإسرائيل، أم أن اللبنانيين لم يتعلموا بعد أن الاحتلال، مهما طال، لا يصبح حقاً مكتسباً لمجرد أنه بقي على الأرض؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى