
كتاب الديمقراطية والتحول الديمقراطي في عالم متغيّر.. قراءة نقدية في أطروحات غيورغ سورنسن
خالد فياض – باحث سياسي في الشؤون العربية
ليست أهمية كتاب غيورغ سورنسن «الديمقراطية والتحول الديمقراطي: السيرورات والمأمول في عالم متغيّر» في أنه يقدم تعريفاً جديداً للديمقراطية، ولا في أنه يضيف نموذجاً مغلقاً لتفسير الانتقال من التسلطية إلى الديمقراطية. أهميته الحقيقية أنه يحاول تفكيك واحدة من أكثر الأفكار رسوخاً في العلوم السياسية الحديثة: أن الديمقراطية، بعد توسعها الكبير في العقود الأخيرة من القرن العشرين، تسير في اتجاه تاريخي شبه حتمي نحو مزيد من الانتشار والاستقرار.
الكتاب، الذي صدر أصله الإنجليزي عن Westview Press عام 2008، ونقل إلى العربية ضمن سلسلة ترجمات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ينطلق من سؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يجعل الديمقراطية ممكنة، وما الذي يجعلها قابلة للاستمرار، ولماذا تتوقف أحياناً قبل أن تكتمل؟
هذه النقلة من سؤال «كيف تتحول الدول إلى الديمقراطية؟» إلى سؤال «لماذا تنجح بعض عمليات التحول وتتوقف أخرى أو تنتكس؟» هي التي تمنح الكتاب قيمته المستمرة.
الديمقراطية: أكثر من مجرد انتخابات
يبدأ سورنسن من المشكلة المفاهيمية نفسها. فالديمقراطية تبدو، في أبسط تعريفاتها، حكماً للشعب، لكن هذا التعريف يخفي وراءه أسئلة كثيرة: من هو الشعب؟ ومن يشارك؟ وكيف يمارس المشاركة؟ وما حدود السلطة التي يجوز للأغلبية ممارستها؟
ومن هنا يميز الكتاب بين التصورات المختلفة للديمقراطية. فالديمقراطية عند جوزيف شومبيتر يمكن فهمها بوصفها آلية مؤسسية لاختيار القادة من خلال المنافسة الانتخابية، بينما يذهب ديفيد هلد إلى تصور أكثر اتساعاً يربط الديمقراطية بمبدأ الاستقلال الديمقراطي وبالقدرة الفعلية للأفراد على ممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية.
لكن سورنسن يميل، في التحليل العملي للأنظمة السياسية، إلى إطار روبرت دال ومفهوم البولياركية، حيث تصبح المنافسة السياسية والمشاركة والحريات المدنية والسياسية عناصر أساسية للحكم على درجة ديمقراطية النظام.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار الكتاب: لا ينبغي اختزال الديمقراطية في وجود الانتخابات. فالانتخابات قد تكون موجودة بينما تكون المنافسة مقيدة، والمشاركة محدودة، والحريات السياسية ضعيفة، وتداول السلطة غير مضمون.
بذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تجري انتخابات؟ وإنما: ما الذي تتيحه الانتخابات من منافسة ومشاركة وحريات وتداول فعلي للسلطة؟
هل تصنع التنمية الديمقراطية؟
ينتقل سورنسن بعد ذلك إلى واحدة من أقدم القضايا في أدبيات التحول الديمقراطي: هل تؤدي التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى الديمقراطية؟
بدت أطروحة سيمور مارتن ليبست، التي ربطت بين ارتفاع مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبين احتمالات الديمقراطية، جذابة لأنها قدمت تفسيراً بنيوياً للتحول السياسي. فارتفاع التعليم والتحضر والدخل ونمو الطبقة الوسطى يفترض أن يؤدي إلى مجتمع أكثر قدرة على المطالبة بالمشاركة السياسية.
لكن التاريخ السياسي لم يكن بهذه البساطة.
فقد حققت دول سلطوية مستويات مرتفعة من النمو والتعليم والتحديث، من دون أن تنتقل بالضرورة إلى الديمقراطية. وفي حالات أخرى، أدى التحديث السريع إلى إنتاج مؤسسات بيروقراطية وأمنية أكثر قدرة على إدارة المجتمع، وبالتالي إلى تقوية النظام السلطوي بدلاً من إضعافه.
وهنا يتجنب سورنسن الوقوع في حتمية اقتصادية معاكسة. فالتنمية قد تهيئ بيئة أكثر ملاءمة للديمقراطية، لكنها لا تنتجها آلياً.
وهذه من أكثر نقاط الكتاب أهمية؛ لأن الديمقراطية، في النهاية، ليست نتيجة تلقائية لمؤشر اقتصادي أو اجتماعي. هناك دائماً السياسة، وهناك المؤسسات، وهناك النخب، وهناك الصراعات، وهناك القرارات التي يتخذها الفاعلون في لحظات تاريخية محددة.
بين البنية والفاعل
ربما تكون هذه هي الفكرة الأكثر عمقاً في الكتاب كله.
فإذا كانت البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مهمة، فإنها لا تلغي دور الإنسان والسياسة. الانتقال الديمقراطي يحدث داخل بنية معينة، لكنه لا تحدده بالكامل.
وهنا يفتح سورنسن الباب أمام دراسة الخيارات الاستراتيجية للفاعلين السياسيين. فالتحالفات، والتسويات، والقيادة السياسية، وطريقة إدارة الصراع، والقدرة على التفاوض بين القوى المتنافسة، كلها يمكن أن تغير مسار التحول.
وتصبح التجربة التاريخية لنلسون مانديلا وجنوب أفريقيا مثالاً دالاً على هذه المسألة. فالتحول السياسي لا ينتظر دائماً اكتمال «الشروط المثالية»، بل قد تصنع القيادة والتسويات السياسية نافذة تاريخية لا تتكرر.
وهذا يعني أن التحول الديمقراطي ليس معادلة اقتصادية، وإنما عملية تاريخية تتفاعل فيها البنية مع الفعل السياسي.
من «الموجة الديمقراطية» إلى الجمود
لكن الجزء الأكثر اتصالاً بعالم اليوم هو ذلك الذي يتناول مصير الديمقراطية بعد انتهاء الحرب الباردة.
كان التفاؤل الذي ساد في تسعينيات القرن الماضي يرى أن انهيار الشيوعية وتوسع الانتخابات وتراجع عدد الأنظمة السلطوية يمثل بداية مسار طويل نحو الديمقراطية الليبرالية. غير أن الواقع اللاحق كان أكثر تعقيداً.
دول كثيرة لم تعد سلطوية بالمعنى التقليدي، لكنها لم تصبح ديمقراطية مكتملة أيضاً. نشأت أنظمة هجينة، وانتخابات محدودة، ومؤسسات دستورية لا تتمتع دائماً بالقوة الكافية، وأشكال من الديمقراطية الانتخابية أو المقيدة.
وهنا تظهر فكرة «الجمود الديمقراطي» بوصفها واحدة من أهم إضافات سورنسن إلى النقاش.
فالمشكلة لم تعد دائماً في غياب التحول، وإنما في توقفه عند نقطة وسطى.
قد توجد الانتخابات، لكن لا توجد منافسة متكافئة. وقد توجد مؤسسات منتخبة، لكن تظل شبكات النفوذ القديمة ممسكة بجزء كبير من الدولة والاقتصاد. وقد توجد حريات رسمية، لكنها لا تتحول إلى قدرة فعلية للمواطنين على التأثير في القرار السياسي.
وبذلك تصبح «المنطقة الرمادية» أكثر من مرحلة انتقالية مؤقتة؛ إذ يمكن أن تتحول إلى حالة مستقرة بذاتها.
وهذه ملاحظة شديدة الأهمية؛ لأنها تقلب التصور التقليدي للتحول الديمقراطي من مسار له نهاية واضحة إلى عملية قد تستقر طويلاً في منتصف الطريق.
الدولة أولاً أم الديمقراطية أولاً؟
يكشف الكتاب كذلك عن مشكلة غالباً ما يجري تجاهلها في النقاشات السياسية: لا يمكن بناء ديمقراطية مستقرة فوق دولة ضعيفة ومؤسسات عاجزة.
فالديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على تطبيق القانون، وإدارة الصراع، وحماية الحقوق، وتنظيم المنافسة السياسية. ولذلك فإن ضعف الدولة لا يعني بالضرورة مزيداً من الديمقراطية، بل قد يؤدي إلى النتيجة العكسية.
وهنا تبرز المفارقة: الديمقراطية تحتاج إلى تقييد السلطة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى دولة قادرة على إنفاذ القانون.
وهذه الموازنة بين قوة الدولة وتقييد السلطة من أكثر القضايا التي تجعل التحول الديمقراطي عملية معقدة. فالدولة القوية بلا قيود يمكن أن تصبح أداة للتسلط، والدولة الضعيفة لا تستطيع حماية الحقوق التي يفترض أن تقوم الديمقراطية بضمانها.
هل يمكن تصدير الديمقراطية؟
يصل الكتاب إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية: دور الخارج في التغيير الديمقراطي.
فالمنظمات الدولية والدول الكبرى والجهات المانحة تستطيع تمويل الانتخابات، ودعم المجتمع المدني، وتقديم الخبرات، ومساعدة المؤسسات السياسية. لكن السؤال الذي يطرحه سورنسن يتجاوز القدرة التقنية إلى الشرعية السياسية.
هل يمكن أن تأتي الديمقراطية من الخارج؟
المشكلة أن الدعم الخارجي قد يساعد على خلق ظروف مواتية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الفاعلين الوطنيين. وعندما تتحول عملية التغيير إلى مشروع خارجي مفروض، فإنها تخاطر بفقدان أحد أهم شروط الاستدامة: الملكية المحلية للعملية السياسية.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتبنى القوى الدولية خطاب الديمقراطية في حالة، بينما تتعامل بواقعية استراتيجية مع أنظمة سلطوية في حالات أخرى. وهنا تظهر مشكلة ازدواجية المعايير، التي لا تؤثر فقط في مصداقية برامج الترويج للديمقراطية، وإنما في صورة الديمقراطية نفسها لدى المجتمعات التي تتلقى هذا الخطاب.
الديمقراطية والتنمية والسلام
لا يكتفي سورنسن بدراسة كيفية نشوء الديمقراطية، وإنما يبحث أيضاً في نتائجها.
وهنا يرفض الكتاب، بصورة ضمنية، التفسيرات المبسطة التي تجعل الديمقراطية وصفة تلقائية للنمو الاقتصادي. فالعلاقة بين النظام السياسي والأداء الاقتصادي أكثر تعقيداً من ذلك. تستطيع الأنظمة السلطوية أحياناً اتخاذ قرارات سريعة وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، بينما قد تفرض الديمقراطية عمليات تفاوض ومساومة تجعل عملية اتخاذ القرار أبطأ.
لكن هذا لا ينهي المسألة؛ لأن تقييم الأنظمة السياسية لا يقتصر على سرعة النمو. فالحقوق السياسية، والمساءلة، والقدرة على تصحيح الأخطاء، والحد من الانتهاكات، وتوفير شروط الرفاه الإنساني، كلها تدخل في تقييم النتائج السياسية والاجتماعية.
أما على المستوى الدولي، فيناقش الكتاب أطروحة «السلام الديمقراطي»، التي تفترض أن الديمقراطيات تميل إلى تجنب الحرب فيما بينها. إلا أن هذه النظرية تظل، كما يوضح النقاش الذي يعرضه سورنسن، جزءاً من جدل أوسع حول مدى تأثير المؤسسات والقيم الديمقراطية مقارنة بمصالح الدول وتوازنات القوة.
ومن ثم لا تتحول الديمقراطية في الكتاب إلى تفسير شامل للسلوك الدولي، بل تبقى عاملاً من عوامل متعددة.
القيمة الحقيقية للكتاب
القيمة الأهم في كتاب سورنسن، في تقديري، أنه يقاوم الإغراءات التفسيرية السهلة.
فهو لا يقول إن الفقر يمنع الديمقراطية، ولا إن الثراء ينتجها، ولا إن الانتخابات تكفي لإقامتها، ولا إن التدخل الخارجي يستطيع صناعتها، ولا إن التحول الديمقراطي يتحرك دائماً إلى الأمام.
وبدلاً من ذلك، يقدم صورة أكثر واقعية: الديمقراطية نتيجة تفاعل بين البنى الاجتماعية والاقتصادية، والمؤسسات السياسية، وموازين القوى، وخيارات الفاعلين، والسياق الدولي.
وهذه الرؤية تجعل الكتاب أكثر أهمية من مجرد كونه مدخلاً أكاديمياً إلى مفهوم الديمقراطية. فهو يقدم إطاراً لفهم لماذا تتباين مسارات الدول التي بدأت من نقطة متشابهة، ولماذا تنجح بعض عمليات الانتقال في بناء مؤسسات مستقرة بينما تتعثر أخرى، ولماذا يمكن أن يتحول الانتقال نفسه إلى حالة دائمة من عدم الاكتمال.
ومع ذلك، فإن قراءة الكتاب اليوم تفرض ملاحظة نقدية مهمة. فالطبعة الإنجليزية التي يقوم عليها الكتاب صدرت عام 2008، وبالتالي فإن عالم الديمقراطية الذي نعيشه الآن شهد تحولات لم تكن مكتملة في لحظة الكتاب: صعود المنصات الرقمية، وتغير طبيعة المجال العام، وتنامي الاستقطاب السياسي، وأشكال جديدة من التضليل المعلوماتي، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. وهذه التطورات لا تنقض إطار سورنسن، لكنها تجعل الحاجة أكبر إلى تحديث بعض أدواته التحليلية.
الخلاصة
في النهاية، لا يقدم سورنسن الديمقراطية بوصفها محطة يصل إليها التاريخ ثم يتوقف، وإنما باعتبارها عملية سياسية مفتوحة.
وهذه ربما تكون الرسالة الأكثر أهمية في الكتاب.
فالانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية ليس عبوراً بين نظامين، وإنما إعادة توزيع مستمرة للسلطة، وإعادة بناء للمؤسسات، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأغلبية والأقلية، وبين الحرية والسلطة.
ولهذا فإن أخطر وهم يمكن أن يقع فيه دارس التحول الديمقراطي هو افتراض أن الانتخابات تعني الديمقراطية، أو أن الانتقال يعني بالضرورة التوطيد.
الديمقراطية يمكن أن تتقدم، ويمكن أن تتوقف، ويمكن أن تتراجع.
وقد تكون المشكلة في بعض الحالات ليست في غياب الديمقراطية تماماً، وإنما في بقاء نظام سياسي داخل منطقة وسطى لا هو قادر على العودة الكاملة إلى السلطوية، ولا هو قادر على استكمال طريقه إلى ديمقراطية مؤسسية مستقرة.
ومن هذه الزاوية، يظل كتاب غيورغ سورنسن مهماً؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال الاحتفال بانتشار الديمقراطية إلى سؤال أكثر صعوبة وواقعية: ما الذي يجعل الديمقراطية تستقر فعلاً، وتصبح مؤسسات وقواعد وممارسات، لا مجرد انتخابات وشعارات؟



