مقالات

ما بعد خطاب نتنياهو: هل دخلت إسرائيل مرحلة جديدة من العزلة الجيوسياسية؟

لم تكن الصورة الأكثر دلالة في خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر 2026 هي الكلمات التي قالها من فوق المنصة، وإنما ما حدث في القاعة أثناء قوله لها. عشرات الوفود غادرت المكان مع بدء الخطاب، وبقيت مقاعد كثيرة خالية، فتحولت قاعة الأمم المتحدة، ولو للحظات، إلى مشهد بصري مكثف يلخص حجم الفجوة التي أخذت تتسع بين الحكومة الإسرائيلية وقطاعات واسعة من المجتمع الدولي. وقد واصل نتنياهو خطابه متحديًا المغادرين، ومؤكدًا أن إسرائيل لن تتراجع عن أهدافها، في صورة تختصر شيئًا أعمق من مجرد احتجاج دبلوماسي؛ إنها صورة دولة ما زالت تمتلك قوة كبيرة، لكنها تواجه في الوقت نفسه بيئة دولية أقل استعدادًا لمنح هذه القوة غطاءً سياسيًا واسعًا.¹

ومع ذلك، فإن وصف إسرائيل بأنها دخلت بالفعل مرحلة «العزلة الجيوسياسية» الكاملة سيكون حكمًا سابقًا لأوانه. فالعزلة ليست عدد الوفود التي تغادر قاعة، ولا تقاس بالمشهد الرمزي وحده، وإنما بما يحدث بعده: هل تتحول الاحتجاجات إلى سياسات؟ هل تتغير العلاقات الاقتصادية والعسكرية؟ هل تتسع القيود الدبلوماسية والقانونية؟ وهل تفقد إسرائيل تدريجيًا قدرتها على بناء التحالفات وإدارة التوازنات الدولية؟ إسرائيل لا تزال دولة ذات قدرات عسكرية وتكنولوجية واقتصادية كبيرة، وتتمتع بعلاقة استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة. لكن ما كشفه مشهد الأمم المتحدة بوضوح هو بداية مشكلة أكثر عمقًا: الفجوة بين القوة التي تستطيع إسرائيل استخدامها وبين الشرعية التي تستطيع الحصول عليها أو الحفاظ عليها.

لقد بدا خطاب نتنياهو نفسه جزءًا من هذه المعركة على الشرعية. فهو لم يتحدث عن غزة باعتبارها أزمة منفردة، وإنما وضعها داخل سردية أوسع عن مواجهة إسرائيل لما سماه حربًا على سبع جبهات، تمتد من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وسوريا وإيران واليمن والعراق.² وبذلك أعاد تعريف الصراع باعتباره مواجهة إقليمية شاملة، لا نزاعًا فلسطينيًا إسرائيليًا فحسب. وهذه الرؤية تمنح إسرائيل إطارًا أمنيًا لتفسير عملياتها، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا صعبًا: إذا أصبحت المنطقة كلها تقريبًا جزءًا من منظومة التهديد الإسرائيلي، فأين تنتهي الحرب وأين تبدأ التسوية؟

هنا تظهر المفارقة الكبرى. فالقوة العسكرية تستطيع تغيير موازين القوى، وتدمير قدرات الخصوم، وفرض وقائع جديدة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني نظامًا سياسيًا مستقرًا. وقد تستطيع إسرائيل أن تربح جولات عسكرية متعددة، لكنها ستظل مطالبة بالإجابة عن السؤال الأصعب: ماذا بعد الحرب؟ من يحكم غزة؟ ما مستقبل الضفة الغربية؟ كيف ستكون العلاقة مع سوريا ولبنان؟ وما شكل الترتيبات الأمنية مع إيران ودول الخليج؟ وماذا تفعل إسرائيل إذا أصبحت الانتصارات العسكرية نفسها تنتج بيئة سياسية أكثر عداءً لها؟

لهذا السبب لم تعد المعركة الإسرائيلية تدور في ساحات القتال وحدها. لقد انتقلت إلى الجامعات والمحاكم ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية ومؤسسات الأمم المتحدة والرأي العام العالمي. وأصبح الصراع على الرواية جزءًا من الصراع على القوة. وقد حاول نتنياهو في خطابه الدفاع عن الرواية الإسرائيلية، ورفض الاتهامات المتعلقة بغزة، وهاجم منتقديه، في الوقت الذي كانت فيه صورة الوفود المنسحبة تقدم للعالم رواية مضادة لا تحتاج إلى كثير من الكلمات.³ وهنا تصبح الصورة أحيانًا أقوى من الخطاب؛ لأن خروج عشرات الوفود من القاعة لا يغير ميزان القوة العسكرية، لكنه يؤثر في السؤال المتعلق بمن يستطيع أن يعرّف الحرب أمام العالم.

وهذا هو جوهر التحول الذي ينبغي مراقبته: إسرائيل قد لا تكون معزولة من حيث القوة، لكنها قد تصبح أكثر عزلة من حيث القدرة على إنتاج القبول. وهذه نقطة مختلفة تمامًا. فالدولة تستطيع أن تكون قوية عسكريًا، وأن تمتلك أسلحة متقدمة، واقتصادًا متطورًا، وتحالفًا دوليًا قويًا، وفي الوقت نفسه تواجه تراجعًا في قدرتها على إقناع الآخرين بشرعية سياساتها. وإذا استمر هذا التناقض سنوات طويلة، فإنه يمكن أن يتحول من مشكلة صورة إلى مشكلة استراتيجية.

وتزداد حساسية المشهد مع اتساع الخلاف بين إسرائيل وعدد من الدول الغربية. فقد أصبحت بريطانيا وفرنسا أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، واتخذت دول غربية إجراءات مرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية.⁴ هذه التطورات لا تعني انهيار التحالف الغربي مع إسرائيل، لكنها تكشف تغيرًا في طبيعة العلاقة. فالدعم الذي كان يبدو في أوقات سابقة أكثر تلقائية أصبح أكثر ارتباطًا بالظروف السياسية والقانونية والإنسانية المحيطة بالحرب. وبالنسبة لإسرائيل، فإن الخطر لا يبدأ عندما يتخلى الحلفاء عنها بالكامل، وإنما عندما تصبح العلاقة معهم أكثر كلفة، وأكثر جدلًا، وأكثر اعتمادًا على إدارة الخلاف.

وتبقى الولايات المتحدة الاستثناء الأهم في هذه المعادلة. فقد حرص نتنياهو على إبراز علاقته بالرئيس دونالد ترامب، وقدم الشراكة الأمريكية الإسرائيلية باعتبارها ركيزة أساسية في مواجهة التحديات الإقليمية.⁵ وهذه الحقيقة تمنع الحديث عن عزلة إسرائيلية شاملة في الوقت الراهن. لكنها تفتح في المقابل سؤالًا آخر: إلى أي مدى يمكن لدولة أن تعتمد على قوة حليف واحد في بيئة دولية تتغير بسرعة؟ فكلما اتسعت الفجوة بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية والعربية، أصبحت إسرائيل أكثر ارتباطًا بالقرار الأمريكي، وأصبح أي تحول مستقبلي في السياسة الأمريكية ذا تأثير مباشر على هامش حركتها الدولية.

أما العالم العربي، فإن الصورة أكثر تعقيدًا مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالتباين في مواقف الدول العربية تجاه إسرائيل لا يعكس بالضرورة انقسامًا بسيطًا بين مؤيد ومعارض، وإنما يعكس اختلافًا في حسابات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والعلاقات مع الولايات المتحدة ومخاطر إيران والحرب الإقليمية ومستقبل القضية الفلسطينية. واستمرار بعض قنوات التواصل مع إسرائيل، بما في ذلك في إطار اتفاقات إبراهيم، لا يعني تلقائيًا أن هذه الدول تتبنى سياسات الحكومة الإسرائيلية، كما أن بقاء العلاقات الرسمية لا يلغي الضغوط السياسية والشعبية التي يمكن أن تحد من تطورها.⁶

وهنا ربما تظهر واحدة من أهم مفارقات المرحلة المقبلة: قد تستمر العلاقات الرسمية مع إسرائيل في الوقت الذي تتراجع فيه مساحة القبول السياسي بها. وهذا يعني أن التطبيع قد يستمر بوصفه علاقة مصالح، لكنه قد يظل محكومًا بسقف سياسي تحدده تطورات الحرب والقضية الفلسطينية. وبذلك لن يكون السؤال فقط: كم دولة عربية تقيم علاقات مع إسرائيل؟ بل: ما مستوى هذه العلاقات؟ وإلى أي مدى تستطيع الحكومات الحفاظ عليها إذا استمرت الحرب من دون أفق سياسي واضح؟

وفي قلب هذه التحولات تظل إيران عنصرًا رئيسيًا في إعادة تشكيل البيئة الأمنية للمنطقة. فقد جعل نتنياهو من مواجهة إيران جزءًا مركزيًا من روايته الأمنية، بينما قدمت طهران رواية مضادة ترى أن النظام الدولي يتعامل بمعايير مختلفة مع الأطراف الإقليمية.⁷ وهكذا أصبح الشرق الأوسط أمام تنافس على الأمن والردع والشرعية في الوقت نفسه، ولم تعد القضية محصورة في مواجهة بين دولتين، بل أصبحت مرتبطة بإعادة تشكيل شبكة واسعة من التحالفات والجبهات وممرات الطاقة والتجارة والأمن البحري.

لكن الاختبار الحقيقي لإسرائيل لن يكون في قدرتها على تحمل الانتقادات، وإنما في قدرتها على منع هذه الانتقادات من التحول إلى تكلفة استراتيجية متراكمة. فإذا تحولت الانسحابات الرمزية من القاعات الدولية إلى إجراءات سياسية واقتصادية وقانونية، وإذا ازدادت المسافة مع أوروبا، وإذا أصبح الدعم الأمريكي أكثر مشروطية، وإذا استمرت الحرب في استنزاف الرصيد الدبلوماسي، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام نوع جديد من العزلة؛ عزلة لا تمنعها من استخدام القوة، لكنها تجعل استخدام القوة أكثر تكلفة وأقل قدرة على إنتاج النتائج السياسية التي تريدها.⁸

ولهذا فإن مشهد 24 سبتمبر 2026 لا ينبغي التعامل معه باعتباره لحظة سقوط أو إعلانًا عن نهاية القوة الإسرائيلية. الأصح أنه جرس إنذار استراتيجي. فإسرائيل لم تفقد قوتها، لكنها تواجه اختبارًا جديدًا لقيمة هذه القوة. هل تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى ترتيبات سياسية؟ هل تستطيع الحفاظ على تحالفاتها في الوقت الذي تتسع فيه الانتقادات؟ وهل تستطيع أن تخرج من منطق إدارة الجبهات إلى منطق بناء نظام إقليمي تستطيع العيش داخله بأقل قدر ممكن من الصراع؟

ربما تكون هذه هي المسألة الأعمق التي كشفها خطاب نتنياهو. فالتاريخ لا يقيس قوة الدول فقط بما تستطيع تدميره، وإنما بما تستطيع بناءه بعد انتهاء المعركة. وقد تستطيع إسرائيل الاستمرار في فرض الوقائع بالقوة، لكن استمرار القوة لا يعني بالضرورة استمرار النفوذ. وإذا اتسعت الفجوة بين القدرة على فرض الواقع والقدرة على إقناع الآخرين بقبوله، فقد تدخل إسرائيل مرحلة مختلفة: ليست عزلة كاملة، وإنما عزلة نسبية تتراجع فيها شرعية القوة قبل أن تتراجع القوة نفسها. وفي هذه المنطقة الرمادية تحديدًا قد تتحدد ملامح الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؛ لأن السؤال لم يعد فقط: من يملك القوة؟ وإنما أصبح: من يستطيع تحويل القوة إلى شرعية، والشرعية إلى نفوذ، والنفوذ إلى نظام إقليمي قابل للاستمرار؟

الهوامش:

  1. Reuters. (2026, September 24). Dozens of delegates walk out of UN hall at start of Netanyahu speech. Reuters.
  2. Al Jazeera. (2026, September 24). Benjamin Netanyahu attacks Israel’s enemies and allies in UN speech. Al Jazeera.
  3. PBS NewsHour. (2026, September 24). WATCH: Israeli Prime Minister Netanyahu addresses 2026 UN General Assembly. PBS.
  4. Al-Monitor. (2026, September 24). UN: Netanyahu defends Israel as delegates walk out. Al-Monitor.
  5. Reuters. (2026, September 24). Dozens of delegates walk out of UN hall at start of Netanyahu speech. Reuters.
  6. Middle East Institute. (2025). The Abraham Accords. Middle East Institute.
  7. Al Jazeera. (2026, September 24). Benjamin Netanyahu attacks Israel’s enemies and allies in UN speech. Al Jazeera.
  8. Reuters. (2026, September 22). UN chief calls for Al curbs and end to wars in his last assembly address. Reuters

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى