
التقارب السعودي الإيراني.. هل تعيد المنطقة رسم معادلات الأمن بعيدًا عن واشنطن؟
د. هبة المُعز – باحثة في الشأن السياسي
في تطور قد يحمل دلالات استراتيجية مهمة، يبرز التقارب السعودي الإيراني بوصفه اختبارًا جديدًا لقدرة دول المنطقة على إعادة ترتيب علاقاتها، في ظل تصاعد التوترات وتزايد كلفة الصراعات العسكرية والاقتصادية، فبعد سنوات من التنافس الإقليمي، تبدو الحاجة إلى الحوار أكثر إلحاحًا، ليس فقط لاحتواء الخلافات، وإنما أيضًا لتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواء تداعياتها.
ولا يمكن قراءة أي تحرك سعودي باتجاه طهران بمعزل عن التحولات التي تشهدها المنطقة، والضغوط التي تفرضها الصراعات على أمن الطاقة والممرات البحرية واستقرار الاقتصادات، فالسعودية وإيران، رغم التباينات السياسية والاستراتيجية بينهما، دولتان محوريتان في معادلة الشرق الأوسط، وأي مواجهة مباشرة أو غير مباشرة بينهما تنعكس تداعياتها على الخليج والمنطقة بأكملها.
وتكشف تجارب السنوات الماضية أن الاعتماد على القوة العسكرية أو المظلات الأمنية الخارجية لا يوفر بالضرورة ضمانات دائمة للاستقرار. فالحروب تفرض أثمانًا اقتصادية وأمنية باهظة، وتضع البنية التحتية الحيوية وطرق التجارة وإمدادات الطاقة أمام مخاطر متزايدة، وفي المقابل، تواجه إيران بدورها تحديات اقتصادية وعسكرية تجعل استمرار التصعيد عبئًا ثقيلًا على قدرتها على التعافي والاستقرار.
من هنا، تكتسب الوساطات الإقليمية، ولا سيما التحركات التي قد تضطلع بها تركيا وباكستان، أهمية خاصة في تهيئة الظروف لتفاهمات تحد من التوتر وتفتح المجال أمام حلول سياسية. فالمصلحة المشتركة تقتضي منع اتساع دائرة المواجهة، والحيلولة دون تحول الخلافات الثنائية إلى صراع إقليمي شامل.
ويظل الملف اليمني أحد أبرز الاختبارات أمام أي تقارب سعودي إيراني جاد، فالتوصل إلى تفاهمات بشأن اليمن قد يسهم في خفض التهديدات التي تواجه المملكة، وتهيئة الظروف أمام تسوية سياسية تحفظ مصالح الأطراف المختلفة، وتحد من مخاطر التصعيد في البحر الأحمر وباب المندب. غير أن ذلك يتطلب معالجة جذور الأزمة اليمنية، لا الاكتفاء بتجميد خطوط المواجهة أو تثبيت موازين القوى القائمة.
لكن البعد الأهم لهذا التقارب يتعلق بمستقبل الأمن الإقليمي، ومدى قدرة دول المنطقة على بناء معادلة أكثر استقلالًا في إدارة خلافاتها، فواشنطن، مهما امتلكت من قدرات عسكرية ونفوذ سياسي، لا تستطيع وحدها ضمان الاستقرار الدائم، كما أن المصالح الأمريكية ليست بالضرورة متطابقة في جميع الظروف مع أولويات دول الخليج. ومن ثم، فإن تنويع الشراكات وبناء قنوات اتصال مباشرة بين القوى الإقليمية يمثلان خيارًا استراتيجيًا يستحق الاهتمام.
ولا يعني ذلك أن التقارب السعودي الإيراني كفيل بإنهاء التنافس أو تجاوز تراكمات تاريخية طويلة، فالفجوة بين الطرفين لا تزال قائمة في عدد من الملفات، كما أن بناء الثقة يحتاج إلى خطوات عملية وضمانات متبادلة. إلا أن الانتقال من إدارة الصراع إلى احتوائه قد يشكل نقطة تحول إذا تُرجم إلى تفاهمات مستدامة تحترم المصالح الأمنية لجميع الأطراف.
إن المنطقة تقف أمام لحظة تتطلب مراجعة جادة لمفاهيم الأمن والتحالفا، فاستمرار الصراعات يبدد الموارد ويستنزف القدرات، بينما يفتح الحوار الباب أمام ترتيبات إقليمية أكثر توازنًا. وقد لا يكون المطلوب في المرحلة الراهنة إنشاء تحالف شامل بين السعودية وإيران وتركيا وباكستان، بقدر ما يتمثل في بناء حد أدنى من التفاهم يمنع المواجهة، ويحد من التدخلات التي توسع نطاقها، ويفتح المجال أمام تسويات سياسية للأزمات القائمة.
في النهاية، لا تستطيع دول المنطقة تغيير جغرافيتها، لكنها تستطيع تغيير طريقة إدارتها لخلافاتها، فالسعودية وإيران ستظلان جزءًا أساسيًا من معادلة الشرق الأوسط، وأمن إحداهما لا ينبغي أن يتحول إلى تهديد دائم للأخرى، وإذا نجحت التحركات الدبلوماسية في تحويل التقارب إلى خطوات ملموسة، فقد تكون المنطقة أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي، على أساس الحوار وتوازن المصالح، بدلًا من سباق الاستنزاف والرهان الكامل على القوى الخارجية.



