مقالات

أمينة العناني تكتب: أيوب المغربي وجزار المنوفية

الشهامة والمروءة لا تحتاج إلى كلمات لإثباتها، فهي تصرفات يتم فرضها على أرض الواقع بأفعال فورية لا تحتاج إلى تفكير أو مقارنة أو تفضيل، لحظة حاسمة تفرض نفسها على الأحداث، ينتج عنها فعل سريع ينقذ ليس فقط حياة شخص، بل قد ينقذ الإنسانية في قلوبنا.

أيوب فاضل يبلغ من العمر 21 عام طالب في قسم هندسة البرمجيات بجامعة هانتشو للكهرباء والتكنولوجيا في الصين، في 6 إبريل الماضي في متنزه بحيرة ” جينشا” بمنطقة تشيان تانغ في مدينة هانغتشو، الفتاة تصارع الغرق وجميع المتواجدين في الحديقة يهتفون لها لتقاوم دون أن يقدم أحدهم على إلقاء نفسه في المياه لإنقاذها، مكتفين بإلقاء أطواق النجاة إليها علها تسعفها من مصيرها المجهول، ثواني معدودة وفوجئ الجميع بشاب يلقى بنفسه في مياه البحيرة الباردة، دون خوف، ليقوم بإنقاذ فتاة غريبة عنه من موت محقق بشجاعة وشهامة.

لم يقتصر الثناء على الفتى من الجامعة التي يدرس بها فقط، والتي أصدرت تعليق على صفحاتها الرسمية، قائلة فيه:” ما شكل الشجاعة.. الصمت ثم العمل”، بل امتد ليصل إلى أن تصدر وزارة الخارجية الصينية بيان تشكر فيه الفتى، ويصل الأمر أيضا إلى السفارة الصينية في المغرب التي وجهت الثناء للفتى وللشعب المغربي على ما فعل.

لفت نظري فيما رًوي عن أيوب، تصرفه المتزن قبل أن يقفز للبحيرة لإنقاذها، حيث قام أولا بخلع معطفه وحذائه ثم ترك هاتفه المحمول مع أصدقائه، خطوات تنم عن ثقة بالله وبالنفس، ولم اتعجب من رد فعله بعد أن أنقذ الفتاة، فبعد أن أطمئن عليها، غادر المكان دون استعراض أو تعليق، وبذلت السلطات المحلية مجهود كبير لتصل إلى الفتى من خلال شهود العيان وكاميرات المراقبة، وأكدت تصريحاته نبله وأصله الطيب، حيث أكد أن ما قام به أمر طبيعي لا يستحق الثناء، مختتما كلماته بقوله:” الكثير من الناس لا يعرفون بلدي المغرب، أتمني أن يترك هذا التصرف انطباع جيد عن بلدي للعالم.

ربما يبدو الموقف بسيط لا يستحق هذه الضجة الإعلامية التي لاقها في أعين الشرق، إلا أن تأثيره على الغرب كان أعمق بكثير، فهناك الحياة جافة عملية لا تختلط بالمشاعر الخاصة، وإذا كان المتاج إلى إنقاذ غريب لا يمت لهم بصلة، فهناك الإنقاذ فقط للأقرباء، أما الغرباء فلهم الله وأصحاب القلوب الرحيمة.

قال رسول الله ﷺ: “من مشى في حاجة أخيه، فَقَضَى الله له بها حاجة، ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام”.

في نهاية العام الماضي وتحديدا 29 نوفمبر 2025، شاب يبلغ من العمر 35 عام، منوفي الأصل، من قرية منيل دويب مركز أشمون، يقيم في قرية بالوظة، خرج من منزله بحثا عن الرزق لزوجته وبناته الثلاثة.. أثناء سيره فوجئ بسقوط سيارة ميكروباص، يستقلها 13 فتاة جامعية في طريقهم إلى جامعة العريش، في مياه صرف قرية بالوظة على الحدود بين محافظتي الإسماعيلية وشمال سيناء، لم يتوان الشاب لحظة، ولم يفكر كثيرا، بل قام بخلع ملابسه والنزول فورا إلى مياه المصرف، فتح باب السيارة المغلق ثم قام بإخراج الفتيات واحدة تلو الآخرى، قال بعض شهود العيان أن الفتاة الأخيرة تأخرت في الخروج ربما كانت معلقة بالداخل ولم يستطع حسن إخراجها بسهولة، لحظات وخرجت الفتاة ولم يخرج حسن، مرت الدقائق ولم يظهر، قال البعض أنه تعرض لأزمة قلبية تحت المياه، إلا أن التقرير الطبي أشار إلى أن المجهود الكبير الذي بذله أثر على مقاومته ولم يتمكن من الخروج من المياه سالما، الغريب في الأمر، أن حسن الجزار لم يكن يعرف السباحة.

شهدت شجاعة حسن الجزار الثناء في مختلف الأوساط ، وفي تصرف عاجل من وزارة التضامن الاجتماعي، أصدرت قرار بصرف تعويض عاجل لزوجته وأبنائه قيمته 100 ألف جنيه، وتوفير فرصة عمل للزوجة كمصدر دخل ثابت لتعول بناتها الثلاثة، حيث تم دعم الزوجة بمحل وتجهيزه بجميع المنتجات والسلع اللازمة للمحل، كما تم صرف مساعدات عينية للأسرة من مواد عذائية ولحوم وبطاطين، وأصدر المحافظ قرار عاجل بنقل ابنة الشهيد من مدرسة القنطرة شرق الابتدائية إلى مدرسة شوقي عبد الحكيم في مركز أشمون، مراعاة لظروفها الدراسية.

لم يفكر الجزار لحظة واجدة في أبنائه أو زوجته أو لقمة العيش التي خرج ساعيا لها، فكر بشهامة وتصرف بمروءة، مخلفا لأسرته آثرا طيب، لشهيد شجاع، لم يٌشغل بالدنيا وزينتها، بل نظر إلى قصره في جنة الخلد، وإذا تابعنا الأخبار يوميا سنجد العشرات من أمثال حسن الجزار، من أصحاب المروءة والشهامة وهم يسارعون لإنقاذ أشخاص لا يمتون لهم بصلة، ولكن فجرت الشهامة بداخلهم بحور من المروءة والرجولة.

بسم الله الرحمن الرحيم”وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ” “البقرة: 154”.

بسم الله الرحمن الرحيم”وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ” “آل عمران: 169”.

 قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، في سورة الحشر ” وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ “. عن النبي ﷺ: “اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى