
إرث المستقبل.. بين ما نرث وما نصنع: الدين وسؤال المستقبل ( 2-3)
خالد فياض – باحث سياسي في الشئون العربية
إذا كان سؤال الحلقة الأولى هو كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على جذوره من دون أن يتحول الماضي إلى قيد على المستقبل، فإن السؤال يصبح أكثر تعقيدًا عندما نقترب من الدين. هنا لا يعود النقاش متعلقًا بالتراث الثقافي وحده، ولا بعادات يمكن تغييرها أو الاحتفاظ بها، وإنما يدخل إلى منطقة ترتبط بالهوية والمعنى والقيم، ولذلك فإن أي حديث عن علاقة الدين بالحداثة يحتاج إلى قدر أكبر من التمييز، حتى لا يتحول النقاش من بحث عن الحقيقة إلى صراع بين هويات متقابلة.
وربما كان أول ما ينبغي قوله هو أن السؤال نفسه صيغ في كثير من الأحيان بطريقة خاطئة: هل الإسلام يتعارض مع الحداثة؟ فهذه الصياغة تفترض مسبقًا أن الإسلام كيان واحد، وأن الحداثة كيان واحد، وأن العلاقة بينهما لا يمكن أن تكون إلا علاقة توافق أو تعارض. بينما الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
فالإسلام دين ونصوص ومقاصد وقيم، لكن ما أنتجه المسلمون عبر التاريخ من تفاسير وشروح وفقه واجتهادات ومؤسسات وممارسات سياسية واجتماعية هو نتاج بشري، تشكل في ظروف تاريخية وجغرافية وحضارية مختلفة. وهذا التمييز ليس تفصيلًا أكاديميًا، وإنما هو نقطة البداية لأي نقاش جاد حول الدين والمستقبل؛ لأن الخلط بين النص وتفسير النص يجعل كل مراجعة للفقه تبدو وكأنها مراجعة للدين نفسه، بينما الخلط بين الممارسة التاريخية والدين يجعل التاريخ حجة دينية مطلقة لا تقبل النقاش.
لقد أنتجت الحضارة الإسلامية، في مراحل مختلفة، تقاليد واسعة في الاجتهاد والنقاش الفلسفي والعلمي والقانوني، ولم تكن العلاقة بين الدين والعقل علاقة رفض دائم كما توحي بعض القراءات المعاصرة. وفي الوقت نفسه، فإن التاريخ الإسلامي لم يكن مسارًا واحدًا متصلًا من الانفتاح، بل عرف فترات ازدهار وانكماش، وتجارب متعددة في السياسة والاجتماع والفكر. ولذلك لا يمكن استدعاء التاريخ الإسلامي كله باعتباره نموذجًا مكتملًا يمكن نقله إلى الحاضر، كما لا يمكن اختزاله في صورة واحدة من الجمود.
المشكلة تظهر عندما يتحول اجتهاد تاريخي نشأ استجابة لظروف معينة إلى قاعدة ثابتة لكل الأزمنة، أو عندما يصبح احترام التراث مساويًا لرفض مراجعته. فالتراث لا يفقد قيمته عندما نقرأه قراءة نقدية، كما أن نقد بعض مكوناته لا يعني إلغاءه. على العكس، فإن التراث الذي لا يسمح بإعادة القراءة يتحول تدريجيًا من مصدر للمعرفة إلى سلطة تمنع إنتاج المعرفة الجديدة.
وهنا نصل إلى قلب المسألة: هل تستطيع المجتمعات الإسلامية أن تميز بين الثابت والمتغير، وبين المقصد والصيغة التاريخية التي اتخذها، وبين القيمة الدينية والتفسير البشري لها؟
السؤال ليس جديدًا، لكنه اكتسب أهمية أكبر في العصر الحديث، لأن المجتمعات لم تعد تعيش داخل الأطر الاجتماعية والسياسية نفسها التي نشأت فيها معظم الاجتهادات الفقهية القديمة. الدولة الحديثة تختلف عن الدولة التقليدية، والاقتصاد الحديث يختلف عن اقتصاد المجتمعات القديمة، والعلاقات الدولية تغيرت جذريًا، كما أن مفهوم الفرد والمواطنة والقانون وحقوق الإنسان أصبح جزءًا من الحياة اليومية لمجتمعات مسلمة كثيرة.
وهنا تظهر بالفعل مناطق توتر حقيقية بين بعض القراءات الفقهية التقليدية وبعض المفاهيم الحديثة، خصوصًا في قضايا الأسرة، والمساواة بين الجنسين في بعض المجالات القانونية، وحرية الاعتقاد وتغيير الدين، وعلاقة الدين بالتشريع، وحدود سلطة الدولة والفرد. ولا يفيد في مواجهة هذه المسائل إنكار وجودها، كما لا يفيد تحويلها إلى دليل على استحالة التوافق بين الإسلام والعصر الحديث.
فالاجتهاد المطلوب هنا ليس مجرد البحث عن صياغات لغوية جديدة لمقولات قديمة، وإنما إعادة النظر في العلاقة بين النص والواقع، وبين المقاصد والأحكام، وبين القيم الكلية والتطبيقات التاريخية. وهذا يتطلب شجاعة فكرية من جهة، لكنه يتطلب في الوقت نفسه حذرًا من جهة أخرى، لأن الإصلاح الذي يبدأ بإلغاء المرجعية الدينية ينتهي إلى مشكلة أخرى: فقدان الصلة بين الإصلاح والمجتمع الذي يفترض أن يتوجه إليه.
ولعل هذا هو أحد أسباب صعوبة النقاش في العالم العربي والإسلامي. فهناك من يتعامل مع الدين باعتباره حصنًا يجب الدفاع عنه ضد كل تغيير، وهناك من يتعامل معه باعتباره العقبة الرئيسية أمام التغيير، وبين الطرفين تضيع مساحة واسعة كان يمكن أن تكون مجالًا للاجتهاد والنقاش الهادئ.
لكن ثمة مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الحداثة نفسها ليست عقيدة مكتملة يمكن قبولها أو رفضها دفعة واحدة.
فالحداثة ليست التكنولوجيا وحدها، وليست الديمقراطية وحدها، وليست العلمانية وحدها، وليست النموذج الاجتماعي الغربي بكل تفاصيله. هناك العلم والمعرفة، ودولة القانون، والمؤسسات، والبحث العلمي، وحقوق الإنسان، والمواطنة، والاقتصاد الحديث، والتعليم، وهي عناصر يمكن النظر إلى كثير منها باعتبارها خبرات إنسانية قابلة للتفاعل مع ثقافات مختلفة. وفي المقابل، هناك جوانب أخرى في التجارب الحديثة مرتبطة بسياقات فلسفية واجتماعية وتاريخية محددة، ولا يوجد سبب منطقي يجعل استيرادها بالكامل شرطًا للدخول إلى العصر.
ولهذا فإن السؤال الأكثر نضجًا ليس: هل نقبل الحداثة أم نرفضها؟ وإنما: ما الذي نحتاج إليه من الحداثة؟ وكيف نعيد صياغته داخل بيئتنا الثقافية والقيمية؟ وما الذي يمكن أن نختلف معه من دون أن نرفض العلم أو التقدم أو المؤسسات الحديثة؟
هذه الأسئلة تقودنا إلى فكرة أكثر عمقًا: ربما لا تكون المشكلة في الإسلام ذاته، ولا في الحداثة ذاتها، وإنما في الطريقة التي حاول بها كل طرف أن يقدم نفسه بوصفه منظومة مغلقة لا تحتاج إلى مراجعة.
الدين، عندما يتحول في الوعي الاجتماعي إلى مجموعة من الصيغ التاريخية التي لا يجوز مساءلتها، يفقد شيئًا من قدرته على مخاطبة الواقع المتغير. والحداثة، عندما تتحول إلى نموذج جاهز لا يقبل الاختلاف الثقافي، تفقد بدورها قدرتها على أن تصبح مشروعًا إنسانيًا عالميًا.
وهنا يمكن أن نفهم لماذا لم تنجح كثير من محاولات التحديث العربية في إنتاج تحول فكري واجتماعي موازٍ للتحول المادي. فقد كان من الأسهل استيراد التكنولوجيا، أو إعادة تنظيم الإدارة، أو إنشاء الجامعات، من الدخول في الأسئلة الأصعب المتعلقة بالتعليم والعقل النقدي، ومكانة الفرد، وطبيعة السلطة، وعلاقة المجتمع بالقانون، ودور المرأة، وحدود الحرية، وموقع الدين في المجال العام.
والأصعب من ذلك كله أن هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بقرار سياسي أو قانون جديد؛ لأنها تتعلق بتحولات عميقة في الثقافة وطريقة التفكير.
لذلك فإن المستقبل لا يحتاج إلى معركة جديدة بين الدين والحداثة، بقدر ما يحتاج إلى فتح مساحة جديدة بينهما. مساحة يستطيع فيها المسلم أن يتمسك بدينه من دون أن يشعر أن عليه أن يرفض العلم والعقل والتغيير، ويستطيع فيها المؤمن بالحداثة أن يدافع عن التقدم من دون أن ينظر إلى الدين باعتباره بقايا من الماضي.
قد لا يكون الوصول إلى هذه المساحة سهلًا، وربما يستغرق أجيالًا، لكنه يبدأ من الاعتراف بحقيقة أساسية: ليس كل ما ورثناه مقدسًا، وليس كل ما جاءنا من الخارج صالحًا لمجرد أنه حديث.
بين هذين الطرفين توجد مسؤولية العقل.
والعقل هنا لا يعني أن يصبح الدين تابعًا للحداثة، ولا أن تصبح الحداثة تابعة للدين، وإنما أن يصبح الإنسان قادرًا على التمييز، والمراجعة، والاجتهاد، واختيار ما ينسجم مع قيمه ومجتمعه من دون خوف من السؤال.
ربما يكون هذا هو الطريق الذي يسمح لنا أخيرًا بالخروج من الثنائية القديمة: إما ماضٍ نحتمي به، أو مستقبل نذوب فيه.
فالمجتمع الذي يريد أن يبني مستقبله لا يستطيع أن يعيش بعقل الماضي، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يبني مستقبلًا مستقرًا إذا كان يحتقر ذاكرته. وبين الذاكرة والمستقبل تقع المنطقة التي لم نكتشف حدودها كاملة بعد؛ منطقة يمكن أن يصبح فيها الدين مصدرًا للقيم والمعنى، ويصبح العقل أداة للاجتهاد، وتصبح الحداثة مجالًا للتقدم، من دون أن يتحول أي منها إلى أداة لإلغاء الآخر.
لكن يبقى سؤال أخير لا يمكن تجنبه: إذا كان بالإمكان إعادة قراءة علاقتنا بالماضي، وإعادة النظر في بعض القراءات التي ورثناها، فهل نستطيع أن ننتقل من مجرد استهلاك الحداثة إلى صناعة نموذج حديث خاص بنا، يستفيد من تجارب العالم من دون أن يعيش تابعًا لها؟
ذلك هو السؤال الذي ستتناوله الحلقة الثالثة.



