مقالات

لماذا تتجه مصر إلى آسيا؟ القيادة السياسية وصنع البدائل في زمن متعدد المراكز

غادر الرئيس عبد الفتاح السيسي القاهرة في السادس من أكتوبر 2026 متجها إلى سيول، في جولة آسيوية شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا. ولم يكن هذا التاريخ عابرا، فهو ذكرى العبور الذي غير وجه المنطقة قبل ثلاثة وخمسين عاما. وما يستحق التوقف ليس مصادفة التاريخ، بل ما يعنيه أن تختار القيادة السياسية هذا اليوم تحديدا لتبدأ منه جولة تبني فيها شبكة مصالحها الآسيوية.
فعبرت مصر في 1973 لتستعيد أرضها، وتعبر اليوم إلى آسيا لتستعيد موقعها، ولم يعد السادس من أكتوبر ذكرى للعبور العسكري فقط، بل أصبح رمزا للعبور إلى المستقبل بأدوات مختلفة، والعبور الأول كان عسكريا، والعبور الثاني اقتصادي وتكنولوجي واستراتيجي. ولا يعني هذا التحول في أدوات القوة تراجعا، بل يعني تكيفا مع زمن مختلف، حيث لم تعد القوة تقاس بحجم الجيش وحده، بل بقدرة الدولة على أن تكون عقدة لا يمكن تجاوزها في شبكة المصالح الدولية.

ونخطيء إذا كنا نطرح السؤال نفسه لماذا تتجه مصر إلى آسيا، فهذا سؤال تجاوزته الأحداث. والسؤال الحقيقي هو كيف تصنع القيادة السياسية المصرية بدائلها في زمن متعدد المراكز، وكيف تحول موقعها الجغرافي إلى ورقة تفاوضية، وكيف تبني شبكة نفوذ تجعلها في قلب أي ترتيبات إقليمية أو دولية.

وتقدم أدبيات السياسة الخارجية المقارنة ثلاثة نماذج لتفسير سلوك الدول المتوسطة. حيث يتمثل النموذج الأول في الموازنة، حيث تسعى الدولة إلى مواجهة قوة صاعدة ببناء تحالفات مضادة، وهو نموذج كلاسيكي ارتبط بمنطق الحرب الباردة، ولا ينطبق على مصر لأنها لا تواجه قوة صاعدة واحدة، بل تواجه بيئة إقليمية متعددة التهديدات. ويتمثل النموذج الثاني في الارتباط، حيث تنضم الدولة إلى القوة المهيمنة طلبا للحماية، وهو نموذج يناسب الدول الصغيرة التي لا تمتلك أدوات دفاع ذاتية، ولا ينطبق على مصر لأنها تمتلك أكبر جيش في المنطقة، ولا تحتاج إلى من يحميها. أما النموذج الثالث فيتمثل في التحوط، حيث توزع الدولة مخاطرها عبر بناء علاقات متوازنة مع قوى متعددة، وتتجنب الالتزام الكامل بأي محور، بهدف تعظيم الخيارات وتقليل التكاليف. وهذا النموذج الثالث هو الأقرب إلى فهم سلوك مصر الراهن.

وشهد هذا النموذج الثالث تحولا نوعيا في العقد الأخير، مع انتقال النظام الدولي من أحادية القطب إلى تعدد المراكز. فلم يعد التحوط مجرد تكتيك ظرفي، بل أصبح استراتيجية بنيوية تعتمدها الدول المتوسطة التي ترفض التبعية لأي طرف، وترفض في الوقت نفسه العزلة عن أي طرف. وهذا ما يمكن تسميته التحوط الاستراتيجي متعدد الأقطاب، وهو نموذج يقوم على فكرة أن الدولة المتوسطة لا تبحث عن حماية، لأنها تمتلك أدوات دفاعها الذاتية، بل تبحث عن نفوذ. والفرق بين المفهومين جوهري: فمن يبحث عن الحماية يبحث عن درع، ومن يبني شبكة مصالح يبحث عن موقع. ومصر، بأكبر جيش في المنطقة، وبموقعها الجغرافي الفريد، وبقناة السويس التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، تنتمي إلى الفئة الثانية. وما تبحث عنه ليس الحماية، بل النفوذ. وما يحكم سلوك مصر اليوم ليس الخوف من العزلة، بل الرغبة في أن تكون عقدة محورية في النطام الدولي الجديد الذي يتشكل لا يمكن تجاوزها.

ويدعم هذا التوجه الذي أتبناه في مقالي السياق الإقليمي الذي انطلقت فيه الجولة. فقبل أيام من مغادرة الرئيس إلى سول، عقدت قمة العلمين الرباعية التي ضمت مصر وإريتريا والصومال والسودان، وأكدت أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ورفضت أي إجراءات أحادية تمس حقوق مصر المائية. وفي الوقت نفسه، كانت إثيوبيا تغرق في أزمة داخلية متصاعدة، مع إعلان الأمم المتحدة أن العمليات الإنسانية في شمال البلاد شبه متوقفة بسبب استمرار الضربات الجوية والاشتباكات بين الحكومة الفيدرالية وقوات تيجراي. كما شهدت العلاقات الإثيوبية الإريترية انهيارا كاملا، مع إعلان أديس أبابا قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق سفارتها في أسمرة، ورد أسمرة بقطع العلاقات بالمثل. وفي اليمن، تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والسعودية، مع استهداف مباشر للمنشآت النفطية السعودية وإعلان الحوثيين حظرا بحريا على الملاحة السعودية في البحر الأحمر، في وقت أطلقت فيه القوات الحكومية اليمنية عملية فجر اليمن التي تمكنت من تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون من بقايا الحوثيين، وأعلنت عن تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة. وتعني هذه التطورات مجتمعة أن البيئة الإقليمية التي انطلقت فيها الجولة لم تكن بيئة استقرار هش، بل بيئة تصدع متسارع، تتقاطع فيها أزمة سد النهضة مع حرب اليمن مع انهيار العلاقات الإثيوبية الإريترية مع تهديدات الملاحة في باب المندب.

وفي خضم هذا التصدع، لم تنتظر مصر أن تستقر البيئة الإقليمية لتتحرك، بل تحركت لتصنع لنفسها مساحة مناورة في بيئة غير مستقرة. واستهل الرئيس جولته بكوريا الجنوبية، حيث وصل إلى قاعدة سول الجوية في السادس من أكتوبر. وجاءت الزيارة بدعوة من الرئيس الكوري لي جاي ميونغ، الذي كان قد زار القاهرة في نوفمبر 2025 بمناسبة الذكرى الثلاثين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وعقد الرئيسان قمة في مقر الرئاسة الكورية في سول في الثامن من أكتوبر، أثمرت عن التوقيع على اثنتي عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم، وتوجت الزيارة باعتماد البيان المشترك بشأن إرساء شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين.

ولا تكمن الدلالة الأبرز لهذا البيان في عدد الاتفاقيات، بل في التحول النوعي في فلسفة العلاقة. فالنص على الارتقاء بالعلاقات إلى شراكة استراتيجية يعني أن مصر لم تعد تنظر إلى كوريا كسوق للمنتجات، ولا كوريا تنظر إلى مصر كسوق للاستثمارات، بل كشريك يمكن أن يساعد سول في توسيع حضورها الاقتصادي في أفريقيا والشرق الأوسط. وقد أقر الجانبان في البيان المشترك بالأهمية الاستراتيجية لمصر باعتبارها بوابة استراتيجية إلى أفريقيا، وأكدا الإمكانات الواعدة لتوسيع التعاون الثلاثي بين مصر وكوريا والدول الأفريقية. وهذا يعني أن العلاقة لم تعد ثنائية، بل أصبحت منصة لتعاون ثلاثي يمتد إلى عمق القارة الأفريقية.

وتصدرت الملفات الاقتصادية الأجندة. وحين تتحدث المؤشرات نجد ان حجم التبادل التجاري بين مصر وكوريا الجنوبية قد بلغ 995.3 مليون دولار خلال الفترة من يناير إلى سبتمبر 2025، مقابل 1.2 مليار دولار في الفترة نفسها من 2024. وبلغت الصادرات المصرية إلى كوريا 56.1 مليون دولار، بينما بلغت الواردات المصرية 939.2 مليون دولار. وبلغت الاستثمارات الكورية في مصر 413.8 مليون دولار في العام المالي 2024/2025، مقابل 288.3 مليون دولار في العام السابق عليه. وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة: فالتجارة الثنائية لا تزال دون طموح البلدين، لكن الاستثمارات الكورية تنمو بوتيرة أسرع، مما يعني أن العلاقة تتحول من تجارة سلعية إلى شراكة إنتاجية. وهذا ما يعكسه البيان المشترك حين نص على توسيع التعاون في التصنيع، ولا سيما صناعة السفن والمركبات الكهربائية والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية وتعزيز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وتوطين الصناعات.

ويعكس الدعوة المصرية لإنشاء منطقة صناعية كورية متكاملة داخل نطاق المنطقة الاقتصادية لقناة السويس رؤية استراتيجية واضحة. فلا تريد مصر أن تكون سوقا لتصريف المنتجات الكورية، بل تريد أن تكون منصة تصنيع وتصدير للشركات الكورية إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، مستفيدة من شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط مصر بهذه الأسواق. وليس هذا المنطق جديدا، لكنه أصبح أكثر إلحاحا في ظل إعادة ترتيب خريطة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، حيث تسعى الشركات الكورية إلى تنويع قواعدها الإنتاجية لتقليل المخاطر.

ولم تتوقف الجولة عند كوريا. فقد ضمت ماليزيا وإندونيسيا، وهما دولتان لهما وزن اقتصادي وسكاني مهم في جنوب شرق آسيا. وماليزيا دولة إسلامية متقدمة في التمويل الإسلامي والصناعات الحلال، وهي نموذج يمكن أن تستفيد منه مصر في تطوير صناعاتها الغذائية والدوائية. وإندونيسيا أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث السكان، وتتمتع بعلاقات تاريخية مع مصر، وتمثل سوقا ضخمة للمنتجات المصرية، ومصدرا محتملا للتعاون في الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية. واللافت أن ماليزيا أعلنت أن مصر احتلت المرتبة السابعة بين أكبر شركائها التجاريين في أفريقيا عام 2025، بارتفاع في التبادل بنسبة 74.7 في المئة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026.

وأطرح هنا تساؤلاً جوهرياً: ما علاقة هذه الجولة بالتحولات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر؟ تكمن الإجابة في أن الجولة لم تكن منفصلة عن هذه التحولات، بل كانت جزءا من استراتيجية مصرية أوسع لبناء شبكة نفوذ خارجية تحمي مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة. فبينما كانت إثيوبيا تغرق في أزماتها الداخلية، وتقطع علاقاتها مع إريتريا، وتواجه اتهامات متبادلة مع مصر، كانت القاهرة تبني جسورا جديدة مع الشرق الأقصى. وليس هذا التوقيت مصادفة، بل هو تعبير عن إدراك مصري بأن أزمة سد النهضة لم تعد ملفا ثنائيا بين القاهرة وأديس أبابا، بل أصبحت ملفا إقليميا ودوليا يتقاطع مع أزمات البحر الأحمر والقرن الأفريقي واليمن. ويمنح الانخراط في آسيا مصر قدرة على تحويل هذا الملف من نزاع ثنائي معزول إلى قضية دولية تهم الشركاء التجاريين والاستراتيجيين الجدد. فالجولة الآسيوية ليست مجرد تنويع للشراكات، بل هي إعلان عن أن مصر لم تعد تقبل أن تكون طرفا في معادلة إقليمية يحددها الآخرون، بل تريد أن تكون طرفا يصوغ المعادلة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الصيني المتصاعد في مصر. فقد قام الرئيس الصيني بزيارة دولة إلى مصر في سبتمبر 2026، وهي الزيارة التي وصفتها الأوساط الدبلوماسية بأنها علامة على انتقال العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة. وأكدت الزيارة أن الشراكة المصرية الصينية تتجاوز التجارة والاستثمار إلى التنسيق السياسي والأمني، حيث تم التأكيد على دعم مصر في الحفاظ على أمنها المائي، وعلى أهمية احترام مبدأ عدم الإضرار في الأنهار العابرة للحدود. وأعلنت الصين عن مبادرة من أربع نقاط لتعزيز الأمن المشترك في الشرق الأوسط، وهو ما يعكس تحولا في الموقف الصيني من الحياد الصامت إلى الانخراط النشط في ملفات الأمن الإقليمي. ويهم هذا التحول مصر، لأن الصين تمتلك نفوذا في إثيوبيا، ويمكن أن تلعب دورا في الضغط على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق ملزم حول سد النهضة. كما أن التعاون العسكري المصري الصيني لم يعد مقتصرا على التدريبات المشتركة، بل امتد إلى التصنيع الحربي المشترك، وإلى تدريب نسور الحضارة الذي انطلقت نسخته الثانية في أغسطس 2026، بمشاركة مقاتلات صينية متعددة المهام، وهو ما يعكس تحولا في العلاقة من الشراكة الاقتصادية إلى الشراكة الأمنية.

ويتضح من هذا كله تحولا في فلسفة السياسة الخارجية المصرية، فمصر لا تبحث عن حليف يحميها، بل تبني شبكة متنوعة من العلاقات والبدائل توزع المخاطر وتمنحها حرية أوسع في المناورة، ولا ينبع هذا التحول من ضعف، بل من قوة وفكر استباقي، والقيادة المصرية لم تصل إلى هذا الفهم من فراغ، بل من قراءة تراكمية لثلاثة دروس: الدرس الأول هو أن الحلفاء يتغيرون والمصالح لا تتغير، فقد رأت مصر كيف تحولت مواقف قوى كبرى في لحظات حاسمة وكيف تبخرت ضمانات قيل إنها استراتيجية، والدرس الثاني هو أن الاعتماد على طرف واحد يمنحه حق الفيتو على قرارك الوطني، ومن يملك حق الفيتو على قرارك لا يكون شريكا بل يكون وصيا، والدرس الثالث هو أن الفراغ الذي تتركه قوة متراجعة لا يملؤه من ينتظر بل من يتحرك، وقد رأت مصر كيف ملأت قوى إقليمية ودولية فراغات في ليبيا واليمن والسودان وكيف تحولت هذه الفراغات إلى ساحات تنافس دائم، ومن هذه الدروس الثلاثة صاغت القيادة المصرية عقيدتها في زمن متعدد المراكز: أن تكون حاضرا في كل مكان دون أن تكون رهينة في أي مكان، وهذا ما يفسر سلوكا دقيقا يتكرر في الجولة الآسيوية، فمصر لا تختار بين الولايات المتحدة والصين، بل تبني مع الصين شراكة استراتيجية شاملة وتحافظ مع الولايات المتحدة على تعاون أمني وتوسع مع كوريا شراكة صناعية وتكنولوجية، ومصر لا تختار بين أوروبا وآسيا بل تجعل من موقعها الجغرافي جسرا بينهما ومن قناة السويس ممرا يخدم الجميع، ومصر لا تختار بين العرب وأفريقيا وآسيا بل تربط بينها جميعا في شبكة واحدة تجعل كل طرف في حاجة إليها دون أن تكون في حاجة إلى أي منها وحدها، وهذا السلوك ليس ترددا بل هو عقيدة، فالتردد هو أن تقف على الحياد بين طرفين لأنك لا تستطيع الاختيار، أما ما تفعله مصر فهو أن تبني علاقات مع جميع الأطراف لأنها تعرف ما تريد من كل طرف، وهذه المعرفة هي جوهر الفكر الاستباقي، فالقيادة المصرية لا تتعامل مع الخارج برد الفعل بل بمبادرة مدروسة، وهي لا تنتظر أن تحدث الأزمة لتتحرك بل تبني شبكتها قبل أن تحتاج إليها، وقد تجلى هذا في التوقيت وفي اختيار المحطات وفي ربط الملفات الاقتصادية بالملفات الأمنية، فالجولة الآسيوية جاءت في لحظة إقليمية بالغة التعقيد لكنها لم تكن رد فعل على هذه اللحظة بل كانت خطوة في مسار طويل بدأ قبلها، وتمتلك مصر بالفعل الأدوات التي تجعل هذه العقيدة قابلة للتنفيذ، فمصر تمتلك أحد أكبر الجيوش في المنطقة وتمتلك موقعا جغرافيا فريدا يربط بين البحرين المتوسط والأحمر وتمتلك قناة السويس التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، وتمنح هذه الأدوات مجتمعة مصر قدرة على حماية نفسها لكنها لا تمنحها قدرة على حماية مصالحها في الخارج وحدها، وهنا يبرز الفرق بين القوة والعزلة، فالقوة بلا شبكة تبقى معزولة والشبكة بلا قوة تبقى هشة ومصر تبني الاثنين معا، وما تبحث عنه مصر ليس مكانا في خريطة القوى بل خريطة جديدة للقوى، لكن هذا الفكر الاستباقي لا يخلو من تحديات، فإدارة الشبكة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التنسيق بين شركاء متعددين وإلى نخب قادرة على قراءة كل موقف على حدة وإلى إرادة سياسية قادرة على الصمود أمام الضغوط التي قد تمارسها قوة كبرى إذا رأت في تنويع الشراكات خروجا عليها، وهذا يعني أن نجاح العقيدة الجديدة لا يتوقف على حسن النوايا بل على قدرة الدولة على إدارة التعقيد وعلى تحويل العلاقات إلى مصالح ملموسة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس في رسم الخريطة بل في السير عليها.
وإذا أردنا قياس نجاح هذه الجولة، فإن هناك ستة مؤشرات يمكن الرصد، ولكل مؤشر دلالة محددة على نجاح الجولة:
يتمثل المؤشر الأول في نسبة نمو التبادل التجاري بين مصر وكوريا خلال الاثني عشر شهرا التالية للجولة. ودلالة هذا المؤشر أن نموا يتجاوز عشرة في المئة يعني أن الاتفاقيات ترجمت إلى تدفق تجاري فعلي، بينما نمو أقل من خمسة في المئة يعني أن العلاقة لا تزال حبيسة الإطار السياسي.
ويتمثل المؤشر الثاني في حجم الاستثمارات الكورية الجديدة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. ودلالة هذا المؤشر أن تجاوز الاستثمارات نصف مليار دولار خلال عام يعني أن الشركات الكورية بدأت تنظر إلى مصر كقاعدة إنتاج لا كسوق استهلاكية، بينما بقاؤها دون مئتي مليون دولار يعني أن المنطقة الصناعية الكورية لا تزال حبرا على ورق.
ويتمثل المؤشر الثالث في عدد الشركات الكورية التي تفتح مكاتب إقليمية في القاهرة لخدمة أفريقيا والشرق الأوسط. ودلالة هذا المؤشر أن فتح خمس شركات كبرى على الأقل مكاتب إقليمية في القاهرة خلال عامين يعني أن مصر تحولت فعلا إلى بوابة إقليمية، بينما بقاء العدد دون ثلاث شركات يعني أن البوابة لا تزال نظرية.
ويتمثل المؤشر الرابع في عدد المنح الدراسية وبرامج التدريب للشباب المصري في كوريا. ودلالة هذا المؤشر أن تجاوز عدد المستفيدين ألف شخص خلال ثلاث سنوات يعني أن نقل التكنولوجيا بدأ بنقل العقول، بينما بقاء العدد دون ثلاث مئة يعني أن العلاقة لا تزال قائمة على استيراد الآلة لا على بناء الإنسان. ويتمثل المؤشر الخامس في حجم الصادرات المصرية إلى كوريا. ودلالة هذا المؤشر أن تجاوز الصادرات مئتي مليون دولار خلال عامين يعني أن مصر قادرة على النفاذ إلى السوق الكورية لا فقط الاستيراد منها، بينما بقاؤها دون مئة مليون دولار يعني أن العلاقة لا تزال أحادية الاتجاه.
ويتمثل المؤشر السادس في حجم الاستثمارات الكورية في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي. ودلالة هذا المؤشر أن تجاوز الاستثمارات في هذه القطاعات مئة مليون دولار خلال ثلاث سنوات يعني أن مصر دخلت الاقتصاد المعرفي، بينما بقاؤها دون خمسين مليون دولار يعني أن مصر لا تزال في الاقتصاد التقليدي.

وخلاصة ما أود طرحه في مقالي إن ما يجري اليوم ليس مجرد جولة دبلوماسية، بل هو ترجمة لرؤية مصرية تدرك أن السيادة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس بعدد الحلفاء، بل بعدد البدائل القابلة للتفعيل. والجولة الآسيوية ليست حدثا يمكن تقييمه بمعزل عن سياقه، بل هي خطوة في مسار طويل بدأ منذ 2015، حين زار السيسي سنغافورة كأول رئيس مصري يفعل ذلك، ويمتد إلى أكتوبر 2026 حيث تبني مصر شبكة من العلاقات تمتد من كوريا إلى ماليزيا وإندونيسيا، ومن الهند إلى الصين. وفي عالم تتشابك فيه أزمة سد النهضة مع أزمات الممرات في الخليج العربي مع انهيار العلاقات الإثيوبية الإريترية، لا يمنح الأمان من ينتظر، بل من يبني. ومصر، بكل أزماتها، اختارت أن تبني.

وما أقصده بعدد البدائل ليس مجرد تنويع للشركاء، بل تحويل هذا التنويع إلى قدرة فعلية على المناورة. فالبديل الذي لا يمكن تفعيله في لحظة الحاجة ليس بديلا، بل وهم. والفرق بين دولة تملك أوراقا على الورق ودولة تملك أوراقا قابلة للعب هو الفرق بين من ينتظر أن يقرر الآخرون عنه، ومن يقرر بنفسه.
ومصر لا تبني شبكتها الآسيوية لتستعرضها في البيانات، بل لتحويلها إلى أدوات ضغط وتفاوض في كل ملف، من سد النهضة إلى الممرات إلى إعادة الإعمار. وهذا هو المعنى العملي للسيادة في زمن متعدد المراكز: ألا تكون رهينة لخيار واحد، وأن تملك دائما خيارا آخر. ومصر التي تمتلك قناة السويس، وتمتلك أكبر جيش في المنطقة، وتمتلك موقعا جغرافيا لا يمكن تجاوزه، تمتلك بالفعل مقومات هذا الخيار. وما ينقصها ليس الإمكانات، بل تحويل الإمكانات إلى واقع ملموس، وهذا ما تجسده الجولة الآسيوية.

والتحدي الأعمق ليس في بناء الشبكة، بل في إدارتها. فالشبكة التي لا تُدار تتحول إلى عبء، والشريك الذي لا يُفعّل يتحول إلى ديكور. وإدارة الشبكة تعني أن تعرف متى تتحرك مع كل طرف، ومتى تصمت، ومتى تضغط، ومتى تنتظر. وهذا يتطلب عقلا استراتيجيا قادرا على قراءة كل موقف على حدة، وعدم التعامل مع الشركاء ككتلة واحدة.
وقد أدركت القيادة السياسية المصرية هذه الحقيقة، ولهذا لم تتعامل مع آسيا ككتلة، بل كمشهد متعدد النماذج: كوريا للتصنيع ونقل التكنولوجيا، واليابان للاستثمار طويل الأجل، والصين للبنية التحتية والتمويل، والهند للأدوية وتكنولوجيا المعلومات، وماليزيا للتمويل الإسلامي والصناعات الحلال، وإندونيسيا للسوق والطاقة المتجددة. وكل نموذج منها يخدم هدفا مختلفا، وكل علاقة منها قابلة للتفعيل في سياق مختلف. وهذا التعدد في الأدوات هو ما يمنح مصر قدرة على الصمود في بيئة إقليمية مضطربة، لا أن تنتظر أن تستقر هذه البيئة لتبدأ في التحرك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى