مقالات

حين تصبح النخب مرآةً لعقل السلطة: من يصنع القرار في مصر، ومن يرسم مستقبلها؟

لفهم عقل أي سلطة وطبيعة أهدافها، وموقع الدولة والمجتمع في حساباتها، لا يكفي الاكتفاء بخطابات رأس النظام؛ الأجدى أن يُنظر في نوعية النخب التي تحيط به، وفي مصادر نفوذ تلك التي تستمد مكانتها من القرب منه. فالنخب ليست دوائر استشارية أو أدوات دعائية فحسب، بل مرآة تعكس نمط التفكير السياسي، ومستوى الوعي الاستراتيجي، والمعايير التي تُدار بها الدولة.

مفارقة مصرية مؤلمة
تملك مصر تاريخًا حضاريًا ممتدًا، وثقلًا جيوسياسيًا راسخًا، ورصيدًا علميًا وثقافيًا ضخمًا، وكفاءات وطنية في كل المجالات، ومع ذلك تتصدر المشهد العام أصوات تُقدَّم بوصفها عقولًا سياسية وإعلامية مؤثرة في محيط السلطة، وهي في معظمها أقرب إلى الخطاب التعبوي منه إلى التحليل الاستراتيجي.

ويكفي أن نتأمل أسماء بارزة في المشهد الإعلامي، مثل مصطفى بكري ونشأت الديهي ومحمد الباز وأحمد موسى وعمر أديب ولميس الحديدي يوسف الحسيني والقائمة تطول، لندرك أن هذا النمط من الخطاب لم يعد هامشيًا، بل صار جزءًا من البيئة التي تتشكل فيها الرؤية الإعلامية والسياسية للدولة، وهنا لا يُقصد الأشخاص بقدر ما يُقصد الدور الذي يؤدونه، والوظيفة التي يُستدعون لها.

وفي المقابل، تُبذل محاولات لإضفاء وجاهة فكرية وسياسية على هذا المشهد من خلال شخصيات ذات خلفية أكاديمية، مثل الدكتور حسام بدراوي، الذي ربما ظن أنه سيكون “هيكل العصر” وعقل السلطة الجديدة، محققًا طموحًا سياسيًا طالما راوده، والمفارقة أنه كان جزءًا من مشهد أسهم في إجهاض أول تجربة ديمقراطية وليدة في مصر، كان من المفترض أن تحتكم إلى إرادة الشعب عبر صندوق انتخابي يمنحه حق اختيار من يحكمه، كما يمنحه الحق ذاته في تغيير من لا يستحق أو يعجز عن تحمل المسؤولية، وكان يُنتظر منه أن يمثل صوتًا أكثر استقلالًا، وامتدادًا لمشروع إصلاحي يحافظ على أمل التحول الديمقراطي الذي تطلع إليه المصريون، غير أن حضوره الراهن، في نظر كثير من المتابعين، لم يتجاوز حدود الظهور السياسي المحسوب، ولم يتحول إلى تأثير حقيقي في صناعة القرار، ليبدو أقرب إلى واجهة فكرية تُستدعى لتجميل المشهد عند الحاجة، لا شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبل الدولة؛ فالمعضلة أن السلطة لا تبحث بالضرورة عن عقول بمقاس الدولة وتحدياتها، بقدر ما تختار شخصيات تتناسب مع حساباتها ومتطلبات استمرارها.

من الأشخاص إلى المنظومة
القضية الجوهرية إذن ليست في الأسماء، بل في منظومة الاختيار والمعايير التي تحكمها؛ فحين تحل المجاملة محل الكفاءة، والتملق محل الرأي المستقل، والدعاية محل التحليل، ويصبح الولاء الشخصي معيار التقريب، تنتج بيئة سياسية يتراجع فيها التفكير في القضايا الكبرى، وتغيب فيها الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.

ومن نتائج ذلك أن تصير قضايا الأمن القومي وسيادة الدولة وإدارة المصالح الوطنية رهينة لحسابات ضيقة وأولويات قصيرة الأجل، وتزداد الخطورة حين تتحول الحدود الاستراتيجية لمصر ومحيطها الإقليمي إلى ساحات ضغط وتهديد، وتتراجع قدرة الدولة على فرض معادلاتها وحماية مجالها الحيوي، وفي الوقت نفسه يُستنزف المجال العام في معارك جانبية وقضايا هامشية، ويبقى الرأي العام أسير حالة دائمة من الإلهاء والتعبئة الإعلامية.

النخبة والقرار: علاقة سببية لا شكلية
تؤكد أدبيات علم السياسة أن جودة القرار الاستراتيجي ترتبط بتنوع مصادر المعرفة التي تغذيه، فحين تتشكل دائرة المشورة من أصوات متجانسة تُكافأ على الموافقة لا على دقة التقدير، تضعف قدرة صانع القرار على اختبار فرضياته وتصحيح أخطائه قبل أن تتحول إلى كلفة وطنية، وقد نبّه رواد نظرية النخبة، وفي مقدمتهم فيلفريدو باريتو، إلى حاجة المجتمعات إلى دوران حقيقي للنخب، وإلى أن انغلاق النخبة على نفسها يحولها من رافعة للتقدم إلى عبء عليه.

الدولة لا تُدار بالشعارات
الدول لا تُدار بالشعارات، ولا تُحمى بالتصفيق، ولا تُبنى بمن يتقنون تجميل الواقع وإخفاء أزماته، أما الدول المحورية فتحتاج إلى عقول استراتيجية قادرة على قراءة التحولات الدولية، واستشراف المخاطر، وإدارة التوازنات، وصناعة البدائل. وهي مهام لا تؤديها منابر تكرر ما يُراد لها أن تقوله،
ومن هنا ينبغي أن يُطرح السؤال بوضوح: هل يليق بمصر، بتاريخها ومكانتها وثقلها الإقليمي، أن يُترك مستقبلها رهينة منظومة من الأصوات التي لا تقدم مشروعًا فكريًا أو سياسيًا يوازي حجم التحديات التي تواجهها؟

أثر المنظومة في الأجيال الصاعدة
ولا يتوقف أثر هذا الخلل عند النخب المحيطة بالسلطة، بل يمتد إلى قطاعات من الشباب الطامح الباحث عن فرصة للحضور والتأثير، فحين يرى هؤلاء أن الصعود مشروط بالقرب من أحد رموز المنظومة، يتقلص سقف طموح بعضهم إلى موقع التابع أو المساعد، وتُباع لهم الأوهام باسم القرب من دوائر القرار، وهكذا يُعاد إنتاج المشهد ذاته، بينما تبقى الكفاءة والاستقلالية والقدرة على النقد خارج معايير الصعود الحقيقي.

أخطر ما يهدد الدول
إن أخطر ما يواجه دولة ليس تراجع مواردها أو تعثر اقتصادها فحسب، بل فقدانها المعايير التي تختار بها نخبها؛ فحين يُستبدل أصحاب العلم والرؤية بأصحاب المصالح والمجاملات، ويصير الصعود السياسي والإعلامي مكافأة على التبعية لا ثمرة للكفاءة، تتآكل شرعية النخبة وقدرتها على قيادة التغيير.

دروس من تجارب أخرى:
تُظهر تجارب دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة أن الانتقال من منطق الولاء إلى منطق الكفاءة في الإدارة العامة كان شرطًا من شروط النهوض، وإن اختلفت أنظمتها السياسية وسياقاتها التاريخية، فقد ربطت هذه الدول الترقي بالأداء المهني، وبنت أجهزة بيروقراطية وبحثية قادرة على تقديم المشورة الصريحة لصانع القرار، ولا يعني ذلك استنساخ نماذجها، بل استخلاص الدرس الجوهري: أن الكفاءة المحمية بقواعد مؤسسية تسبق الأشخاص وتبقى بعدهم.

نحو تجديد حقيقي
مصر لا تحتاج إلى مزيد من المصفقين، ولا إلى وجوه تتبادل الأدوار في صناعة الصورة، إنها تحتاج إلى تجديد حقيقي في بنية الحكم، ومؤسسات قوية، وحكومات وطنية تتمتع بالكفاءة والاستقلالية، وعقول علمية وسياسية قادرة على إدارة الدولة بوصفها مشروعًا وطنيًا ممتدًا، لا مجرد سلطة تسعى إلى البقاء.

ويبدأ هذا التجديد بخطوات عملية واضحة:

أولًا، إرساء معايير معلنة للاختيار في المواقع العامة تقوم على الكفاءة والخبرة لا على القرب الشخصي.

ثانيًا، تعزيز استقلال الجامعات ومراكز البحث وبيوت الخبرة، لتكون مصدرًا حقيقيًا للمشورة لا ديكورًا للمناسبات.

ثالثًا، توسيع هامش التعددية في الإعلام والمجال العام، فلا يُصحَّح الخطأ ما لم يُسمح بنقده.

رابعًا، ترسيخ المساءلة المؤسسية بحيث يُقاس الأداء بالنتائج لا بالولاءات.

وليست الشعوب دائمًا هي المسؤولة عن ضياع الأوطان. فكثيرًا ما تكون النخب التي تتصدر المشهد، وتفرّط في أمانة المعرفة والمسؤولية، وتساوم على استقلال رأيها، الحلقة الأخطر في إضعاف الدول وإهدار مقدراتها. فالأوطان لا تخون نفسها، وإنما يخونها من يتصدرون قيادتها ويتحدثون باسمها، ثم يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالحها ومستقبلها.

آن لمصر أن تتحرر من أسر الشخصنة السياسية، ومن جمود التفكير، ومن ثقافة التبعية والتملق، وأن تستعيد مكانة العلم والكفاءة والمبدأ، وأن يكون الحكم فيها للمؤسسات والعقول الوطنية، لا للأهواء وشبكات المصالح.
استقيموا يرحمكم الله.

*المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كاتبها وليس المركز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى