مقالات

روژهلات كوردستان من مشانق طهران إلى حق تقرير المصير

لا يمكن اختزال روژهلات كوردستان في حدود جغرافية رسمتها الدولة الإيرانية، ولا التعامل مع شعبها باعتباره جماعة تنتظر اعتراف السلطة بهويتها. إذ هي قضية شعب يمتلك تاريخاً سياسياً وخصوصية قومية وذاكرة نضالية متراكمة، وقد واجه عبر أجيال سياسات استهدفت لغته وثقافته وحقه في التعبير عن إرادته. و لم تبدأ المطالب الكوردية مع ظهور الأحزاب الحديثة، ولم تكن نتيجة صراع على السلطة داخل إيران؛ بل ارتبطت بوجود قومي أصيل وحق طبيعي في الحرية والتمثيل السياسي وإدارة الشؤون العامة. غير أن طهران اختارت التعامل مع هذه المطالب باعتبارها تهديداً أمنياً، وحوّلت الهوية الكوردية إلى خيانة عظمى أو خروج عن العقيدة، و ألصقت بهم تُهم تُعد و لا تُحصى جعلت ما يقارب 50% من المعتقلين في سجون إيران من الشعب الكوردي أغلبهم من المثقفين و المعلمين و النخب بلا محاكمات و كثير منهم في أماكن مجهولة.

مثّلت جمهورية كوردستان في مهاباد عام 1946، بقيادة الإمام قاضي محمد، محطة مفصلية في التاريخ السياسي لروژهلات، إذ جسّدت إرادة شعب امتلك مشروعاً سياسياً ومؤسسات ورؤية لإدارة شؤونه. وعندما أُسقطت الجمهورية وأُعدم الإمام قاضي محمد، اعتقدت السلطة أنها أنهت تجربة سياسية وأغلقت صفحة من التاريخ الكوردي. لكنها لم تستطع إلغاء المعنى الذي تركته مهاباد في الوعي القومي؛ فقد أصبحت دليلاً على أن الكورد في روژهلات ليسوا جماعة بلا تجربة سياسية أو تطلعات وطنية. ولم تكن مهاباد بداية النضال الكوردي ولا نهايته، بل إحدى أبرز محطاته التي بقيت حاضرة في ذاكرة الأجيال.

منذ وصول الجمهورية الإسلامية إلى السلطة عام 1979، واجهت المناطق الكوردية حملات عسكرية وأمنية واسعة، وتعرّض سكانها للاعتقالات والإعدامات والملاحقات، فيما جرى تجريم النشاط السياسي والثقافي المستقل. لم يقتصر الاستهداف على المنتمين إلى الأحزاب المعارضة، بل امتد إلى المدنيين والطلبة والمعلمين والصحفيين والناشطين، واستخدمت السلطات تهم الأمن القومي والارتباط بالتنظيمات المحظورة لتبرير الاعتقال والمحاكمات التي تفتقر في حالات عديدة إلى ضمانات العدالة . كما ظل تعليم اللغة الكوردية وممارستها في الحياة العامة والثقافية محاصراً بقيود الدولة كما و بسبب تعليم اللغة اعتقلت السلطات الكثير من المعلمين كالمعلمة زارا محمدي التي اتهمتها السلطات بتهديد الأمن القومي و عوقبت بالسجن لمدة ٥ سنوات لمجرد أنها تعلّم لغتها الأمّ .

لم تحصر طهران استهداف خصومها الكورد داخل السجون والمدن الإيرانية، بل امتد العنف إلى خارج الحدود. ففي 13 يوليو 1989 اغتيل عبد الرحمن قاسملو، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكوردستاني الإيراني، في فيينا أثناء لقاءات تفاوضية مع ممثلين إيرانيين، وقُتل معه عبد الله قادري آذر والوسيط فاضل رسول. وبعد ثلاث سنوات، اغتيل خلفه صادق شرفكندي مع ثلاثة آخرين في مطعم ميكونوس ببرلين عام 1992. وقد خلصت المحكمة الألمانية في قضية ميكونوس إلى مسؤولية قيادات إيرانية عن إصدار قرار الاغتيال، لتصبح القضية دليلاً قضائياً بارزاً على استخدام الدولة الإيرانية الإرهاب السياسي ضد معارضيها في الخارج. لم تكن هذه الجرائم مجرد تصفية لشخصيات سياسية، بل استهدافاً للقيادة الكوردية ومحاولة لإرهاب كل من يسعى إلى تمثيل شعبه والدفاع عن حقوقه و لليوم المتهمين بتصفية القيادات الكوردية موجودين في مفاصل الدولة و بعضهم كان حاضر في المفاوضات التي جرت في باكستان.

لم يكن المعلم والكاتب والناشط الثقافي خارج دائرة الاستهداف الإيراني. ففي 9 مايو 2010 أعدمت السلطات الإيرانية فرزاد كمانگر، المعلم والناشط الكوردي، إلى جانب ثلاثة سجناء سياسيين كورد آخرين هم علي حيدريان وفرهاد وكيلي وشيرين علم هولي، وكانت منظمة العفو الدولية قد وثّقت تعرض عدد من هؤلاء للتعذيب وانتزاع اعترافات بالإكراه، وانتقدت محاكماتهم وحرمانهم من ضمانات العدالة.

و إعدام معلم مثل فرزاد كمانگر يكشف طبيعة السلطة التي لا ترى في التعليم والثقافة والعمل المدني جسوراً لبناء المجتمع، بل مصادر محتملة لوعي مستقل لا تستطيع السيطرة عليه إلا بأداة قمعية و بأسلوب إرهابي يهدد الوجود و الامن الكوردي لشرق كوردستان.

وثّقت منظمة هنغاو خلال النصف الأول من عام 2026 إعدام 46 سجيناً كوردياً في السجون الإيرانية، بينهم ثمانية سجناء سياسيين، كما وثّقت 290 كوردياً راحوا ضحية رصاص الحرس الثوري خلال احتجاجات يناير 2026،. وسجلت المنظمة اعتقال أكثر من عشرة آلاف كوردي خلال الفترة نفسها، مع التحقق من هويات 861 شخصاً. وهذه الأرقام تمثل الحالات التي تمكنت المنظمة من توثيقها لصعوبة الوصول للمعلومات الخاصة بالانتهاكات، وليست بالضرورة الحصيلة الكاملة في ظل القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى المعلومات. وفي سبتمبر 2026، وثّقت هنغاو إعدام خمسة سجناء كورد، واعتقال سبعين شخصاً، ومقتل أربعة كورد على يد القوات الإيرانية، إلى جانب صدور أحكام بالإعدام والسجن بحق ثلاثة عشر شخصاً. وتكشف هذه الوقائع استمرار استخدام الإعدام والاعتقال والقوة المسلحة في التعامل مع المجتمع الكوردي ضعف ما كانت عليه العام المنصرم.

 إنَّ إسقاط ولاية الفقيه لا يضمن قيام نظام ديمقراطي ما دامت التصورات القومية المركزية التي تنكر التعدد وتفرض هوية واحدة على الدولة والمجتمع قائمة. لا يمكن للكورد في روجهلات أن يستبدلوا سلطة دينية تفرض عليهم وصايتها بسلطة مركزية أخرى تطالبهم بالذوبان في هوية فارسية مهيمنة. وأي مشروع سياسي يرفع شعارات الحرية، ثم يرفض الاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، لا يقدم بديلاً ديمقراطياً، بل يعيد إنتاج الهيمنة بأدوات مختلفة .

تمتلك روژهلات خصوصية تاريخية وسياسية وجغرافية واجتماعية تستوجب التعامل معها بوصفها قضية شعب له إرادته ومصالحه ومشروعه السياسي. وتنتشر التجمعات الكوردية في نطاق واسع على ارضها التاريخية فالديموغرافية الكوردستانية واضحة المعالم بشهادة الكثير من النشطاء فمثلا مدينة مهاباد و سنندج و سقز و اقليم لورستان يشكل الكورد فيها الأكثرية بما يقارب ٩٥% بالمئة من  السكان منهم المسلم السني و الشيعي و اليارساني و الايزيدي و الزردشتي لكن قوميتهم الجامعة كانت ذريعة النظام لممارسة أقسى أنواع القمع على كلّ المدن دون استثناء .

إن وحدة القضية القومية الكوردية لا تعني إلغاء الخصوصية السياسية لكل جزء من أجزاء كوردستان. فظروف روژهلات وتاريخها وتجربتها مع الدولة الإيرانية تختلف عن ظروف باكور وباشور وروژافا، ولا يجوز التعامل مع هذه الأجزاء باعتبارها ساحات متطابقة أو إخضاع قراراتها لمركز حزبي واحد. التضامن القومي ضرورة، لكن احتكار التمثيل والقرار ليس وحدة، وفرض الخيارات السياسية كالاندماج أو التفاوض أو مشروع كالماركسية ليس نضالاً مشتركاً. ومن حق شعب روژهلات اختيار ممثليه وصياغة مشروعه السياسي وفق إرادته وظروفه، بعيداً عن الإملاءات الإيرانية أو المشاريع التي لاتخدم الوضع السياسي و الاجتماعي الكوردي لشرق كوردستان .

حق تقرير المصير ليس منحة من طهران، ولا وعداً تمنحه المعارضة الإيرانية بكلّ أطيافها، بل هو حق سياسي وقومي أصيل، ويشمل حق الكورد في روژهلات اختيار شكل مستقبلهم بحرية، بما في ذلك الاستقلال الكامل إذا عبّرت إرادتهم الحرة عن هذا الخيار وهو ما طرحته العديد من الأحزاب الكوردية المعارضة. ولا يجوز اختزال هذا الحق في صيغة مسبقة تفرضها القوى الإقليمية أو الدولية، كما لا يجوز استخدام وحدة الأراضي الإيرانية لإغلاق النقاش حول مستقبل الشعوب التي تعيش داخل حدودها .

لقد دفعت روژهلات ثمناً باهظاً من دماء أبنائها وقياداتها ومثقفيها، ولا يحق لأي قوة سياسية تحويل هذه التضحيات إلى رصيد تفاوضي لمشروعها الخاص. لا ينبغي أن يكون الكورد وقوداً لتغيير السلطة في طهران، ثم يُطلب منهم الانتظار أو التنازل عن حقوقهم بعد وصول قوى جديدة إلى الحكم.  فمستقبل روژهلات يجب أن يُصاغ بإرادة شعبها، لا وفق حسابات من يريدون إبقاء الدولة مركزية بعقيدتها الإيديولوجية الراديكالية واحتكار تمثيل الكورد . فقد اغتيلت قيادات كوردية

و استنزف النظام شرق كوردستان اقتصادياً ونهب ثرواته و لازال يهاجم الوجود الكوردي بقبضة حديدية و بماكينة إعلامية تصدر للمجتمع الإيراني بأن الكورد أعداء جيرانهم و عملاء للخارج، ، لكن أياً من هذه الجرائم لم يمنح طهران حق امتلاك مستقبل روژهلات. فشعب حافظ على هويته وذاكرته و نضج سياسياً في مواجهة عقود من القمع الذي مازال قائماً لليوم لا يحتاج إلى إذن من أحد كي يقرر مصيره .

الهوامش والمراجع:

-منظمة العفو الدولية، تقرير إعدام خمسة سجناء سياسيين في إيران، 2010.

-مركز الخليج للدراسات الإيرانية ومجلة كردستان

-منظمة هنغاو لحقوق الإنسان، تقارير انتهاكات حقوق الكورد في إيران.

-مركز توثيق حقوق الإنسان في إيران، دراسة اغتيال ميكونوس، برلين 1992.

-مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، دراسة الاغتيالات الإيرانية خارج الحدود.

-مركز عبد الرحمن بورومند لحقوق الإنسان، توثيق اغتيال صادق شرفكندي.

-هيومن رايتس ووتش، التقرير العالمي 2026: إيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى