
سيلفيا مكرم تكتب: الطفل البطل… في الميدان
في لحظة فارقة تفصل بين الحياة والموت، تتجلى شجاعة غير متوقعة من قلب صغير لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره. القصة البطولية للطفل «محمد رجب»، الذي أربكه المشهد لكنه لم يفقد ثباته حين سقط والده مغشياً عليه إثر سكتة دماغية مفاجئة على الطريق الصحراوي، لم تكن مجرد حادثة عابرة تصدرت «الترند»، بل كانت ناقوس خطر وحقيقة ساطعة: الوعي في لحظات الطوارئ يعطي فرصة لإنقاذ روح.
استطاع محمد، بفضل الوعي الفطري والتواصل السريع مع هيئة الإسعاف، أن يعطي والده «الفرصة الذهبية» للنجاة. غير أن هذه الواقعة تضع المجتمع والمؤسسات التعليمية أمام سؤال جوهري: ماذا لو لم يكن لدى الطفل هذا التصرف السريع؟ وكم طفلاً يستطيع التعامل مع موقف مشابه بثبات ودقة سواء في مواجهة مرض مفاجئ، أو كارثة طبيعية مثل الزلازل ، أو حريق غير متوقع؟
إن تحويل هذه المشاعر والانفعالات المجتمعية تجاه حادثة «محمد» إلى منهج عملي يستدعي إعادة النظر في أساليب تربية وإعداد أجيالنا. التدريب على الإسعافات الأولية والتصرف في الكوارث لم يعد رفاهية أو نشاطاً كشفياً معزولاً، بل أضحى ضرورة ملحة يجب إدماجها في المنظومة التعليمية والمناهج الدراسية بشكل تطبيقي ومبتكر.
وإن كانت هناك رؤية مقترحة لدمج الإسعافات الأولية وتدريبات السلامة في المناهج الدراسية، فإن تطبيقها بشكل تدريجي عبر مختلف المراحل التعليمية يمكن أن يحول الفكرة من مجرد نصوص نظرية إلى سلوك حيوي ممارس. قد تتضح ملامح هذه الرؤية في المحاور التالية:
-في المرحلة الابتدائية يكون التعليم بالمحاكاة واللعب
فمثلا يمكن حفظ أرقام الإسعاف ، النجدة ، المطافئ من خلال أغانٍ وقصص مصورة.
تحديد المعالم والاماكن و ذلك بتدريب الطفل على وصف موقع بيته أو الشارع المقابل له عبر ألعاب تفاعلية
ليستطيع وصفه لرجل الإسعاف
معرفة قواعد السلامة أثناء الزلازل و تدريب الأطفال عمليا بالمحاكاة
-في المرحلة الإعدادية (المهارات الميدانية والتطبيقية):
محاكاة الإخلاء الحرائق عن طريق خطط تدريبية دورية لإخلاء المبنى المدرسي للحد من التدافع، وتدريب الطلاب على تجنب الاختناق بالدخان
المهارات الإسعافية الميدانية بتدريب أسبوعي عملي على التعامل مع حالات إغماء السكر، النزيف، والكسور الأولية، ومحاكاة الاتصال بالطوارئ بثبات لنقل الملاحظات الدقيقة.
،تعليم الطالب كيفية إعداد “حقيبة الطوارئ” للتعامل مع الأزمات الطبيعية والانقطاعات المفاجئة.
-المرحلة الثانوية (إدارة الأزمات والإنقاذ المتقدم):
التدريب على الإنعاش بإدماج دورات الإنعاش ،وتدريب عملي على طريقة اختيار واستخدام طفايات الحرائق المدرسية والمنزلية حسب نوع
ادماج دروس تشمل الجانب النفسي للتعامل مع الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات، وتجنب الشائعات أو الهلع الجماعي.
الشراكة مع الحماية المدنية والهلال الأحمر بتنظيم زيارات ميدانية للطلاب، وإلزام كل طالب بإنهاء تدريب عملي للحصول على شهادة معتمدة في “إدارة الأزمات والسلامة” قبل التخرج.
إن البطولات الفردية ملهمة ومحل تقدير، لكن بناء مجتمع آمن يقتضي تحويل هذه البطولة من “صدفة فردية” إلى “سلوك مؤسسي مدروس، فحين تتسع المناهج المدرسية لدروس حفظ الحياة، تضمن لنا أن يكون كل طفل في كل بيت مشروع “المنقذ الصغير “.



