
عزة الفشني تكتب: حين يلتقي الهرم بالسور العظيم رسائل لا تُقال في البيانات
حين تهبط طائرة الرئيس الصيني في مطار القاهرة في هذا التوقيت تحديداٌ فإن الصورة لا يمكن قراءتها بعيداٌ عن ثقل اللحظة التي تعيشها مصر. البلاد التي أنهكتها أعباء الديون تجد نفسها وجهاٌ لوجه مع شريك عالمي يملك ما تحتاجه اليوم بالضبط نفساٌ إقتصادياٌ أطول وعرضاٌ مختلفاٌ عن منطق القروض التقليدية.
زيارة شي إعتراف متبادل بين البلدين بأن موازين القوة تغيرت
الزيارة ليست مجرد بروتوكول يليق بسبعين عاماٌ من العلاقات الدبلوماسية. هي لحظة إعتراف متبادل بأن العالم تغير وأن موازين القوة لم تعد تحتمل الإنتظار. الصين تبحث عن موطئ قدم ثابت في قلب المنطقة وفي مفترق طرق التجارة العالمية ومصر تبحث عن شريك يفهم أن الأولوية الآن ليست للكلام عن الإصلاح بل للقدرة على الإنتاج والتصدير وتوفير فرص عمل حقيقية تخفف من وطأة الأزمة على الناس.
ما يميز هذا التقارب أنه لا يقوم على وعود معلقة في الهواء. الصين لا تأتي إلى مصر كدائن يمد يده ثم ينتظر السداد. هي تأتي كمصنع يريد أن ينقل جزءاٌ من طاقته إلى الأراضي المصرية. المنطقة الإقتصادية في السويس تتحول تدريجياٌ إلى مدينة صينية صغيرة داخل مصر حيث تبنى المصانع وتجلب الآلات وتدرب الأيدي المصرية على صناعات كانت بالأمس بعيدة. المنسوجات والإطارات والألمنيوم ومراكز البيانات والذكاء الإصطناعي كلها ملفات صارت على الطاولة لأن بكين تريد أن تستخدم مصر كجسر للعبور إلى إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا معاٌ.
مبادلة العملات باليوان يقلل من إعتماد مصر على الدولار
وهنا تكمن الحساسية. فمصر التي تدفع فاتورة ضخمة من العملة الصعبة كل شهر تجد في إتفاقية مبادلة العملات باليوان متنفساٌ صغيراٌ يقلل من اعتمادها على الدولار. وفي القروض الميسرة التي تسدد بنفس العملة فرصة لتأجيل الضغط دون أن تدخل في دوامة جديدة من الشروط. لكن الأهم من ذلك كله هو أن الحديث تغير من لغة الإقتراض إلى لغة الشراكة في الإنتاج. لم يعد المطلوب فقط كيف نسدد بل كيف نصنع وكيف نبيع وكيف نخلق قيمة مضافة تبقى داخل الإقتصاد المصري.
تعد إتفاقية مبادلة العملات باليوان مع الصين إحدى الوسائل التي تمنح مصر متنفساً في ظل الضغط المتزايد على الدولار.. أى تسوية جزء من التبادل التجاري بين البلدين بالجنيه المصري واليوان الصيني مباشرة دون المرور بالعملة الأمريكية.
- أهمية هذه الخطوة لمصر: هي تخفيف الطلب على الدولار وهو ما يسهم في التخفيف من الضغط على الإحتياطي النقدي وعلى سعر الصرف. كما أنها تحمل دلالة سياسية مفادها أن مصر تسعى إلى تنويع خياراتها المالية والتجارية. ولا تضع إعتمادها كله على عملة واحدة.
مع ذلك لا يمكن إعتبار هذه الآلية حلاً جذرياً لأزمة الديون فهي لا توفر دولاراً جديداً ولا تلغي المديونيات. دورها الأساسي هو تقليل الإحتكاك وتوفير سيولة وتخفيف العبء على المدى القصير والمتوسط.
لكن القيمة الحقيقية للاتفاق ستظهر بزيادة الصادرات المصرية إلى الصين. فحينها لا تقتصر الإستفادة على الدفع باليوان عند الشراء. بل يصبح تحصيل اليوان عند البيع أيضاً. وهو بدوره يدعم الإنتاج والتصدير المصري.
بإختصار شديد مبادلة العملات باليوان ليست عصاٌ سحرية. إنما خطوة مهمة نجاحها مرهون بزيادة قدرة مصر على التجارة والصناعة لا أن تبقى مجرد إتفاق على الورق.
سياسياٌ: المشهد لا يقل أهمية. المنطقة تحترق على مهل من غزة إلى البحر الأحمر ومن مضيق هرمز إلى التوترات التي لا تهدأ. في هذا الجو تظهر الصين وهي تحمل خطاباٌ مختلفاٌ عن التدخل العسكري المباشر وتتحدث عن الإستقرار من خلال التنمية وعن الحلول السياسية وعن نظام دولي أكثر عدالة. مصر من جانبها ترى في هذا الموقف مساحة للحركة بعيداٌ عن الاستقطاب الثنائي الذي حكم العقود الماضية. هي لا تريد أن تختار معسكراٌ ضد آخر بل تريد أن تحافظ على علاقاتها مع الجميع وفي الوقت نفسه تجلب الإستثمار من حيث أتى.
مصر قررت أن تضع نفسها في قلب التحولات الكبرى
إذن الزيارة تحمل معنى أعمق من توقيع اتفاقيات. هي إعلان أن مصر قررت أن تضع نفسها في قلب التحولات الكبرى وأنها لن تنتظر حتى تتحسن الظروف العالمية بل ستصنع لنفسها ظروفاٌ جديدة بأدوات غير تقليدية. والصين من جانبها تعلن أن طريق الحرير الجديد لا يمكن أن يمر دون المرور بالقاهرة وأن أي مشروع عالمي يطمح للنجاح لا بد أن يأخذ في اعتباره وزن مصر وموقعها وتاريخها.
ماذا بعد الصور والإستقبالات؟
لكن يبقى السؤال الأصعب ماذا بعد الصور والاستقبالات. هل ستتحول هذه الشراكة إلى مصانع تشتغل وتخرج منتجات مكتوب عليها صنع في مصر وتصل إلى أسواق جديدة أم سنبقى عند حدود المشروعات الكبرى التي لا يلمسها المواطن العادي. هل سينجح الجانبان في تحويل هذا الزخم إلى نقل تكنولوجيا حقيقي وتوطين صناعات لا نستوردها بعد عشر سنوات أم سيظل الأمر في إطار تبادل تجاري أوسع دون تغيير في خطة الإقتصاد؟
في النهاية هذه الزيارة تفتح نافذة لم تكن موجودة من قبل. نافذة تطل على عالم متعدد الأقطاب يبحث عن شركاء لا عن تابعين. ومصر في هذا العالم تحتاج إلى أن تكون ذكية في إنتقاء ما يناسبها وأن تحول كل عرض صيني إلى فرصة لبناء قدرتها الخاصة. فالأزمات لا تحل بالزيارات وحدها لكنها قد تبدأ بلحظة كهذه لحظة يلتقي فيها إحتياج مع إرادة ويصبح من الممكن أن نكتب فصلاٌ جديداٌ لا يشبه ما سبقه.



