أخبار الشرق

في ذكرى ميلاده.. أنور وجدي الذي كان يسابق الزمن

في مثل هذا اليوم، 11 أكتوبر من عام 1904، وُلد أنور وجدي؛ ذلك الفنان الذي لم يكن مجرد وجه وسيم أضاء شاشة السينما المصرية، بل كان صاحب طموح لا يعرف حدودًا، شق طريقه من الأدوار الصغيرة والصامتة إلى البطولة والنجومية، قبل أن ينتقل إلى التأليف والإخراج والإنتاج، ليصبح واحدًا من أبرز صُنّاع السينما المصرية في عصرها الذهبي.

وُلد أنور وجدي في حي الظاهر بالقاهرة لأسرة من أصول سورية، كان والده يعمل في تجارة الأقمشة بمدينة حلب قبل أن ينتقل مع أسرته إلى مصر. التحق أنور بمدرسة «الفرير» الفرنسية، وأتقن خلالها اللغة الفرنسية، لكنه لم يُكمل دراسته؛ إذ كان شغفه بالفن أكبر من أن يبقى حبيس مقاعد الدراسة.

بدأت رحلته من خشبة مسرح رمسيس، وكان أول ظهور له متواضعًا إلى حد بعيد، حين أدى دور ضابط روماني صامت في مسرحية «يوليوس قيصر». لكنها كانت خطوة أولى على طريق طويل، سرعان ما كشف خلاله عن موهبة تتجاوز التمثيل وحده.

كتب مسرحيات من فصل واحد لفرقة بديعة مصابني، وعمل في الإذاعة مؤلفًا ومخرجًا، وقدم مواقف مسرحية خفيفة من إخراجه، كما كتب نصوصًا وقصصًا نُشر بعضها في مجلات تلك الفترة. ومع الوقت، انتقل إلى الأدوار الرئيسية، ولفت الأنظار بشخصية «عباس» في مسرحية «الدفاع» مع يوسف وهبي عام 1931، ثم انتقل في العام نفسه إلى فرقة عبد الرحمن رشدي، قبل أن يستقر به المطاف في الفرقة القومية، حيث أصبح من أبطالها واشتهر خصوصًا بدوره في مسرحية «البندقية».

لكن الشاشة الكبيرة كانت تنتظره.

اتجه أنور وجدي إلى السينما وترك المسرح نهائيًا، بعدما أسند إليه يوسف وهبي عددًا من الأدوار الثانوية، من بينها مشاركته في «أولاد الذوات» عام 1932 و«الدفاع» عام 1935، ثم جاء ترشيح المنتج والمخرج أحمد سالم له للمشاركة في فيلم «أجنحة الصحراء» عام 1938.

في تلك المرحلة، وجد صُنّاع السينما في ملامحه الهادئة ووسامته نموذجًا مناسبًا لشخصية «ابن الباشا» الثري والمستهتر، وأحيانًا الشرير، فقدم أكثر من عشرين فيلمًا من هذه النوعية خلال النصف الأول من الأربعينيات. ومن أبرز أعمال تلك الفترة «انتصار الشباب» مع المخرج أحمد بدرخان، و«ليلى بنت الريف» لتوجو مزراحي، و«شهداء الغرام» مع كمال سليم.

لكن أنور وجدي لم يكن مستعدًا للبقاء أسيرًا لصورة رسمها له الآخرون.

في عام 1944 قدم فيلم «كدب في كدب»، الذي مثّل انطلاقته الحقيقية نحو أدوار البطولة، ثم جاءت الخطوة التي كشفت عن حجم طموحه حين أسس عام 1945 «شركة الأفلام المتحدة» للإنتاج والتوزيع السينمائي.

اختار فيلم «ليلى بنت الفقراء» ليكون باكورة إنتاجه، وكتب سيناريو العمل ورشح لبطولته ليلى مراد، نجمة السينما المصرية الأولى آنذاك، فيما كان من المقرر أن يتولى كمال سليم الإخراج. لكن وفاة المخرج أثناء التحضير وضعت أنور وجدي أمام اختبار حاسم؛ فبدلًا من التراجع، قرر أن يكمل المغامرة بنفسه، ليتولى الإخراج إلى جانب الإنتاج والبطولة.

وعندما عُرض الفيلم، حقق نجاحًا هائلًا، ولم يعد أنور وجدي منذ تلك اللحظة مجرد نجم أمام الكاميرا، بل أصبح اسمًا حاضرًا خلفها أيضًا؛ ممثلًا ومؤلفًا ومخرجًا ومنتجًا يعرف كيف يصنع العمل الفني وكيف يصل به إلى الجمهور.

وكانت لديه كذلك عين قادرة على اكتشاف الموهبة. ففي مارس 1950 اكتشف الطفلة فيروز، ورأى فيها نجمة استثنائية قبل أن يعرفها الجمهور. أنتج لها ثلاثة أفلام أصبحت من علامات السينما المصرية: «ياسمين» عام 1950، و«فيروز هانم» عام 1951، ثم «دهب» عام 1953، لتصبح فيروز واحدة من أشهر الأطفال الذين عرفتهم الشاشة المصرية.

كانت رحلة أنور وجدي سريعة، مزدحمة بالأحلام والنجاحات، وكأن صاحبها كان يسابق الزمن. وفي 14 مايو 1955، رحل في السويد بعد معاناة مع مرض في الكلى، ولم يكن قد تجاوز الخمسين من عمره.

رحل الجسد مبكرًا، لكن بقيت الأفلام والصور والحكايات.

وبقي أنور وجدي شاهدًا على زمن كانت فيه السينما حلمًا كبيرًا، وعلى فنان لم يكتفِ بأن يكون نجمًا أمام الكاميرا، بل أراد أن يصنع السينما نفسها؛ فمثّل وكتب وأخرج وأنتج واكتشف المواهب، وترك خلال سنوات قليلة إرثًا فنيًا ما زال حاضرًا في ذاكرة الجمهور ووجدان عشاق الفن الجميل.

في ذكرى ميلاده، لا نستعيد فقط سيرة فنان من زمن الأبيض والأسود، بل نستعيد حكاية طموح استثنائي لرجل بدأ رحلته ضابطًا رومانيًا صامتًا على خشبة المسرح، وانتهى واحدًا من أهم صُنّاع السينما المصرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى