مقالات

هل نعيش التجربة أم نوثقها فقط؟

في أحد المطاعم قد تجد أشخاصًا ينتظرون وصول الطعام لا ليتناولوه بل لالتقاط الصورة المثالية له وفي حفل موسيقي قد ترتفع مئات الهواتف لتسجيل الأغنية بينما تنشغل العيون بالشاشات أكثر من انشغالها بالمشهد الحقيقي وعلى شاطئ البحر قد يقضي البعض وقتًا طويلًا في البحث عن الزاوية المناسبة للصورة بدلًا من تأمل الأمواج التي جاءوا من أجلها.

مشاهد تبدو عادية في حياتنا اليومية لكنها تفتح بابًا لسؤال يستحق التأمل: هل أصبحنا نعيش اللحظات كما نشعر بها أم كما نريد أن نتذكرها ونُظهرها للآخرين؟

لم تعد الكاميرا مجرد وسيلة لحفظ الذكريات؛ فقد أصبحت جزءًا من الطريقة التي نختبر بها الأحداث ونقدم بها أنفسنا للعالم وبين الرغبة الطبيعية في الاحتفاظ باللحظات والسعي إلى توثيقها ومشاركتها تظهر مساحة دقيقة قد يتغير فيها دور التجربة نفسها: من لحظة نعيشها إلى محتوى نُعدّه للعرض.

من ذاكرة نحتفظ بها إلى صورة نعرضها

قديمًا كانت الصور تُلتقط غالبًا في مناسبات محددة ثم تُحفظ في ألبومات نستعيدها بعد مرور الوقت أما اليوم فقد أصبحت الكاميرا حاضرة في معظم تفاصيل الحياة؛ من اللقاءات العائلية إلى الرحلات والطعام واللحظات الشخصية ولم يعد التوثيق مقتصرًا على الاحتفاظ بالذكرى بل ارتبط أيضًا بمشاركتها وتلقي ردود الفعل عليها.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن التصوير أفسد علاقتنا بالحياة لكنه يطرح سؤالًا حول الغرض الذي نلتقط الصور من أجله هل نريد الاحتفاظ بلحظة تعني لنا شيئًا أم نريد إنتاج صورة تبدو جديرة بالمشاركة؟ وهل يظل شعورنا بالتجربة كما هو عندما يصبح جزء من انتباهنا موجهًا إلى كيفية ظهورها أمام الآخرين؟

تناولت دراسة منشورة في Journal of Consumer Research عام 2018 هذه المسألة من خلال بحث تأثير نية مشاركة الصور على الاستمتاع بالتجارب ووجد الباحثون أن التصوير بقصد مشاركة الصور مع الآخرين قد يقلل الاستمتاع مقارنة بالتصوير للاحتفاظ بالذكريات الشخصية، ويرتبط ذلك بزيادة الانشغال بكيفية تقديم الذات أمام الجمهور. لا تعني النتيجة أن كل صورة تنشرها تقلل سعادتنا، لكنها تشير إلى أن الهدف من التوثيق قد يكون مهمًا بقدر أهمية التوثيق نفسه.

هل ننتبه إلى اللحظة أم إلى ما نريد التقاطه منها؟

هناك فرق بين أن ننظر إلى مكان بهدف اكتشاف جماله، وأن ننظر إليه بحثًا عن الجزء الذي سيبدو أجمل داخل إطار الصورة. في الحالة الأولى، قد نلاحظ تفاصيل كثيرة لا تخطر ببالنا مسبقًا؛ صوت المكان، وتغير الضوء، وحركة الناس، والمشاعر التي يثيرها المشهد. أما في الحالة الثانية، فقد يصبح انتباهنا أكثر ارتباطًا بالعناصر التي نريد توثيقها.

لكن العلاقة بين التصوير والانتباه ليست سلبية دائمًا. فقد نشرت مجلة Journal of Personality and Social Psychology دراسة عام 2016 أظهرت، عبر تجارب ميدانية ومخبرية، أن التقاط الصور يمكن أن يزيد الاستمتاع بالتجارب الإيجابية عندما يساعد على زيادة الانخراط فيها وتوجيه الانتباه إلى تفاصيلها. وفي المقابل، قد تتراجع هذه الفائدة إذا أصبح التصوير متداخلًا مع التجربة أو معطلًا لها.

تكمن الفكرة إذن في أن الكاميرا ليست بالضرورة خصمًا للحظة؛ فقد تكون وسيلة لاكتشافها، وقد تصبح حاجزًا بيننا وبينها. والفرق بين الحالتين لا تحدده التقنية وحدها، بل الطريقة التي نستخدمها بها.

حين تتذكر الكاميرا ما لا نتذكره نحن

من المفترض أن يساعدنا التوثيق على الاحتفاظ بالتفاصيل التي قد تنساها الذاكرة. لكن المفارقة أن استخدام الوسائط أثناء التجارب قد يؤثر أحيانًا في مقدار ما نتذكره منها.

في دراسة منشورة عام 2018 في Journal of Experimental Social Psychology، وجد الباحثون أن المشاركين الذين استخدموا الوسائط لتسجيل التجارب أو مشاركتها تذكروا بعض تفاصيلها بدقة أقل من المشاركين الذين خاضوا التجارب دون استخدامها، وذلك في التجارب التي شملها البحث. ولا تثبت هذه النتيجة أن التصوير يضعف الذاكرة في كل الظروف، لكنها تثير احتمالًا مهمًا: قد لا يكون تسجيل الحدث كافيًا لضمان الانتباه إليه أو تذكره جيدًا.

وهنا يظهر الفرق بين امتلاك صورة عن لحظة ما، والاحتفاظ بتجربة غنية بتفاصيلها. قد نستطيع العودة إلى الصورة بعد سنوات، لكن الصورة وحدها لا تحفظ بالضرورة كل ما سمعناه أو شعرنا به أو لاحظناه أثناء وجودنا في ذلك المكان.

من الاستمتاع بالتجربة إلى التفكير في الجمهور

تضيف وسائل التواصل الاجتماعي بُعدًا آخر إلى المسألة؛ فالتجربة لم تعد موجهة إلينا وحدنا، بل قد نعيشها ونحن نفكر في كيفية عرضها. نختار الصورة، ونراجع الإضاءة، ونقارن بين اللقطات، ثم نتساءل عن التعليق المناسب وتوقيت النشر. وفي بعض الأحيان، تصبح ردود الفعل المتوقعة جزءًا من التجربة قبل أن تنتهي.

المشكلة ليست في الرغبة في مشاركة لحظة جميلة، فالمشاركة قد تمنحنا التواصل مع الآخرين وتساعدنا على استعادة الذكريات معهم. لكن عندما يصبح التقييم الخارجي معيارًا أساسيًا لنجاح التجربة، قد يتغير السؤال الذي نطرحه على أنفسنا: بدلًا من «هل استمتعت؟» نسأل «هل تبدو هذه اللحظة مميزة بما يكفي؟».

وقد ناقشت مراجعة علمية نُشرت عام 2022 في مجلة Current Opinion in Psychology كيف يمكن للتصوير الواعي أن يعزز الانتباه والاستمتاع، في حين قد تقل هذه الفوائد عندما يتحول التركيز إلى تقييم الآخرين للصور أو إلى إنتاج سجل بصري مستمر للتجربة.

هل أصبحنا نحول حياتنا إلى محتوى؟

في الثقافة الرقمية، أصبح من السهل أن تتحول التجارب إلى منشورات، والرحلات إلى مجموعات صور، والإنجازات إلى تحديثات مستمرة. ومع تكرار هذا السلوك، قد يبدأ الإنسان في النظر إلى بعض أحداث حياته من زاوية قابليتها للتوثيق والمشاركة.

لكن من المهم ألا نختزل هذه الظاهرة في اتهام الناس بالسطحية أو التظاهر؛ فالدوافع الإنسانية أكثر تعقيدًا من ذلك. قد يصور شخص لحظة لأنه يخشى نسيانها، وقد يشارك آخر فرحته مع أصدقائه، وقد يستخدم شخص ثالث التصوير وسيلة للتعبير الفني. وقد تجتمع هذه الدوافع كلها في الشخص نفسه.

السؤال الأهم ليس لماذا نلتقط الصور، بل ما إذا كان التوثيق يظل وسيلة لخدمة التجربة أم يتحول إلى غاية تنافسها. فليس كل ما يستحق التذكر يحتاج إلى النشر، وليس كل ما لا يظهر على الشاشة يفتقر إلى القيمة.

ربما نحتاج إلى إعادة النظر في الاعتقاد الضمني بأن اللحظة تصبح أكثر أهمية عندما يراها الآخرون. بعض التجارب تكتسب معناها من خصوصيتها، وبعض الذكريات تظل عزيزة لأننا عشناها بعيدًا عن الحاجة إلى شرحها أو إثباتها لأحد.

نحو علاقة أكثر وعيًا بالتوثيق

لا يكمن الحل في التخلي عن الهواتف أو الامتناع عن التصوير، فالتكنولوجيا أتاحت لنا الاحتفاظ بذكريات يصعب تعويضها، ومشاركة اللحظات مع أشخاص تفصلنا عنهم المسافات. لكن يمكننا استعادة التوازن من خلال أسئلة بسيطة: هل ألتقط هذه الصورة لأنني أريد الاحتفاظ باللحظة، أم لأنني أشعر أن عليّ عرضها؟ هل أستطيع أن أستمتع بالمشهد قبل تصويره؟ وهل يمنعني التوثيق من الانتباه إلى الأشخاص الموجودين معي؟

قد يكون من المفيد أحيانًا أن نلتقط صورة واحدة بدلًا من عشرات الصور، أو أن نضع الهاتف جانبًا خلال جزء من الرحلة، أو أن نترك بعض اللحظات تمر دون تسجيل. ليست هذه قواعد صارمة، بل طرق صغيرة لاختبار قدرتنا على الحضور الكامل في تجاربنا.

والأهم أن نتذكر أن الصورة لا ينبغي أن تكون بديلًا عن الحياة التي توثقها. يمكننا أن نصور البحر، لكننا نحتاج أيضًا إلى أن ننظر إليه. ويمكننا أن نسجل لحظة لقاء، لكننا نحتاج إلى أن نصغي إلى من يجلس أمامنا. ويمكننا أن نحتفظ بالذكريات، من دون أن نجعل كل لحظة مطالبة بأن تتحول إلى ذكرى قابلة للعرض.

خاتمة: ما الذي يبقى عندما تنطفئ الشاشة؟

في النهاية، ليست المشكلة في أن نوثق حياتنا، بل في أن ننشغل بتوثيقها إلى الحد الذي يجعلنا نغيب عنها. فالتجربة الإنسانية لا تتكون من الصور التي نحتفظ بها وحدها، وإنما من التفاصيل والمشاعر والانتباه والعلاقات التي نعيشها أثناء حدوثها.

قد تبقى الصورة واضحة بعد سنوات، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في جمالها فقط، بل في قدرتها على إعادة وصلنا بلحظة كانت ذات معنى بالنسبة إلينا.

لهذا، ربما لا يكون السؤال الذي نحتاج إلى الإجابة عنه هو: كم صورة التقطنا اليوم؟ بل: كم لحظة شعرنا أننا كنا حاضرين فيها بالفعل؟

فالحياة ليست معرضًا نحتاج إلى إثبات أننا زرناه، ولا قصة نحتاج إلى عرض كل صفحاتها. إنها تجربة تستحق أن نكون جزءًا منها، لا مجرد مصورين يقفون على هامشها .

المراجع

 1- Alexandria Bartsch. “How Taking Photos Increases Enjoyment of Experiences.” Journal of Personality and Social Psychology 111, no. 2 (2016):P. 119–140.

 2- and Kristin Diehl. “How the Intention to Share Can Undermine Enjoyment: Photo-Taking Goals and Evaluation of Experiences.” Journal of Consumer Research 44, no. 6 (2018): P. 1220–1237.

3- Tamir, Diana I., Emma M. Templeton, Adrian F. Ward, and Jamil Zika. “Media Usage Diminishes Memory for Experiences.” Journal of Experimental Social Psychology,  (2018): P. 161–168

 4- “Capturing Life or Missing It: How Mindful Photo-Taking Can Affect Experiences.” Current Opinion in Psychology 46 (2022):

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى