Uncategorized

سعيد الجياشي… حين تتحول الاستراتيجية من قراءةٍ للدولة إلى مشروعٍ لبنائها


ليست الشخصيات الوطنية المؤثرة هي تلك التي تحضر في المشهد العام فحسب، بل تلك التي تترك أثرها في طريقة التفكير، وتُسهم في إعادة صياغة الأسئلة التي تواجه الدولة، وتبحث عن إجابات تتجاوز الحلول الآنية إلى بناء القدرة على الاستمرار.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تجربة الأستاذ سعيد الجياشي، مستشار الشؤون الاستراتيجية، بوصفها تجربة عراقية تتقاطع فيها الرؤية الأمنية مع البناء المؤسسي، ويتداخل فيها التفكير الاستراتيجي مع المعرفة، وتلتقي فيها قضايا الدولة بمسؤوليات المجتمع.

إن أهمية الجياشي لا تُقرأ من عنوانه الوظيفي وحده، وإنما من طبيعة الملفات التي اشتغل عليها، ومن المساحات التي سعى إلى وصل بعضها ببعض؛ فالأمن في رؤيته المنشورة ليس مجرد قدرة على مواجهة التهديد، بل منظومة متكاملة تتطلب مؤسسات راسخة، وكفاءات مؤهلة، ووعيًا مجتمعيًا، وتشريعًا يواكب التحولات، ودولة تعرف كيف تحوّل خبرتها في مواجهة الأزمات إلى قدرة على منع تكرارها.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص التفكير الاستراتيجي: ألا يكتفي بتفسير ما حدث، بل أن يستخلص منه ما ينبغي أن يتغير.

في التجربة العراقية الحديثة، لم تكن التحديات الأمنية منفصلة عن تعقيدات السياسة والاقتصاد والمجتمع. فقد أظهرت سنوات المواجهة مع الإرهاب أن امتلاك القوة المادية، على أهميته، لا يكفي وحده لحماية الدولة، وأن الاختلالات المؤسسية، وضعف الثقة، والثغرات التشريعية، والحرب على الوعي، قد تتحول جميعها إلى مداخل تهدد استقرار المجتمع.

وفي هذا السياق، تبرز كتابات سعيد الجياشي ومواقفه المعلنة في مستشارية الأمن القومي بوصفها اهتمامًا بالانتقال من منطق الاستجابة الاستثنائية إلى منطق البناء المؤسسي المستدام. ففي سلسلة «خواطر استراتيجية»، تناول قضايا تتصل ببناء المؤسسات، وتنظيم المسؤوليات الدستورية، وتطوير المنظومة الأمنية، وتعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وهي موضوعات تتجاوز معالجة أزمة بعينها لتطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف تستطيع الدولة أن تحوّل الخبرة المتراكمة من سنوات الاضطراب إلى قواعد عمل مستقرة، ومؤسسات واضحة الاختصاص، وقدرات تستبق التهديد بدلًا من أن تظل أسيرة ردود الفعل؟

إن هذا الانتقال من إدارة الحدث إلى هندسة البيئة التي تمنع تكراره هو أحد الاختبارات الحقيقية للعقل الاستراتيجي.

من أبرز المحطات المهنية المنشورة في تجربة الجياشي اهتمامه ببناء القدرات العلمية والمهنية لموظفي الدولة، من خلال عمل مركز التميز في مستشارية الأمن القومي على برامج الدراسات العليا والتدريب بالتعاون مع الجامعات العراقية.

وقد أشار، في تصريح منشور للمركز الخبري لجامعة بغداد، إلى الإشراف على 26 برنامجًا للدراسات العليا موزعة على 21 كلية في 11 جامعة عراقية، مع استحداث 14 تخصصًا جديدًا وتخصيص 355 مقعدًا للدراسات العليا. وتعكس هذه الأرقام، في حدود ما وثقته الجامعة، حجم الجهد المؤسسي الذي ارتبط بتطوير المسارات الأكاديمية والتخصصات ذات الصلة باحتياجات الدولة.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها من الفكرة التي تقف خلفها: أن الدولة لا تستطيع تطوير أدائها من دون تطوير العقول التي تدير مؤسساتها، وأن الاستثمار في الكفاءات ليس ترفًا تعليميًا، بل ضرورة استراتيجية تزداد أهميتها كلما تعقدت التحديات.

فالموظف الذي يمتلك معرفة تخصصية وأدوات تحليل حديثة، والمؤسسة التي تستند إلى البحث العلمي، وصانع القرار الذي يستطيع قراءة الوقائع بعيدًا عن الانطباعات، جميعهم يشكلون حلقات في سلسلة واحدة، هي سلسلة بناء الدولة القادرة.

ومن هنا، فإن الربط بين الأمن والتعليم والتنمية يمثل جانبًا مهمًا من العمل الذي ارتبط بمسؤوليات الجياشي في هذا المجال.

وفي بلد مثل العراق، لا يمكن النظر إلى التنوع الديني والثقافي والإثني بوصفه تفصيلًا اجتماعيًا أو ملفًا ثانويًا في أجندة الدولة. إنه جزء أصيل من تكوين المجتمع، وعنصر مؤثر في الاستقرار الوطني، وتحدٍّ تتوقف نتائجه على قدرة المؤسسات على إدارته ضمن إطار المواطنة والقانون والحقوق المتساوية.

ومن الإنجازات المؤسسية التي تحدث عنها الجياشي العمل على إعداد أول استراتيجية وطنية لإدارة التنوع في العراق، بمشاركة 25 مؤسسة حكومية و30 شخصية، وبهيكل يتألف من ستة فصول. وقد وصلت الاستراتيجية، بحسب التصريح المنشور، إلى مرحلة التدقيق القانوني واللغوي، تمهيدًا لاستكمال إجراءات اعتمادها الرسمية.

وتكمن أهمية هذه المبادرة في أنها تنقل قضية التنوع من مستوى الخطاب العام إلى مستوى التفكير المنهجي وصياغة السياسات. فالتنوع لا يحمي نفسه تلقائيًا، ولا يتحول إلى قوة وطنية بمجرد الاعتراف بوجوده؛ بل يحتاج إلى مؤسسات عادلة، وتشريعات منصفة، وثقافة مواطنة، وآليات لمعالجة النزاعات قبل أن تتحول إلى انقسامات يصعب احتواؤها.

إن الدولة التي تنجح في إدارة اختلافاتها لا تتخلى عن وحدتها، بل تمنح هذه الوحدة أساسًا أكثر رسوخًا. فالوحدة الوطنية ليست إلغاءً للفوارق، وإنما بناء إطار مشترك يجعل الاختلاف قابلًا للتعايش، ويجعل المواطنة مرجعية أعلى من الانتماءات الفرعية المتنازعة.

وهذا هو البعد الاستراتيجي الأعمق لمثل هذه المشاريع: تحويل التنوع من احتمال للصراع إلى فرصة لتعزيز التماسك الوطني.

في عالم تتسارع فيه الحروب المعلوماتية، وتتحول فيه الشائعة إلى أداة ضغط، والمنصة الرقمية إلى ساحة صراع، لم يعد ممكنًا اختزال الأمن القومي في الحدود والمواقع العسكرية. فالمجتمعات قد تتعرض للاختراق من خلال إدراكها قبل أن تتعرض للاختراق في جغرافيتها، وقد تُستهدف ثقتها بالمؤسسات قبل أن تُستهدف مؤسساتها ذاتها.

وفي هذا الإطار، برزت مواقف الجياشي المنشورة بشأن العلاقة بين الإعلام والأمن الوطني، ولا سيما دعوته إلى معالجة الثغرات القانونية في مكافحة الجرائم الإلكترونية، وإلى تعزيز مسؤولية المؤسسات في إيصال المعلومات الصحيحة إلى الرأي العام.

وتكتسب هذه المواقف أهميتها من إدراك أن المعلومة ليست مجرد مادة إعلامية؛ إنها عنصر من عناصر الاستقرار العام. فحين تتأخر المعلومة الموثوقة، تتقدم الروايات غير الدقيقة، وحين تتراجع ثقة المجتمع بمؤسساته، تصبح البيئة أكثر قابلية للاستقطاب والتضليل.

لكن المعالجة الاستراتيجية لهذا التحدي لا تقتصر على ضبط الفضاء الرقمي، بل تشمل أيضًا بناء الثقافة الإعلامية، ورفع مستوى الوعي النقدي، وتطوير التشريعات مع ضمان الحقوق والحريات، وتحسين شفافية المؤسسات في إدارة الأزمات.

إن الأمن المعاصر لا يحتاج إلى قوة تحمي المجال المادي للدولة فحسب، بل إلى مؤسسات تحمي المجال المعرفي للمجتمع، وتمنحه القدرة على التمييز بين الخبر والتضليل، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات التحريض.

وهذا ما يجعل الربط بين الوعي والأمن أحد الملفات المهمة في قراءة مواقف الجياشي الاستراتيجية.

ولا تتحقق قيمة المستشار الاستراتيجي بقدرته على تقديم التشخيص وحده، بل بقدرته على تحويل التشخيص إلى مسارات عمل، وربط المعرفة بالقرار، وفتح قنوات التعاون بين المؤسسات التي قد تعمل، رغم اشتراكها في الهدف الوطني، ضمن مسارات متباعدة.

ومن خلال مسؤوليته في مركز التميز، ظهرت شواهد منشورة على اهتمام الجياشي بتوسيع التعاون مع المؤسسات الأكاديمية، وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية، والاستفادة من الخبرات الجامعية في إعداد كوادر الدولة.

فقد تناولت لقاءات مع مؤسسات جامعية، من بينها الجامعة الأمريكية في بغداد، فرص التعاون في البرامج المتخصصة لتأهيل موظفي الدولة، كما شهدت جامعة بابل، في شباط 2026، لقاءً بحث مجالات التعاون في توجيه البحوث العلمية لمعالجة التحديات التي تواجه المجتمع والدولة، وكذلك الجامعة العراقية وجامعة واسط.

هذه الشواهد تكشف عن مسار عمل يقوم على وصل المؤسسات الحكومية بالجامعات، وربط التخصصات العلمية بالاحتياجات الوطنية، والبحث عن صيغ تجعل المعرفة أكثر حضورًا في صناعة القرار.

وهنا تظهر أهمية ما يمكن تسميته «البنية المعرفية للدولة»: شبكة من الخبراء والباحثين والجامعات والمؤسسات، تتبادل المعرفة وتنتج الحلول بدلًا من أن تبقى الخبرة حبيسة الأفراد أو التقارير غير المستثمرة.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تمتلك مؤسسات كثيرة فحسب، بل التي تعرف كيف تجعل مؤسساتها تعمل معًا، وكيف تحوّل تعدد الاختصاصات إلى تكامل في الأداء.

إذا كانت بعض الإنجازات تُقاس بما تنتجه من أفكار، فإن هناك ملفات لا تُختبر فيها قيمة العقل الاستراتيجي بقدرته على التحليل وحده، بل بقدرته على إدارة المخاطر وتنسيق المؤسسات، والموازنة بين مقتضيات الأمن واعتبارات العدالة والكرامة الإنسانية. ويأتي ملف مخيم الهول في شمال شرقي سوريا في مقدمة هذه الملفات التي واجهت العراق بتعقيداتها الأمنية والاجتماعية والإنسانية.

لقد مثّل المخيم، بما ضمّه من عائلات عراقية وأجنبية وأطفال عاشوا سنوات في بيئة شديدة الهشاشة، تحديًا يتجاوز حدود الجغرافيا السورية؛ إذ ارتبط بمخاطر التطرف، ومستقبل الأجيال الناشئة، وإمكانات إعادة إنتاج العنف، فضلًا عن مسؤولية الدولة العراقية تجاه مواطنيها.

ولم تكن المعالجة الممكنة لهذا الملف تُختزل في نقل الأشخاص من مكان إلى آخر، بل كانت تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالتحقق من الهوية، وتمر بالتدقيق الأمني والقانوني، وتصل إلى التأهيل النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج في المجتمعات الأصلية.

وفي هذا السياق، برز دور الأستاذ سعيد الجياشي، مستشار الشؤون الاستراتيجية، ضمن الجهد الحكومي العراقي الذي تولّى متابعة هذا الملف وتنسيق مساراته الأمنية والإنسانية والمؤسسية.

وقد عكست تصريحاته المنشورة ومشاركته في الاجتماعات والفعاليات ذات الصلة اهتمامًا واضحًا بتحويل التعامل مع المخيم من استجابة محدودة إلى مسار وطني منظم، يقوم على استعادة العراقيين، والتحقق من أوضاعهم، وتهيئة شروط عودتهم الآمنة إلى المجتمع.

ومنذ عام 2021، اتجه العراق إلى استعادة مواطنيه من المخيم ضمن إجراءات منظمة، بالتوازي مع العمل على تهيئة المجتمعات المستقبلة، وتعزيز المصالحة المجتمعية وإعادة الاندماج، بالتعاون مع الجهات الوطنية والشركاء الدوليين، ومن بينهم الأمم المتحدة. وقد وثّق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مشاركة الجياشي في الحوارات المتعلقة بتهيئة المجتمعات للعودة، وزيارات مراكز التأهيل، وإعادة الأسر إلى مناطقها الأصلية.

ولم يتوقف هذا الدور عند حدود متابعة عمليات النقل، فقد أكد الجياشي، في تصريحات منشورة عام 2022، ضرورة التمييز بين العائلات العراقية الموجودة في المخيم، وعدم التعامل معها جميعًا بوصفها عائلات منتمية إلى تنظيم داعش الإرهابي.

ويكشف هذا الموقف عن أهمية التمييز بين المسؤولية الجنائية الفردية والظروف الاجتماعية والإنسانية التي أحاطت ببعض الأسر، وهو تمييز لا يلغي متطلبات الأمن، بل يجعل تطبيق القانون أكثر دقة وعدالة.

كما اتخذت جهود إعادة الإدماج بُعدًا مؤسسيًا أوسع. ففي آب 2024، تحدث الجياشي عن افتتاح 13 وحدة إدارية في أربع محافظات لاستقبال العائدين، ضمن مشروع للمصالحة المجتمعية وإعادة الإدماج، وبمساندة أممية ودولية.

وبرز في هذا المسار دور مركز التأهيل النفسي والمجتمعي في الجدعة، إلى جانب المؤسسات الأمنية والقضائية والخدمية، بما يعكس أن نجاح العودة لا يتحقق بمجرد عبور الحدود، بل باستعادة القدرة على الحياة الطبيعية، ومعالجة آثار النزوح، وبناء الثقة مع المجتمع.

وعلى المستوى الدولي، شارك الجياشي في عرض الموقف العراقي بشأن ضرورة معالجة ملف المخيم وتقاسم المسؤولية الدولية عن رعايا الدول الأخرى.

ثم جاءت المرحلة الحاسمة التي أعلن عنها العراق في شباط 2026؛ إذ أفاد الجياشي بأن أكثر من 5600 عائلة، تضم نحو 22 ألف شخص، نُقلت عبر 32 دفعة ضمن إجراءات أمنية وقانونية وإنسانية أشرفت عليها مستشارية الأمن القومي بالتنسيق مع جهات أخرى، مع الإعلان عن تفكيك المخيم واستكمال نقل الدفعة المتبقية لاحقًا.

وتكشف هذه المحطات عن حجم التعقيد الذي انطوى عليه الملف، وعن طبيعة العمل المطلوب لإدارته: تنسيق أمني، وتدقيق قانوني، وتعاون دولي، وبرامج تأهيل، ومتابعة اجتماعية، واستعداد للمجتمعات المحلية لاستقبال العائدين. وهي مسؤوليات لا يمكن أن تنهض بها جهة واحدة بمعزل عن بقية مؤسسات الدولة.

إن القيمة الاستراتيجية لهذا المسار تكمن في إدراك أن الخطر لا ينتهي دائمًا بانتهاء وجوده في مكان محدد؛ فقد ينتقل من مخيم مغلق إلى تحديات اجتماعية وأمنية موزعة داخل المجتمع، ما لم تُستكمل إجراءات التأهيل والاندماج والمراقبة القانونية الرشيدة.

ولذلك، فإن إغلاق المخيم، على أهميته، لا يمثل وحده نهاية المهمة، بل بداية مرحلة تتطلب الاستمرار في تقييم النتائج، وحماية الأطفال، ومواجهة التطرف، ومنع الوصم الاجتماعي، وترسيخ سيادة القانون.

ومن هنا، فإن ملف الهول يقدم نموذجًا واضحًا لطبيعة التفكير الاستراتيجي الذي يحتاجه العراق: تفكير لا يفصل الأمن عن الإنسان، ولا يضع العدالة في مواجهة الاستقرار، ولا يكتفي بحل المشكلة في موقعها الجغرافي، بل يبحث عن شروط عدم عودتها في المجتمع.

فالأمن الحقيقي ليس أن تستعيد الدولة مواطنيها من بؤرة الخطر فحسب، بل أن تمتلك القدرة على منع الخطر من إعادة إنتاج نفسه داخل المجتمع.

وفي هذا المعنى، يمثل إسهام سعيد الجياشي في متابعة هذا الملف، ضمن الجهد المؤسسي العراقي، محطة تستحق التوثيق والتحليل؛ لأنها تضع الخبرة الاستراتيجية أمام اختبار عملي تتداخل فيه حماية الدولة مع مسؤوليتها القانونية والإنسانية، وتتحول فيه كفاءة القرار إلى مسؤولية عن المستقبل.

ولم ينتهِ المشوار من مركز الأمل إلى جهوده في مركز التميز، وصولًا إلى تأسيس مركز دار السلام للنصح والإصلاح، وهو مركز نوعي في الرؤية والرسالة والأهداف من أجل السلام المستدام.

من الإنصاف، عند تناول الشخصيات العامة، أن نفرّق بين حجم المسؤولية، وحجم الجهد، والنتائج التي يمكن إثباتها. فالإنجاز الاستراتيجي لا يُقاس بجاذبية العناوين وحدها، بل بقدرته على إحداث تغيير قابل للاستمرار والقياس.

وعند قراءة تجربة الجياشي، تبرز ملفات تستحق التوقف عندها: تطوير البرامج الأكاديمية والتدريبية، والمساهمة في إعداد السياسات الوطنية لإدارة التنوع، والاهتمام بالتشريعات المرتبطة بالأمن الرقمي، والدعوة إلى بناء المؤسسات الأمنية على أسس دستورية ومهنية مستدامة.

ولا تكمن قيمة هذه الملفات في تباعد موضوعاتها، بل في الخيط الذي يجمعها: بناء دولة أكثر قدرة على فهم مجتمعها، وإدارة اختلافاته، وتأهيل كوادره، والاستجابة للتحديات المتغيرة.

ومع ذلك، فإن التقييم الموضوعي لأي تجربة استراتيجية يظل بحاجة إلى متابعة ما ينتج عن المبادرات من تنفيذ، وما تحققه البرامج من أثر، وما تتركه السياسات من تغيير ملموس في أداء المؤسسات وحياة المواطنين. فالاستراتيجية الجيدة تبدأ بالفكرة الصحيحة، لكنها لا تكتمل إلا بالتنفيذ والمراجعة والمساءلة.

وهذا المعيار لا ينتقص من قيمة التجربة، بل يمنحها الإطار الذي تستحقه: إطارًا يضع الإنجاز في سياقه الوطني، ويجعل أثره الفعلي هو الحكم النهائي عليه.

إن الحديث عن الأستاذ سعيد الجياشي هو، في أحد أبعاده، حديث عن حاجة العراق إلى نمط من التفكير لا يفصل الأمن عن التنمية، ولا التعليم عن الاستقرار، ولا المجتمع عن الدولة، ولا القرار عن المعرفة.

فالعراق لا يحتاج إلى من يقرأ أزماته الراهنة فحسب، بل إلى من يساعد على بناء القدرة المؤسسية التي تمنع الأزمات من التحول إلى نمط دائم من إدارة الحياة العامة. ولا يحتاج إلى حلول تنتهي بانتهاء الظروف التي استدعتها، بل إلى سياسات تنشئ قواعد للاستقرار، وتؤسس لعمل مستدام، وتستثمر في الإنسان بوصفه رأس المال الأهم في مشروع الدولة.

وفي هذا السياق، تتحدد مكانة الخبير الاستراتيجي بقدرته على تجاوز الرؤية الجزئية إلى الرؤية الكلية؛ أن يرى الصلة بين التعليم والأمن، وبين التشريع والاستقرار، وبين الوعي والمناعة الوطنية، وأن يدرك أن قوة الدولة لا تنشأ من عنصر منفرد، بل من حسن تنظيم عناصر قوتها وتكاملها.

إن القيمة الأعمق في أي تجربة وطنية ليست أن يُذكر صاحبها كثيرًا، بل أن تتحول الأفكار التي أسهم فيها إلى مؤسسات أفضل، وسياسات أكثر كفاءة، ومجتمع أكثر تماسكًا، ودولة أكثر قدرة على حماية مستقبلها.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام كل تجربة استراتيجية عراقية: كم فكرة استطاعت أن تتحول إلى مؤسسة؟ وكم معرفة استطاعت أن تصبح قرارًا؟ وكم قرارًا استطاع أن يترك أثرًا مستدامًا في حياة الناس؟

فالدول لا تُبنى بالنيات وحدها، ولا بالشعارات التي تستهلكها اللحظة؛ إنها تُبنى بالعقول التي تحسن قراءة الواقع، وبالإرادات التي تملك شجاعة الإصلاح، وبالمؤسسات التي تجعل الإنجاز أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب.

ومن هذه الزاوية، تستحق تجربة الأستاذ سعيد الجياشي أن تُقرأ بوصفها جزءًا من النقاش العراقي الأوسع حول بناء الدولة الحديثة، وتطوير أدواتها الاستراتيجية، واستثمار المعرفة في حماية المجتمع وصناعة المستقبل.

فالعقل الاستراتيجي لا يكتفي بأن يسأل: كيف نواجه ما يحدث اليوم؟ بل يذهب إلى السؤال الأصعب: كيف نبني دولة لا يفاجئها الغد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى