Uncategorized

كيف تتسارع العلاقة بين إسرائيل وأرض الصومال؟

بينما يتصاعد الخطاب العربي والإقليمي الرافض للاعتراف الإسرائيلي بإقليم “أرض الصومال”، والمندد باعتزامه فتح سفارة في القدس المحتلة، جاءت زيارة رئيس الإقليم عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف بـ”عرو”، إلى الأراضي المحتلة لتدفع العلاقات بين الجانبين إلى مستوى أكثر تقدمًا من التقارب والتنسيق.

وتأتي هذه الزيارة، التي وُصفت بـ”التاريخية”، في أعقاب تحذيرات صومالية من محاولات تهديد الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي، والدعوة إلى التصدي لأي تحركات من شأنها إثارة البلبلة وفرض تحديات جديدة على تماسك الإقليم وأمنه، كما تتزامن مع مزاج إقليمي متوجس من محاولات إسرائيلية ممنهجة للعبث بتوازنات هذه المنطقة الحساسة، ذات الارتباط المباشر بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.

وقد حظي عرو باستقبال إسرائيلي لافت، إذ التقى رئيس الكيان إسحق هرتسوغ في القدس المحتلة، ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إلى جانب وزيري الخارجية والدفاع، كما شارك في عدد من المراسم الاحتفالية اليهودية برفقة مسؤولين إسرائيليين، في مشاهد حملت رسائل سياسية ورمزية تتجاوز ما جرى الإعلان عنه رسميًا.

ويعكس حجم الوفد المرافق لرئيس الإقليم، وتنوعه بين شخصيات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية، أن الزيارة لا تقف عند حدود المجاملة البروتوكولية أو الاعتراف الرمزي، بل تبدو أقرب إلى تدشين مسار متقدم لعلاقات طويلة الأمد، تقوم على تقاطع المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية بين الجانبين، ومن هنا، تطرح الزيارة جملة من التساؤلات حول دلالاتها في هذا التوقيت الإقليمي الحساس: ماذا تريد إسرائيل من أرض الصومال؟ وماذا تسعى هرجيسا إلى انتزاعه من تل أبيب؟

تتويج لمسار مهرول من التقارب

تُعد زيارة عرو إلى الأراضي المحتلة تتويجًا لمسار متسارع من الاندفاع نحو التقارب بين الجانبين خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ تمثل هذه الخطوة المحطة الرابعة في مسار العلاقات المتنامية بين تل أبيب وهرجيسا، والذي بدأ باعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، ثم تبادل تسمية السفراء في أبريل/نيسان، وصولًا إلى الإعلان الرسمي، في مايو/أيار، عن قرب افتتاح السفارات بين الطرفين.

وكانت تل أبيب قد عينت مايكل لوتم أول سفير لها لدى “أرض الصومال” في أبريل/نيسان الماضي، وذلك ردًا على تعيين الإقليم الانفصالي محمد حاجي سفيرًا له لدى الكيان المحتل في فبراير/شباط من العام نفسه، بالتوازي مع ترتيبات متبادلة لافتتاح السفارتين في كل من تل أبيب وهرجيسا.

غير أن مسار تعميق التعاون والشراكة لم يتوقف عند البعد السياسي والدبلوماسي فحسب، بل امتد إلى المجالين العسكري والأمني، بعدما أنهى نحو 50 ضابطًا من القوات الخاصة التابعة لأرض الصومال تدريباتهم داخل جيش الاحتلال، قبل عودتهم إلى الإقليم لمباشرة مهامهم هناك، ما يعكس أن التقارب بين الطرفين لم يعد مجرد خطوات رمزية مرتبطة بالاعتراف وتبادل التمثيل، بل بات يتخذ طابعًا عمليًا متسارعًا، يفتح الباب أمام شراكة أوسع ذات أبعاد أمنية واستراتيجية في منطقة شديدة الحساسية.

ماذا تعني الزيارة في هذا التوقيت؟

بدايةً، لا يمكن فصل زيارة رئيس الإقليم الانفصالي إلى إسرائيل عن السياق الإقليمي الملتهب الذي فرضته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما ترتب عليها من تحولات جوهرية في الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، فضلًا عن تداعياتها المباشرة على الممرات اللوجستية الحيوية الممتدة من البحر الأحمر إلى خليج عدن، مرورًا بمضيقي هرمز وباب المندب.

فالزيارة تأتي في لحظة يُعاد فيها تشكيل توازنات الشرق الأوسط ومحيطه الاستراتيجي، وسط بيئة إقليمية شديدة الحساسية تحاول فيها تل أبيب إعادة ترتيب أوراقها، ومراجعة تموضعها، وتوسيع أدوات نفوذها، لا سيما على امتداد الممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية، ومن هذا المنظور، يبدو التقارب مع إقليم “أرض الصومال” أحد ارتدادات هذا المشهد المعقد، ومحاولة إسرائيلية للبحث عن نقاط ارتكاز جديدة على الضفة الإفريقية المقابلة لباب المندب وخليج عدن.

ووفق هذه الرؤية، تنقل الزيارة العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال من مستوى الاعتراف الرمزي والتقارب الدبلوماسي إلى مستوى التطبيع المؤسسي الفعلي، فبعد الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى هرجيسا، ثم تسمية السفراء، فالتفاهمات المتعلقة بافتتاح السفارات، وصولًا إلى تتويج هذا المسار بزيارة عرو إلى إسرائيل.

وتحمل هذه الخطوات المتتابعة رسالة واضحة مفادها أن الطرفين لا يتعاملان مع العلاقة باعتبارها تحركًا عابرًا أو استجابة ظرفية لتطورات طارئة، بل يسعيان إلى تحويلها إلى شراكة معلنة وطويلة الأمد، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى بناء مسار سياسي وأمني واقتصادي أكثر رسوخًا، في منطقة باتت إحدى ساحات التنافس الإقليمي والدولي الأكثر حساسية.

ماذا تريد إسرائيل من أرض الصومال؟

تضع تل أبيب في نهاية مسار التقارب مع “أرض الصومال” حزمة من الأهداف التي ترى أنها تستحق المغامرة في منطقة شديدة الحساسية، رغم ما يحيط بهذه التحركات من رفض عربي وإقليمي قد يفاقم عزلتها الدبلوماسية، في مقدمتها تعزيز موطئ قدم لها قرب باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحري في العالم، لما يمثله من ارتباط مباشر بأمن إسرائيل البحري، وميناء إيلات، وخطوط التجارة والطاقة.

وقد زادت أهمية هذا الممر بعد حرب غزة وتصاعد تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر، وتحوله إلى ورقة ضغط ضمن حسابات المحور الإيراني؛ وهو ما يجعل أرض الصومال، من المنظور الإسرائيلي، نقطة محتملة للرصد والمتابعة وبناء عمق استخباري وسياسي على الضفة الإفريقية المقابلة لليمن.

ولا يمكن فصل هذا التقارب عن حسابات الموانئ والملاحة، وفي مقدمتها ميناء بربرة، الذي يمثل قيمة استراتيجية كبرى لوقوعه على خليج عدن، وقابليته للتحول إلى نقطة ربط بين الخليج والقرن الإفريقي والبحر الأحمر.

كما تسعى إسرائيل، من خلال هذا الحضور، إلى تطويق المجال الحيوي لقوى إقليمية تتوجس منها، وفي مقدمتها تركيا ومصر وبعض دول الخليج، وهي أطراف تنظر إلى القرن الإفريقي وباب المندب باعتبارهما مساحة حساسة لا تحتمل العبث الإسرائيلي، نظرًا لارتباطهما المباشر بحركة الملاحة واستقرار النظام الاقتصادي العالمي.

وفي هذا السياق، تحاول تل أبيب توظيف اعترافها بأرض الصومال كورقة نفوذ وضغط مزدوجة؛ سواء على الإقليم الانفصالي ذاته، المستعد لتقديم تنازلات سياسية وأمنية واقتصادية مقابل الاعتراف، أو على الدول المحيطة إذا احتاجت إسرائيل إلى أوراق تفاوضية إضافية.

ومن زاوية أوسع، يأتي التقارب مع أرض الصومال ضمن توجه إسرائيلي لتوسيع شبكة علاقاتها في المناطق ذات الأهمية اللوجستية خارج العالم العربي التقليدي، وهو توجه يظهر في الاهتمام الإسرائيلي المتزايد ببوابات إفريقية مثل أرض الصومال وإثيوبيا وجنوب السودان، بما تملكه هذه المساحات من ثروات تعدينية وفرص استثمارية ومواقع جيوسياسية مطلة على ممرات مائية مؤثرة في التجارة العالمية.

وفي نهاية قائمة الأهداف، تبعث تل أبيب برسالة تحذير إلى الخصوم والحلفاء على حد سواء، مفادها أنها قادرة على الوصول إلى مناطق شديدة الحساسية تمس مصالحهم الحيوية، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى تقديم نفسها كطرف قادر على المشاركة في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، بما يمنحها نفوذًا دوليًا لطالما سعت إليه قياداتها.

وماذا تريد هرجيسا من تل أبيب؟

في المقابل، تنظر هرجيسا إلى تل أبيب باعتبارها بوابة محتملة لتعزيز الاعتراف والشرعية وكسر العزلة الدولية التي تعاني منها منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، إذ تراهن على أن الاعتراف الإسرائيلي بها، بوصفه صادرًا عن دولة عضو في الأمم المتحدة، قد يفتح ثغرة في جدار العزلة، ويمهد الطريق أمام اعترافات أخرى، خاصة في ظل علاقات إسرائيل الوثيقة بالمعسكر الغربي وبعض دوائر التأثير في الشرق الأوسط. ومن ثم، فإن العلاقة مع تل أبيب لا تُقرأ في الإقليم كغاية بحد ذاتها، بقدر ما تُستخدم كرافعة سياسية للدخول إلى النظام الدولي من أوسع أبوابه الممكنة.

ولا يغيب البعد الاقتصادي عن اندفاع أرض الصومال نحو التقارب مع إسرائيل؛ فالعزلة السياسية التي فُرضت عليها لسنوات طويلة حدّت من قدرتها على الوصول إلى التمويل الدولي، وأضعفت فرصها في جذب الاستثمارات الكبرى، وهو ما انعكس على أوضاعها الاقتصادية والتنموية.

لذلك ترى هرجيسا في العلاقة مع إسرائيل فرصة لفتح أبواب التجارة والاستثمار، وبناء شراكات في مجالات الزراعة، والصحة، والتكنولوجيا، والمياه، والطاقة، وقد عزز هذا التوجه حديث رئيس أرض الصومال عن توقع اتفاق تجاري مع الكيان، واستعداد الإقليم لتقديم حقوق في رواسب معدنية ثمينة ضمن مسار التعاون المتنامي بين الطرفين.

كما يسعى الإقليم الانفصالي، من خلال هذا التقارب، إلى توجيه رسالة سياسية إلى العواصم الإفريقية والدولية مفادها أنها قادرة على أن تكون شريكًا مستقرًا وفاعلًا في القرن الإفريقي، لا مجرد كيان انفصالي معزول، فهي تحاول توظيف علاقتها بإسرائيل لتعزيز صورتها كسلطة منظمة تمتلك موقعًا استراتيجيًا، وقابلية للانخراط في تفاهمات اقتصادية وأمنية إقليمية.

وفي الوقت ذاته، قد تذهب أرض الصومال بعيدًا في استخدام هذه العلاقة كورقة ضغط في مواجهة مقديشو، بما يعزز موقفها التفاوضي ويكرس واقعها السياسي المنفصل، ومن هذه الزاوية، تبدو هرجيسا كمن يحاول استلهام النموذج التايواني في مواجهة الصين، عبر بناء شبكة علاقات خارجية مع أطراف مستعدة لكسر العزلة ومنحها هامشًا أوسع للحركة.

في المحصلة، يبدو هذا التقارب البراغماتي بين إسرائيل و”أرض الصومال” أقرب إلى شوكة جديدة في خاصرة الأمن القومي العربي، ونواة محتملة لتحالف يعبث بتوازنات منطقة شديدة الحساسية، تمتد من القرن الإفريقي إلى باب المندب والبحر الأحمر، فالأمر لا يتعلق بعلاقة ثنائية محدودة بين تل أبيب وهرجيسا، بل بمسار قد يفتح الباب أمام تموضع إسرائيلي طويل الأمد في واحدة من أكثر المساحات التصاقًا بالمصالح العربية الحيوية.

ومن ثم، يتطلب مثل هذا التهديد وإعادة هندسة النفوذ في البحر الأحمر، حراكًا عربيًا منسقًا، لا يكتفي ببيانات الرفض، بل ينتقل إلى بناء موقف سياسي ودبلوماسي ضاغط، يستهدف تجميد هذا الاندفاع واحتواء تداعياته قبل أن يتحول إلى واقع يصعب التراجع عنه، فهل تمتلك العواصم العربية إرادة التحرك الجماعي لحماية أمنها وممراتها ومصالحها الاستراتيجية، أم تكتفي بدور المتفرج بينما يُعاد رسم خرائط النفوذ على مقربة من أبوابها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى