قضايا وتحليلات

من الظل إلى الشاشات.. لماذا يعود رجال مبارك الآن؟

ببدلة أنيقة، وجلوس يوحي بالثقة والثبات، عاد يوسف بطرس غالي، وزير المالية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى دائرة الضوء بعد غياب استمر نحو خمسة عشر عامًا، وذلك من خلال حوار مطول مع الإعلامية لميس الحديدي، تبنى خلاله خطابًا أقرب إلى خطاب المنظّر والفيلسوف الإصلاحي، مستعرضًا شهادته عن سنوات حكم مبارك، والسياسات التي اتُّبعت خلالها، وما آلت إليه الأوضاع في مصر حاليًا.

ولم يكن ظهور غالي، الذي ارتبط اسمه بعدد من السياسات الاقتصادية والضريبية التي أثقلت كاهل قطاعات واسعة من المصريين وأسهمت في تصاعد الغضب الشعبي قبل ثورة يناير، هو الظهور الأول لرجال نظام مبارك، فقد شهدت الفترة الأخيرة حضورًا إعلاميًا لافتًا لعدد من أبرز رموز ذلك العهد، حتى أصبحوا من أكثر الضيوف حضورًا وإثارة للجدل على الشاشات والمنصات الإعلامية خلال الأيام الماضية.

واللافت أن هذه العودة لم تأتِ في صورة ظهور فردي أو عابر، كان من الممكن أن يمر دون اهتمام واسع، وإنما بدت أقرب إلى مسار متتابع ومنظم؛ إذ توالت الاستضافات خلال فترات زمنية متقاربة، وشملت عددًا من المسؤولين والشخصيات المرتبطة بالنظام الأسبق، الذين تحدثوا في موضوعات متشابهة، وقدموا روايات وتصريحات تتقاطع إلى حد كبير في مضمونها ورسائلها.

أما الأكثر إثارة للجدل، فهو الطريقة التي جرى بها تقديم بعض هؤلاء الرموز، باعتبارهم إصلاحيين وقفوا في مواجهة الفساد، وعارضوا مشروع توريث الحكم، وحذروا مبارك مرارًا من السياسات التي انتهجها نظامه، ما  أثار حالة واسعة من الجدل في الشارع المصري، وفتح الباب أمام قراءات وتفسيرات متباينة بشأن دوافع تلك العودة، والرسائل التي تحملها، وأسباب اختيار هذا التوقيت تحديدًا لإعادة رموز نظام مبارك إلى واجهة المشهد الإعلامي.

لم يكتفِ يوسف بطرس غالي، خلال لقائه، بتقديم شهادته عن سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، بل تجاوز ذلك إلى الحديث عما كان ينبغي، من وجهة نظره، أن يحدث، فتطرق إلى تجربته داخل الحكومة، وطبيعة علاقته بمبارك ونجله جمال، إلى جانب عدد من الملفات الاقتصادية الشائكة، وفي مقدمتها الضرائب والدعم والمعاشات وأموال التأمينات.

ويُعد هذا اللقاء الظهور الإعلامي الأبرز لوزير المالية الأسبق منذ عودته إلى المشهد العام عام 2024، عقب ضمه إلى المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية التابع لرئاسة الجمهورية، وقد أثار هذا التعيين آنذاك حالة من الجدل، بالنظر إلى أن غالي كان أحد الأضلاع الرئيسية للمنظومة الاقتصادية في عهد مبارك، وهي المنظومة التي تعرضت لانتقادات واسعة بسبب ما خلفته من أعباء اجتماعية واقتصادية، وأسهمت نتائجها في تصاعد الغضب الشعبي الذي انفجر في كانون الثاني/ يناير 2011.

وخلال حديثه، سعى غالي إلى تقديم نفسه باعتباره وزيرًا إصلاحيًا كان يصطدم أحيانًا بمبارك بسبب تردده في اتخاذ بعض القرارات الاقتصادية الصعبة، كما انتقد ما يمكن وصفه بغياب الشجاعة الكافية لدى الرئيس الأسبق لتنفيذ إصلاحات تدريجية، وفي مقدمتها إعادة هيكلة منظومة الدعم، على نحو يشبه ما أقدم عليه النظام الحالي، محملًا هذا التردد جانبًا من مسؤولية تراكم الأزمات وتصاعد حالة الاحتقان الشعبي.

وأثارت هذه التصريحات سجالًا داخل معسكر النظام القديم نفسه، ولا سيما بعدما علق علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، عبر حسابه على منصة “إكس”، واصفًا ما جاء على لسان غالي بأنه “كلام غريب وفي توقيت أغرب”.

وفي توقيت متزامن، أو ربما قبل ظهور غالي بفترة وجيزة، عاد حاتم الجبلي، وزير الصحة الأسبق في عهد مبارك، إلى الواجهة الإعلامية، ليفتح بدوره عددًا من الملفات الصحية والسياسية المرتبطة بالنظام السابق.

 غير أن الجبلي تبنى خطابًا بدا أكثر اتزانًا نسبيًا، إذ دافع عن مبارك بقوله إنه لم يكن فاسدًا على المستوى الشخصي، وإن الاتهامات التي لاحقته لا تعكس، من وجهة نظره، حقيقة شخصيته، لكنه في الوقت نفسه حمّل نجليه، جمال وعلاء مبارك، جانبًا من المسؤولية عن الإضرار بصورة والدهما، وعن تفاقم أزمات النظام خلال سنواته الأخيرة.

كما حاول وزير الصحة الأسبق تبرئة ساحته من قضايا الفساد التي لاحقته، وفي مقدمتها قضية «أكياس الدم الملوثة»، مؤكدًا أن التحقيقات لم تثبت وقوع إصابات أو وفيات نتيجة استخدام الأكياس محل القضية، وحمّل أطرافًا أخرى مسؤولية تأجيج القضية وتحويلها إلى قضية رأي عام، بهدف إثارة الشارع ضد النظام آنذاك.

وأشار الجبلي إلى النفوذ الذي كان يتمتع به جمال مبارك داخل دوائر صنع القرار في عهد والده، مؤكدًا، بحسب روايته، أنه كان صاحب اقتراح اختيار أحمد نظيف رئيسًا لمجلس الوزراء، كما وصف جمال مبارك بأنه كان أكثر انشغالًا بالعمل السياسي منه بالعمل التنفيذي.

وتطرق وزير مبارك كذلك إلى ثورة يناير، متحدثًا عما سماه تحركات لحركة حماس جرى رصدها قبل اندلاع الثورة بأيام، كما أشار إلى اعتقاده بوجود خطة أمريكية لنشر الفوضى، وهي الادعاءات ذاتها التي سبق أن روج لها بعض رموز النظام السابق في إطار محاولات تحميل أطراف خارجية مسؤولية الأحداث، والتقليل من الأسباب الداخلية التي دفعت المصريين إلى الثورة على ذلك النظام.

ومن جانبه، تناول محمود محيي الدين، وزير الاستثمار الأسبق، تجربة حكومة أحمد نظيف من زاوية اقتصادية بحتة، مؤكدًا أن تقييم الحكومات والحكم على أدائها يجب أن يستندا إلى الأثر النهائي للسياسات المتبعة وتراكم نتائجها على المدى الطويل، لا إلى الانطباعات الآنية أو معدلات النمو وحدها.

ومن خلال هذه السردية، سعى وزير الاستثمار الأسبق، الذي تولى حقيبة الوزارة خلال الفترة من 2004 – 2007، إلى الدفاع عن تجربة حكومة نظيف، مؤكدًا أنها حققت نجاحات في عدد من ملفات الاقتصاد الكلي، وفي الوقت نفسه، رفض تقديم أي حكومة باعتبارها نموذجًا مثاليًا يمكن فصله عن سياقه السياسي والاجتماعي والظروف التي عمل في ظلها.

كما أوضح محيي الدين أن ما كان يُوصف أحيانًا بـ«رغبات الرئيس» لم يكن، من وجهة نظره، تعبيرًا عن إرادة فردية فحسب، وإنما كان يعكس توجهات نظام الحكم بأكمله، وأشار إلى أن دور الوزير آنذاك كان يتمثل في عرض البدائل والسياسات المتاحة، ومحاولة إقناع رئيس الجمهورية بها، باعتباره صاحب القرار التنفيذي الأعلى وفقًا لطبيعة النظام السياسي القائم في ذلك الوقت.

ومن جانبه، حاول عمرو موسى، وزير الخارجية الأسبق، خلال عدد من اللقاءات الإعلامية، تبرئة ساحة مبارك من الاتهامات المتعلقة بنيته توريث الحكم لنجله جمال، وقال إن الرئيس الأسبق كان وطنيًا، ولم يكن بالسوء الذي صُوّر به، كما لم يكن ساذجًا أو مفتقرًا إلى الخبرة السياسية.

وفي المقابل، قدّم موسى تقييمًا نقديًا للسنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، معتبرًا أنها شهدت تراجعًا في مستوى المتابعة اليومية، وترددًا في اتخاذ القرارات الحاسمة، بالتزامن مع تقدمه في العمر وتصاعد الجدل بشأن مشروع توريث الحكم.

وأشار موسى إلى أن انتقال السلطة إلى جمال مبارك لم يكن، بحسب تقديره، خيارًا يحظى بقبول الرئيس الأسبق نفسه، مؤكدًا أن مبارك لم يكن متحمسًا لهذا المسار، واعتبر أن ما جرى تمثل بالأساس في تحركات قادها بعض الشباب ورجال الأعمال لدعم جمال مبارك، أكثر من كونه قرارًا رسميًا ومعلنًا من رأس النظام.

وفي تصريحات أخرى كشف موسى تفاصيل آخر اتصال جرى بينه وبين مبارك قبل تنحيه، موضحًا أنه سبق أن حذره، خلال لقاءات سابقة، من محاولات إسقاط الأنظمة، ومن احتمالات اتساع دائرة الفوضى وانتقالها إلى عدد من دول المنطقة.

ولم يكن غالي والجبلي ومحيي الدين وموسى وحدهم من أبناء الحقبة المباركية الذين عادوا إلى دائرة الضوء مجددًا، بل رافقهم عدد آخر من رموز تلك المرحلة، من أبرزهم مصطفى الفقي، سكرتير المعلومات الأسبق برئاسة الجمهورية، الذي أعاد فتح عدد من ملفات الحكم خلال لقاءات إعلامية مطولة.

كما ظهر الكاتب الصحفي أسامة سرايا، رئيس تحرير صحيفة «الأهرام» الأسبق، وأحد الصحفيين المقربين من مؤسسة الرئاسة في عهد مبارك، في عدة لقاءات استعاد خلالها كواليس علاقته بالرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، وقدم روايته بشأن آليات صنع القرار داخل الدولة خلال تلك المرحلة.

وانضم إلى هذه القائمة محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، الذي تبنى رواية تُحمّل ثورة يناير جانبًا من مسؤولية تفاقم أزمة سد النهضة، مشيرًا إلى أن أديس أبابا استفادت من حالة الاضطراب التي شهدتها مصر إبان الثورة لتمرير المشروع، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه كان يتوقع اندلاعها في ظل الأوضاع الداخلية المتفاقمة آنذاك.

كذلك شارك فاروق حسني، وزير الثقافة الأسبق، في عدد من اللقاءات التليفزيونية والحوارات الثقافية، متحدثًا عن طبيعة علاقته بحسني مبارك وزوجته سوزان مبارك ونجله جمال، فضلًا عن كواليس سقوط النظام، واعتبر أن أحد أكبر أخطاء نظام مبارك تمثل في طول فترة بقائه في الحكم، مشيرًا إلى أنه كان يتصور أن يتنحى الرئيس الأسبق قبل اندلاع الثورة، بما يفتح المجال أمام انتقال سياسي مختلف.

فتحت هذه العودة الممنهجة والمثيرة للجدل الباب أمام قراءات متعددة بشأن دوافعها، والأهداف التي تقف وراءها، وما قد يترتب عليها من نتائج، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة.

تذهب القراءة الأولى إلى أن هذه العودة تمثل محاولة لتجميل صورة نظام مبارك وتبرئته من الاتهامات التي لاحقته بشأن انتشار الفساد، ووفقًا لهذه القراءة، سعت رموز النظام السابق، من خلال تلك اللقاءات، إلى غسل سمعتها، عبر التشكيك في الاتهامات الموجهة إليها، ونفيها بصورة شبه كاملة، والترويج لفكرة أن نظام مبارك لم يكن على هذا القدر من الفساد الذي صُوّر به، وأن ما حدث لم يتجاوز أخطاء فردية أو ممارسات محدودة ارتكبها بعض المحيطين بالرئيس.

أما القراءة الثانية، فتشير إلى أن تشويه ثورة يناير وشيطنتها قد يكون أحد الأهداف المحتملة من وراء هذه الاستضافات، لا سيما في ظل التصريحات المتتالية الصادرة عن بعض رموز النظام السابق، ومن بينهم حاتم الجبلي ومحمد نصر علام وغيرهما، ممن شككوا في الطابع المصري الخالص للثورة، وقدموا روايات تصفها بأنها جزء من مخطط خارجي أو مؤامرة هدفت إلى نشر الفوضى، كما حملوا الثورة مسؤولية ما آلت إليه بعض القضايا المصيرية، وفي مقدمتها أزمة سد النهضة.

وفي المقابل، ربط آخرون بين هذا الظهور المتكرر وتصاعد مشاعر الحنين إلى عهد مبارك، خصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها المصريون حاليًا، فقد مال جزء من المزاج الشعبي، بصورة نسبية، إلى استدعاء تلك المرحلة، باعتبارها كانت أكثر مراعاة لمحدودي الدخل والبعد الاجتماعي في بعض الملفات، مقارنة بالأوضاع الراهنة.

وبحسب هذه القراءة، ربما جاءت إتاحة المجال أمام رموز النظام السابق للحديث عن تجربتهم بهدف استيعاب هذا الحنين وضبطه، من خلال تقديم صورة أكثر تعقيدًا عن تلك المرحلة، بما حملته من أخطاء وعيوب وأزمات، وهو ما قد يسهم في إبقاء هذا الحنين داخل إطاره العاطفي، ومنع تحوله إلى مزاج سياسي أو حراك منظم يستدعي عودة رموز النظام أو مشروعه إلى المشهد.

واتساقًا مع هذا الطرح، رأى فريق آخر أن هذه اللقاءات، بما حملته أحيانًا من تناقضات في التصريحات والسرديات، وسعي كل شخصية إلى تقديم نفسها باعتبارها إصلاحية ومعارضة للفساد، تعكس حالة من الارتباك داخل ما تبقى من المعسكر المباركي، وهو معسكر لا يزال بعض أنصاره يراهنون على استعادة تلك المرحلة، ويحاولون بين الحين والآخر الدفع بجمال مبارك إلى واجهة المشهد العام.

غير أن هذه العودة قد تقضي، على العكس، على جانب كبير من تلك الآمال، لا سيما في ظل شبه إجماع بين عدد من رموز النظام السابق على تحميل نجلي مبارك، ومشروع التوريث، واتساع نفوذهما داخل دوائر صنع القرار، جانبًا أساسيًا من مسؤولية ما انتهت إليه الأوضاع في السنوات الأخيرة من الحكم.

وقد دفع هذا الخطاب علاء مبارك إلى الدخول على خط الجدل، والرد على بعض تلك التصريحات دفاعًا عن والده، بما كشف عن تصدعات واضحة داخل معسكر النظام السابق، واختلاف روايات رموزه بشأن المسؤولية عن سقوطه.

في النهاية، يعكس هذا الاستدعاء اللافت لرموز عهد مبارك احتدام معركة كتابة الذاكرة؛ ذاكرة النظام من جهة، وذاكرة الثورة من جهة أخرى، وهي معركة يبدو أنها مرشحة للاستمرار طويلًا، في ظل غياب كثير من الروايات والآراء المقابلة، بما يزيد من تعقيد عملية كتابة التاريخ في مصر، بعدما تحولت في أحيان كثيرة إلى روايات شخصية وانتقائية، يفرض فيها الطرف الأكثر حضورًا سرديته الخاصة.

ورغم ما تحمله هذه الشهادات من أهمية، باعتبارها صادرة عن شخصيات كانت قريبة من دوائر الحكم وصنع القرار، فإنها تظل روايات شخصية منسوبة إلى أصحابها، ولا يمكن التعامل معها بوصفها حقائق نهائية أو مسلمات غير قابلة للنقاش والمراجعة.

وتبقى الكرة الآن في ملعب الشارع المصري، ومدى قدرته على قراءة تلك الشهادات قراءة نقدية، ومقارنتها بالوقائع والنتائج التي عاشها، وفهم الرسائل التي يسعى رجال ذلك العهد إلى تمريرها من خلال عودتهم إلى المشهد، بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على سقوط النظام.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى