
المعارضة الإيرانية: لماذا عجزت عن التفاهم رغم اتفاقها على إسقاط النظام؟
د. جيهان علو.. باحثة في الشأن الإيراني
لم تتوقف محاولات إسقاط النظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، كما لم تتوقف المساعي الرامية إلى توحيد القوى المعارضة في الداخل والخارج وتقديم بديل سياسي قادر على إدارة مرحلة ما بعد النظام. وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، ظهرت تحالفات جديدة، وعادت شخصيات سياسية إلى الواجهة، وعُقدت مؤتمرات رفعت شعار بناء جبهة انتقالية قادرة على إنهاء حكم الجمهورية الإسلامية.
لكن النتيجة التي تكررت في كل مرة كانت واحدة: معارضة واسعة من حيث العدد و الإيديولوجيات، لكنها عاجزة عن إنتاج مشروع سياسي مشترك. فقد استطاعت هذه القوى أن تلتقي عند نقطة؛ رفض النظام القائم وولاية الفقيه جملةً و تفصيلاً، لكنها لم تتمكن من تجاوز سؤال و هو: أيّ إيران تريد أن تبني بعد سقوط النظام؟ ومن هي الجهة الأكثر أحقية بقيادة المرحلة الانتقالية؟
ولا يرتبط هذا التعثر بطبيعة النظام الإيراني وحده، رغم دوره الأساسي في قمع المعارضة بيد من حديد وإضعاف قدرتها على تنظيم صفوفها و اغتيال و اعتقال قياداتها، بل يرتبط أيضًا ببنية المعارضة نفسها؛ فهي ليست كتلة سياسية متجانسة، وإنما مجموعة من المشاريع المتنافسة التي تختلف في رؤيتها لهوية الدولة، وشكل النظام السياسي، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم.
ولهذا الخلافات داخل المعارضة الإيرانية لا يمكن اختزالها في صراعات شخصية أو خلافات تكتيكية حول آليات إسقاط النظام، بل هي انعكاس لاختلافات أعمق تتعلق بمفهوم شكل الدولة نفسها.
فبينما ترى بعض التيارات أن الأولوية تكمن في الحفاظ على نموذج الدولة المركزية ووحدة الأراضي الإيرانية، ترى قوى أخرى أن الأزمة التاريخية لإيران ترتبط أيضًا ببنية سياسية لم تعترف بالتعدد القومي والثقافي داخل البلاد، وأن أي تغيير حقيقي لا يمكن أن ينجح من دون إعادة تعريف العلاقة بين المركز والمناطق المختلفة.
فليس السؤال ما إذا استطاعت المعارضة الإيرانية إسقاط الجمهورية الإسلامية؟ بل هل تستطيع الاتفاق على شكل الدولة التي ستأتي بعدها؟
فالمرحلة الانتقالية لا تبدو معركة بين نظام ومعارضيه فقط، بل بين تصورات مختلفة لمستقبل إيران نفسها. وهذا ما يجعل مهمة بناء جبهة موحدة أكثر تعقيدًا؛ لأن سقوط النظام قد يكون نقطة التقاء مؤقتة، لكنه لا يحل بالضرورة الخلافات العميقة حول طبيعة الجمهورية القادمة ، أو موقع المكونات القومية والثقافية المختلفة فيها سياسياً و دستورياً وجغرافياً.
المعارضة الإيرانية: تعدد التيارات وتناقض المشاريع
المشهد المعارض في حقيقته يتكون من تيارات مختلفة تحمل قراءات متباينة للماضي، وتصوّرات متناقضة للمستقبل.
إذ يظهر التيار الملكي المعارض المرتبط باسم رضا بهلوي كأحد أبرز مكونات المعارضة في الخارج و التي لاقت شهرةً في وسائل الإعلام الأمريكية، مستفيدًا من الحنين الذي يحتفظ به جزء من الإيرانيين لفترة ما قبل1979، ومن خطاب يركز على العلمانية، وإعادة بناء الدولة، والحفاظ على وحدة إيران ضمن نموذج مركزي صارم إذ يرى أنصار هذا التيار أن الأولوية بعد سقوط الجمهورية الإسلامية يجب أن تكون منع تفكك الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، ولذلك ينظر أنصار الشاه بحذر إلى أي مشاريع قومية كوردية أو عربية أحوازية أو بلوشية تقوم على الفيدرالية أو الكونفدرالية أو إعادة توزيع السلطة بين المركز والمناطق، معتبرين أن هذه الطروحات قد تهدد الأمن القومي للبلاد و من شأنها أن تحفز كلّ قومية على حق تقرير المصير ما قد يؤدي إلى تفتت الدولة .
و هذا التصور المركزي الصارم يصطدم مع أولويات قوى الأحزاب المعارضة التي تمثل القوميات غير الفارسية مثل الكردية والبلوشية والأحوازية و غيرها. فهذه القوى لا ترى أن أزمة إيران بدأت مع الجمهورية الإسلامية فقط، بل تعتبر أن جذور الأزمة ترتبط أيضًا بنموذج الدولة المركزية الذي تعامل تاريخيًا مع التنوع القومي والثقافي باعتباره مصدر تهديد بدل أن يكون عنصرًا أساسيًا في تكوين الدولة.
فالقضية بالنسبة لهذه القوى المعارضة لا تتعلق فقط بتغيير النظام السياسي، بل بإعادة صياغة العقد السياسي بين الدولة ومكوناتها. فهي ترى أن أي انتقال سياسي لا يتضمن ضمانات دستورية واضحة للحقوق القومية الأصيلة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج البنية نفسها التي ساهمت في استمرار التهميش والصدام و الشوفينية التي مارسها المركز مع الأطراف لعقود طويلة كمجزرة (المحمرة) التي راح ضحيتها عشرات العرب في أقليم الأحواز فقط لمطالبتهم بالحقوق القومية آواخر السبعينات، إضافةً للإعدامات و الاعتقالات التعسفية بحق الكورد و البلوش و العرب التي زادت وتيرتها عام 2026 بحسب منظمات ك هنگاو وهيومن رايتس واتش التي تنشر يومياً الانتهاكات الممارسة من قبل النظام الحالي بحق مئات الأبرياء و العوائل و الاعتقال التعسفي مع الحرمان الكامل من محاكمة عادلة للمعتقلين السياسيين أو حقهم حتى في تعيين .محاميين
. لذلك تطرح بعض هذه القوى المعارضة نماذج مختلفة من اللامركزية السياسية، بما فيها الفيدرالية، وصولًا لدى بعض التيارات إلى مطالب تتعلق بحق تقرير المصير بل و حتى الاستقلال الكامل عن إيران .
وهنا يظهر أحد أعمق خطوط الانقسام داخل المعارضة الإيرانية؛ فالتيار المركزي يرى أن الحفاظ على وحدة الدولة يتطلب وجود مركز سياسي قوي، بينما ترى القوى القومية أن الوحدة الحقيقية لا تُبنى عبر فرض نموذج واحد على مجتمع متعدد الهويات الإثنية و العقائدية و المظلوميات المختلفة، بل عبر الاعتراف بهذا التنوع وإيجاد صيغة سياسية تضمن المشاركة الدستورية لجميع القوميات و حق تشكيل رؤية ما يناسبها مستقبلياً.
أما التيارات (الجمهورية) داخل المعارضة، فهي ترفض من جهتها عودة الحكم الملكي و ولاية الفقيه على حد سواء، وترى أن مستقبل إيران يجب أن يقوم على نظام جمهوري ديمقراطي بعيد عن كل أشكال الحكم الوراثي. لكن هذه التيارات نفسها ليست موحدة؛ إذ تختلف فيما بينها حول طبيعة النظام السياسي المقبل، وحدود اللامركزية، وموقع القضايا القومية والدينية داخل الدولة الجديدة. وفي هذا المشهد المعقد، تحتل منظمة (مجاهدي خلق) و(المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية )موقعًا مختلفًا. فالمنظمة تقدم نفسها باعتبارها قوة سياسية منظمة تمتلك تاريخًا طويلًا في مواجهة الجمهورية الإسلامية، وتطرح مشروعًا يقوم على إقامة جمهورية ديمقراطية علمانية، مع التركيز على قضايا مثل فصل الدين عن الدولة وحقوق المرأة والانتخابات الحرة.
إلا أن حضور مجاهدي خلق بقيادة مريم رجوي داخل المعارضة ظل محل جدل واسع. فبينما يرى أنصارها أنها من أكثر القوى تنظيمًا وقدرة على مواجهة النظام، يشكك خصومها في طبيعة بنيتها الداخلية وتجربتها التاريخية و ارتباطاتها الخارجية، خصوصًا بسبب علاقتها بالعراق خلال الحرب الإيرانية العراقية و صدامها الدموي في أوائل الثمانينات مع النظام الحالي و اغتيالها لعدد من الشخصيات السياسية في عهد الخميني و خامنئي ، كما يرى بعض المعارضين أنها لم تقدم تصورًا واضحًا بما يكفي حول مستقبل القوميات غير الفارسية داخل إيران و لم تتطرق بما يكفي لمسألة الفيدرالية .
فالتناقض داخل المعارضة الإيرانية لا يتمثل فقط في اختلاف البرامج السياسية، بل في اختلاف التصورات حول طبيعة الدولة نفسها. فالملكيون والقوميون والجمهوريون ومجاهدو خلق لا يتنافسون فقط على قيادة مرحلة ما بعد الجمهورية الإسلامية، بل يختلفون حول شكل إيران التي ستولد بعد هذه المرحلة.
ولهذا فإن التحدي الذي يواجه المعارضة ليس فقط من يستطيع إسقاط النظام، بل من يستطيع إقناع الآخرين بأن مشروعه لن يكون نسخة استبدادية جديدة من الإقصاء الذي عانت منه فئات واسعة خلال العقود الماضية. فالمشكلة التي تعرقل بناء جبهة موحدة ليست غياب العداء المشترك للجمهورية الإسلامية، بل غياب الثقة و الوضوح و إغفال عشرات الملفات في البرامج السياسية لبعضهم بعضا
و التحدي الحقيقي أمام المعارضة الإيرانية لا يتمثل في جمع الأصوات الغاضبة ضد الجمهورية الإسلامية، بل في بناء صيغة سياسية قادرة على طمأنة الأطراف المختلفة. فالدولة التي ستأتي بعد النظام الحالي لن تواجه فقط مهمة إعادة بناء المؤسسات، بل ستواجه أيضًا مهمة إعادة بناء الثقة بين مكوناتها السياسية والقومية والاجتماعية.
فإذا لم تتمكن المعارضة من تجاوز منطق عدم الثقة المتبادل، فقد يتحول سيناريو سقوط النظام، من بداية لاستقرار سياسي جديد، إلى بداية صراع آخر قد يتحول إلى حرب أهلية و عقائدية.
فالمعارضة الإيرانية اليوم أمام الاختبار الأصعب… إسقاط النظام أم إعادة إنتاج الأزمة بنظام استبداي بهيئة جديدة ؟ ؛فسقوط النظام الحالي مهما بدا هدفًا مشتركًا، لا يعني بالضرورة ولادة نظام عادل. فالتاريخ السياسي لا يُحسم فقط بسقوط الحكومات، بل بما تملكه القوى البديلة من قدرة على تقديم تصور مختلف للدولة و للعقد الاجتماعي الذي من شأنه حلّ عشرات الملفات السياسية و القومية والاجتماعية العالقة. فكيف لمعارضة أن تمتلك خصمًا مشتركًا، لكنها لا تمتلك حتى الآن مشروعًا مشتركًا او على الأقل تفاهماً طفيفاً قد يخفف من وطأة السيناريوهات القاسية التي يواجهها الشعب الإيراني مع النظام الحالي أو بعد سقوطه .
المصادر:
Abrahamian, Ervand. A History of Modern Iran. Cambridge University Press.
Abrahamian, Ervand. The Iranian Mojahedin. Yale University Press.
Entessar, Nader. Kurdish Politics in the Middle East. Lexington Books.
Romano, David. The Kurdish Nationalist Movement. Cambridge University Press.
Axworthy, Michael. Revolutionary Iran: A History of the Islamic Republic.
Human Rights Watch. World Report: Iran.
Human Rights Watch
Amnesty International. Iran Human Rights Reports.
Hengaw Organization for Human Rights – Iran Reports.



