قضايا وتحليلات

مأساة أن تكون أستاذًا جامعيًا في مصر


لم يكن أسامة يتخيل، وهو الطالب المتفوق على دفعته لأربع سنوات كاملة، أن الطريق الذي بدأه بالحلم سينتهي به إلى هذا القدر من الخذلان، عُيّن معيدًا، ثم ترقى إلى مدرس مساعد، ثم مدرس جامعي، ظن أن سنوات السهر والبحث والاجتهاد ستمنحه حياة كريمة تليق بمكانته العلمية، فإذا به يكتشف أن راتبه لا يكفي الحد الأدنى من احتياجاته الضرورية، وأنه مضطر، رغم لقبه الأكاديمي، إلى البحث عن عمل آخر حتى يستطيع الوفاء بمستلزمات أسرته الصغيرة التي لا تتجاوز أربعة أفراد.

ليست حكاية أسامة استثناءً، بل وجهًا واحدًا من مأساة يعيشها آلاف من أبناء مهنته. الاسم براق: “أستاذ جامعي”، لكن الواقع موجع ومخزٍ وفاضح، أستاذ يعلّم أبناء الناس، ولا يستطيع أحيانًا تعليم أبنائه كما ينبغي، يشرح لطلابه معاني الإباء والعزة، ثم يعود إلى بيته محاصرًا بفواتير لا ترحم، وأسعار ترتفع، وشهر لا يكتمل إلا بالاقتراض أو البحث عن باب رزق إضافي.

إنها ليست أزمة فرد، بل جرح عميق في جسد منظومة التعليم بأكملها، ففي الوقت الذي يُنظر فيه إلى أستاذ الجامعة في كثير من دول العالم باعتباره أحد أعمدة بناء العقل والوعي، والحلقة الأخيرة في تشكيل شخصية الشباب قبل دخولهم سوق العمل، يجد أستاذ الجامعة في مصر نفسه مهمشًا، مثقلًا بالأعباء، مطاردًا بضغوط معيشية لا تليق بعلمه ولا بدوره ولا بسنوات عمره التي أفناها بين الكتب والمعامل وقاعات المحاضرات.

منطقيًا لابد وأن تكون النتيجة مؤلمة، كثيرون ألقوا روب التدريس جانبًا، لا كراهية في العلم، بل هروبًا من العوز، بعضهم اتجه إلى أعمال بعيدة تمامًا عن تخصصه، وبعضهم قبل بمهن حرفية يمتهنها في الغالب غير المتعلمين، فقط كي يكمل الشهر دون استدانة، وكي يحفظ ماء وجهه أمام أسرته وأبنائه.

المأساة أن هذه المعاناة لا تصرخ في الهامش، بل في قلب الجامعة؛ حيث يُفترض أن تُصان العقول لا أن تُرهق، وأن يُكرّم العلم لا أن يُدفع أصحابه إلى الانكسار، ورغم الاستغاثات المتكررة، لا تزال الأزمة قائمة، كأن لا أذن تسمع، ولا ضمير يتحرك، ولا أحد يريد أن يعترف بأن تهميش أستاذ الجامعة ليس إهانة لشخصه وحده، بل إهانة لمستقبل التعليم كله.

في خطاب استغاثة حمل كثيرًا من الحسرة والألم، وجّه رؤساء نوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمراكز البحثية المصرية نداءً عاجلًا إلى المسؤولين، مطالبين بالتدخل لإنقاذ أوضاع الأساتذة والباحثين بعد سنوات من تدهور الرواتب وتآكل قيمتها

رواتب مخزية وأوضاع مأساوية

“هل تتخيل أن راتبي، وأنا على درجة أستاذ، وبعد أكثر من عشرين عامًا قضيتها بين البحث العلمي والترقي الوظيفي داخل الجامعة، لا يتجاوز 13 ألف جنيه، أي ما يعادل نحو 250 دولارًا؟”، بهذا السؤال الموجع بدأت الدكتورة شيرين حديثها، لا بغضب عابر، بل بألم وحسرة امرأة أفنت عمرها في العلم، ثم وجدت نفسها أمام واقع معيشي لم تكن تتخيل يومًا أن تصل إليه.

فالمكانة العلمية التي قضت سنوات طويلة في بنائها لم تعد قادرة على حمايتها من ضغط الفواتير، ولا من قسوة الأسعار، ولا من شعور ثقيل بأن التقدير المعنوي وحده لا يطعم بيتًا ولا يحفظ كرامة.

تقول الأكاديمية المصرية إنها مطالبة بالذهاب إلى الجامعة يومين أو ثلاثة على الأقل أسبوعيًا، رغم أنها تقيم في القاهرة بينما تقع جامعتها في المنصورة، رحلة السفر وحدها، بما تحمله من تكلفة ومشقة وإرهاق، تلتهم ما يقترب من خُمس راتبها، قبل أن يبدأ حساب بقية الالتزامات من مأكل وعلاج وتعليم ومصاريف بيت لا تنتظر.

وتضيف في حديثها لموقع “الترا صوت” أن الوصول إلى درجة أستاذ جامعي ليس طريقًا قصيرًا ولا سهلًا، بل رحلة طويلة من رسالتي ماجستير ودكتوراه، وأبحاث علمية محكمة، لا تقل غالبًا عن خمسة أبحاث منشورة في مجلات معتبرة دوليًا أو إقليميًا، وأن هذه الأبحاث لا تُنجز بالكفاءة وحدها، بل تحتاج إلى تمويل مرهق، إذ قد تصل تكلفة نشر البحث الواحد إلى ألف دولار، فضلًا عن تكلفة إعداده، خاصة في الكليات العملية التي تحتاج إلى مواد ومعامل وتجارب وأدوات.

ولا تبدو حكاية شيرين حالة فردية، فالدكتور أحمد، الأكاديمي بجامعة القاهرة، يشاركها الوجع نفسه، يقول إن راتبه لا يكفي مصاريف نجليه في المدارس، وإنه اضطر إلى الدخول شريكًا مع أحد المقاولين في مكتب خدمات ومقاولات عامة، لا كمستثمر من بعيد، بل كعامل يباشر بنفسه أعمالًا حرفية مثل السباكة والكهرباء وغيرها، يروي ذلك بلا خجل من العمل، لكن بحسرة على واقع دفع أستاذًا جامعيًا إلى أن يبحث خارج جامعته عن وسيلة تحفظ بيته من الانهيار.

ويؤكد الدكتور أحمد في حديثه لـ “الترا صوت” أن ما يعيشه ليس استثناءً، فالكثير من الأساتذة لجأوا إلى العمل الخاص، لا طمعًا في الرفاهية، بل محاولة للوفاء بالتزاماتهم المادية بعد موجات التضخم المتلاحقة التي قلّصت قيمة الراتب، وجعلته أصغر من احتياجات الحياة اليومية.

أما دكتور آخر، فيلخص المأساة في جملة موجعة: منذ أكثر من عشر سنوات لم يشترِ بدلة واحدة، رغم أنه مطالب بأن يذهب إلى الكلية بمظهر لائق يليق بأستاذ جامعي، يقول إن راتبه لا يكفي لعلاج ابنته والإنفاق على بيته، وبالتالي لم تعد هناك رفاهية لشراء أي شيء خاص به، ثم يضيف بحسرة تختصر المشهد كله: “ابن جاري الكهربائي، غير المتعلم، يتقاضى ضعف راتبي”.

هنا لا تكون الأزمة مجرد ضعف رواتب، بل اختلالًا عميقًا في ميزان التقدير الاجتماعي والاقتصادي، حين يصبح الأستاذ الجامعي، بعد سنوات طويلة من الدراسة والبحث والترقي، عاجزًا عن تغطية أساسيات حياته، فالحديث هنا ليس عن معاناة فردية، بل عن إنذار خطير يطال قيمة العلم نفسها، ومكانة الجامعة ومستقل التعليم في بلد كان له السبق في نشر العلم والثقافة في العالم.

نريد حياة كريمة.. رسالة استغاثة عاجلة

في خطاب استغاثة حمل كثيرًا من الحسرة والألم، وجّه رؤساء نوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعات والمراكز البحثية المصرية نداءً عاجلًا إلى المسؤولين، أيار/مايو الماضي، مطالبين بالتدخل لإنقاذ أوضاع الأساتذة والباحثين بعد سنوات من تدهور الرواتب وتآكل قيمتها.

وأكد الخطاب أن ما يتقاضاه عضو هيئة التدريس لم يعد يضمن له ولأسرته الحد الأدنى من الحياة الكريمة، رغم ما يمثله من قيمة علمية وبحثية داخل المجتمع، مشيرًا إلى أن مذكرات سابقة قُدمت إلى وزراء التعليم العالي الحاليين والسابقين دون أن تجد الأزمة حلًا جذريًا، ووصف الموقعون حال كثير من الأساتذة بأنه أقرب إلى “التعفف رغم الحاجة”، حيث يعيشون عيشة الكفاف بينما ينتظرون إنصافًا أسوة بفئات أخرى جرى تحسين أوضاعها المالية.

وكشف الخطاب جانبًا من الخلل المالي الذي يفاقم الأزمة، موضحًا أن الرواتب لا تزال تُحتسب على أساسي عام 2015، وهو رقم متدنٍ لا يليق بعلماء مصر، بينما تُخصم الضرائب والتأمينات والمعاشات على أساس أحدث، ما يؤدي عمليًا إلى تناقص الدخل الفعلي بدلًا من زيادته.

كما أشار إلى أن رفع الحد الأدنى للأجور أفاد الدرجات الوظيفية الأحدث بدرجة أكبر، بينما بقي أصحاب الدرجات الأقدم، ومن بينهم الأساتذة والباحثون أصحاب الخبرات الطويلة، خارج دائرة التحسن الحقيقي، لأن معظم الراتب يتكون من بدلات ومكافآت مقطوعة لا تتحرك مع الزيادات، واعتبر الخطاب أن استمرار تطبيق هذه المنظومة، في ظل قوانين قديمة ومبالغ مجمدة منذ سنوات، يمثل إجحافًا واضحًا بحقوق أعضاء هيئة التدريس.

وأكد الخطاب أن الأزمة لم تعد تتعلق بالمعيشة فقط، بل امتدت إلى قدرة الباحثين على أداء دورهم العلمي، في ظل ارتفاع تكاليف البحوث والدراسات والنشر العلمي، خاصة في التخصصات العملية، واختتم الموقعون رسالتهم بالتأكيد أن عضو هيئة التدريس لا يطلب رفاهية، بل حياة كريمة تليق بمكانته، وتمكنه من أداء رسالته في التعليم والبحث دون أن يكون مطاردًا طوال الوقت بأعباء المعيشة والديون.

مستقبل التعليم إلى أين؟.. جرس إنذار

لا يمكن النظر إلى تدهور رواتب أساتذة الجامعات باعتباره أزمة مهنية محدودة تخص فئة بعينها، بل هو جرس إنذار خطير يخص مستقبل التعليم في مصر بأكمله، فالأستاذ الجامعي ليس موظفًا عاديًا داخل مؤسسة، بل هو أحد صُنّاع الوعي والعقل والمعرفة.

وحين يجد هذا الأستاذ نفسه مكبلًا بضغوط المعيشة، عاجزًا عن الوفاء بالحد الأدنى من احتياجات أسرته، فاقدًا للشعور بالتقدير مقارنة بمهن أخرى أقل تأهيلًا ومسؤولية، فإن الأزمة لا تبقى داخل بيته وحده، بل تنتقل معه إلى قاعة المحاضرات والمعمل ومركز البحث.

كيف يمكن لأستاذ جامعي أن يدرّس بإخلاص وهو مطارد بالديون؟ كيف يطلب من طلابه احترام العلم وهو يرى أن العلم لم يمنحه حياة كريمة؟ كيف يستكمل نشاطه البحثي وهو لا يستطيع تحمل تكلفة نشر بحث واحد، أو إجراء تجربة معملية واحدة، أو المشاركة في مؤتمر علمي يليق بتخصصه؟ إن فاقد الطمأنينة لا يستطيع صناعة جيل مطمئن، وفاقد التقدير لا يمكن أن يُطلب منه وحده أن يحرس قيمة المعرفة في مجتمع لا ينصفه.

ولم تتوقف المأساة عند حدود المعاناة اليومية لأساتذة الجامعات، بل امتدت إلى ما هو أخطر، عزوف كثير من أوائل الخريجين عن التعيين في الجامعة، هربًا من فخ الرواتب المتدنية والضغوط المعيشية، واتجاهًا إلى القطاع الخاص بما يوفره من دخل أفضل وفرص أسرع وحياة أكثر استقرارًا.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ فالوظيفة التي كانت بالأمس حلمًا وساحة سباق بين المتفوقين، ومصدر شرف وتفاخر للأسر والطلاب، صارت اليوم عبئًا ثقيلًا يخشى كثيرون الاقتراب منه، فلم يعد لقب “معيد” أو “أستاذ جامعي” وحده كافيًا لإقناع شاب متفوق بأن يربط مستقبله بمسار طويل من البحث والترقي، بينما لا يجد في نهايته ما يضمن له حياة كريمة.

هذا التحول يحمل إنذارًا خطيرًا بشأن مستقبل مهنة أستاذ الجامعة نفسها، فإذا كان المتفوقون يهربون من الجامعة قبل دخولها، فمن سيحمل رسالة التدريس والبحث غدًا؟ ومن سيصنع أجيالًا جديدة من الباحثين؟ إن تراجع جاذبية العمل الأكاديمي لا يعني خسارة موظفين فقط، بل يعني خسارة العقول التي كان يفترض أن تقود مستقبل التعليم والبحث العلمي في مصر.

لذلك، فإن تجاهل أصوات أساتذة الجامعات لم يعد مجرد تأجيل لمطلب مالي، بل مخاطرة بمستقبل التعليم الجامعي كله، فالخبراء يحذرون منذ سنوات، وأعضاء هيئة التدريس يرفعون الشكاوى حتى بُحّت أصواتهم، بينما لا تزال الاستجابة دون مستوى الأزمة.

في الأخير تبقى الحقيقة المؤلمة أن الأستاذ الذي يُطلب منه أن يعلّم الكرامة والعزة والانتماء داخل قاعات الجامعة، يحتاج أولًا إلى أن يشعر بها في حياته اليومية، فلا جامعة قوية بلا أستاذ كريم، ولا بحث علمي حقيقي فوق أكتاف باحثين منهكين، ولا مستقبل لتعليم يُترك حراسه على حافة الاحتياج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى