
خنق التجارة العالمية.. ماذا لو أُغلق باب المندب؟
د. عماد عنان
تتجه المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية إلى منعطف بالغ الحساسية، مع اقترابها من حافة انفجار إقليمي مفتوح قد تتجاوز ارتداداته حدود الشرق الأوسط ليطال الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة ومسارات التجارة الدولية.
فبرغم قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد المهلة الممنوحة لإيران من يومين إلى خمسة أيام، فإن التطورات التي أعقبت هذا الإعلان بساعات بدت مناقضة لخطاب التهدئة، بعدما تعرضت بعض مصافي الغاز في أصفهان وخرمشهر للاستهداف، الأمر الذي دفع طهران إلى الرد عبر ضرب بعض المنشآت النفطية في الكويت.
وفي موازاة حديث ترامب عن اتصالات ومفاوضات مع الإيرانيين لاحتواء الحرب، تتواصل على الأرض عملية تحشيد عسكري غير مسبوقة، بما يعكس اتساع الفجوة بين لغة الدبلوماسية ووقائع الميدان، ويغذي المخاوف من مفاجآت كبرى قد تحملها الأيام القليلة المقبلة، من بينها احتمال استهداف جزيرة خارك النفطية أو مصافٍ حيوية داخل العمق الإيراني.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن مصدر عسكري قوله إن أي استهداف لجزيرة خارك اللوجستية قد يفتح الباب أمام إيران لتوسيع نطاق تهديدها للأمن البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وبحسب المصدر، فإن تنفيذ واشنطن لتهديداتها بشن عمل عسكري ضد الجزيرة سيقابل برد “غير مسبوق”، يتجاوز في حجمه وتأثيره ما شهدته الأيام الثانية والعشرون الماضية، مضيفًا أن زعزعة الأمن في ممرات بحرية أخرى، وفي مقدمتها باب المندب والبحر الأحمر، تظل ضمن الخيارات المطروحة أمام ما وصفها بـ”جبهة المقاومة”، محذرًا من أن المشهد قد يصبح أكثر تعقيدًا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها مقارنة بما هو قائم الآن.
وفي ظل هذا التصعيد المتسارع، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا لو أُغلق باب المندب فعليًا؟ وما حجم الارتدادات المحتملة على النظام الدولي عمومًا، وعلى الإقليم على وجه الخصوص؟
باب المندب.. شريان الاقتصاد العالمي
يُعدّ مضيق باب المندب أحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، ليس فقط بحكم موقعه الجغرافي بوصفه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والرابط بينه وبين خليج عدن وبحر العرب والمحيط الهندي، وإنما أيضًا لكونه حلقة محورية في أقصر المسارات البحرية وأقلها تكلفة بين شرق آسيا وأوروبا.
وقد تضاعفت أهميته الاستراتيجية منذ افتتاح قناة السويس عام 1869، إذ أصبح جزءًا أساسيًا من الشريان الملاحي الذي يربط المحيط الهندي بالبحر المتوسط، ومن ثمّ أحد الأعمدة الرئيسية لحركة التجارة الدولية بين الشرق والغرب.
وتتجلى قيمة المضيق بصورة أوضح في موقعه داخل معادلة الطاقة العالمية، إذ يحتل المرتبة الثالثة بين الممرات البحرية الأكثر أهمية لعبور موارد الطاقة، بعد مضيقي ملقا وهرمز، وتمر عبره سنويًا عشرات الآلاف من السفن، من بينها نسبة معتبرة من شحنات النفط الخام والمكثفات والمنتجات البترولية المكررة المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة والأسواق الآسيوية الكبرى.
ولهذا فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يظل شأنًا محليًا أو إقليميًا، بل ينعكس سريعًا على أسواق الطاقة الدولية، ويرفع كلفة النقل والتأمين، ويضاعف الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة.
ولا تنفصل أهمية باب المندب عن بعده الجيوسياسي والعسكري، فهو يقع في نطاق شديد الحساسية تتداخل فيه مصالح قوى إقليمية ودولية كبرى، ما يجعله ساحة مفتوحة للتنافس على النفوذ وورقة ضغط بالغة التأثير في موازين القوة.
ومن هنا، فإن أمن هذا المضيق لا يتعلق فقط بضمان حرية الملاحة، بل يرتبط مباشرة باستقرار التجارة العالمية وأمن الطاقة والتوازنات الاستراتيجية الأوسع، لذلك، فإن أي تهديد لباب المندب يتجاوز كونه تطورًا ميدانيًا محدودًا، ليتحول سريعًا إلى أزمة دولية ذات تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة النطاق.
إيران والمضيق
تجدر الإشارة، ابتداءً، إلى أن إيران لا ترتبط جغرافيًا بمضيق باب المندب، إذ لا تملك حدودًا مباشرة معه، غير أنها تحتفظ في المقابل بأدوات تأثير غير مباشرة تمكّنها من ممارسة الضغط على هذا الممر الحيوي، وفي مقدمتها جماعة الحوثي في اليمن، التي أظهرت خلال فترة الحرب في غزة قدرة واضحة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وإرباك حركة العبور فيهما.
ومن هذا المنطلق، ووفق استراتيجية التحول التدريجي التي تتبعها طهران إزاء تلك الحرب، يمكن فهم التلويح الإيراني بإمكانية اتساع نطاق التصعيد ليشمل باب المندب، باعتباره رسالة سياسية وعسكرية توحي بإمكانية الدفع بالحوثيين إلى الانخراط بصورة أكثر وضوحًا في المواجهة، بعد حالة من الترقب والصمت النسبي منذ بدايات التصعيد في أواخر شباط/فبراير الماضي.
ويعزز هذا التقدير ما صدر عن قيادي عسكري إيراني في تصريحات سابقة، حين لوّح بأن لدى طهران “مفاجآت كبيرة” للرئيس الأمريكي في حال قررت واشنطن المضي نحو هجوم بري على إيران، سواء ضد جزيرة خارك أو استهداف البنية التحتية لمراكز الطاقة في الداخل.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يتمثل بالضرورة في إغلاق كامل ومباشر للمضيق، بقدر ما يكمن في تعطيله فعليًا عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة أو من خلال الألغام البحرية، بما يجعل الملاحة فيه محفوفة بالمخاطر ومكلفة إلى حد كبير.
وفي مثل هذا السيناريو، قد لا يكون الإغلاق معلنًا بالمعنى القانوني، لكنه سيكون تعطيلًا عمليًا لحركة العبور بفعل التهديد العسكري وارتفاع المخاطر التأمينية، وهو ما يفتح الباب أمام تداعيات واسعة على التجارة الدولية وأمن الملاحة والطاقة.
التداعيات المحتملة.. ماذا لو أغلق باب المندب؟
رغم أن إغلاق مضيق هرمز يظل، من حيث الأثر المباشر على أسواق الطاقة، أكثر خطورة من إغلاق باب المندب، باعتبار أن الأول يمثل الممر الأكثر أهمية لتدفقات النفط والغاز في العالم، فإن أي تهديد جدي للملاحة في باب المندب من شأنه أن يدفع الأزمة إلى مستوى أشد تعقيدًا، وأن يفاقم الاضطراب في الاقتصاد العالمي على نحو واسع.
فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بممر بحري إضافي، بل بعقدة رئيسية في حركة التجارة الدولية، بما يعني أن تعطيله، كليًا أو جزئيًا، سيُحدث ارتدادات متلاحقة تتجاوز الإقليم إلى النظام الاقتصادي العالمي بأسره، وفي مقدمة هذه التداعيات، يبرز اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس، واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح عبر الالتفاف حول القارة الأفريقية.
ورغم أن بعض شركات الشحن العالمية مثل ميرسك (Maersk) وهاباغ-لويد (Hapag-Lloyd) وسي إم إيه سي جي إم (CMA CGM)، لجأت بالفعل إلى هذا الخيار خلال فترات التوتر السابقة، فإنه يظل مسارًا بالغ الكلفة من الناحيتين الزمنية والاقتصادية، إذ يضيف إلى الرحلات البحرية أيامًا إضافية قد تصل إلى نحو عشرة أيام أو أكثر، فضلًا عن ما يترتب عليه من زيادة في استهلاك الوقود، وارتفاع تكاليف التأمين، وتأخر وصول الشحنات والبضائع إلى الأسواق المستهدفة.
كما أن تعطيل باب المندب سيعني عمليًا توجيه ضربة قاسية لمسار التجارة بين آسيا وأوروبا، وهو ما سيترك أثرًا مباشرًا على سلاسل الإمداد وحركة الشحن المنتظمة بين القارتين، خصوصًا في ظل ما شهدته قناة السويس بالفعل من تراجع في حركة الملاحة خلال الفترة الماضية، ومن شأن هذا التطور أن يضع أوروبا أمام ضغوط اقتصادية إضافية، لا سيما إذا تزامن مع اضطرابات أوسع في أسواق الطاقة.
وبالتوازي مع ذلك، يُتوقع أن ترتفع تكاليف الشحن والتأمين البحري، بما ينعكس على أسعار السلع ومعدلات التضخم عالميًا، فيما ستكون قناة السويس والاقتصاد المصري من بين أكثر الأطراف تأثرًا، نظرًا لما يمثله هذا الممر من أهمية حيوية لحركة العبور والإيرادات.
تصعيد إقليمي دولي
من الطبيعي أن يؤدي تعطيل ممر بحري بحجم وأهمية باب المندب إلى آثار مباشرة وعميقة على تدفقات الطاقة والغذاء وحركة الإمدادات العالمية، بما يجعله تطورًا يتجاوز في انعكاساته نطاقه الجغرافي المحدود إلى دوائر إقليمية ودولية أوسع بكثير.
فالمسألة هنا لا تتعلق بمضيق عابر فحسب، بل بشريان حيوي في بنية التجارة الدولية، وأي اضطراب فيه من شأنه أن ينعكس سريعًا على الأسواق وسلاسل التوريد ومعادلات الاستقرار الاقتصادي في أكثر من منطقة حول العالم.
ولأن المضيق يقع على أحد أهم الخطوط الملاحية الدولية قرب اليمن والقرن الأفريقي، فإن أي تعطيل لحركة العبور فيه يُنظر إليه عادة بوصفه تهديدًا مباشرًا للتجارة العالمية، لا مجرد تطور محلي أو إقليمي محدود.
ومن ثم، فإن احتمالات الانزلاق إلى مستويات أعلى من التصعيد السياسي وربما العسكري تظل قائمة بقوة، بما قد يدفع الأزمة نحو منعطف جديد من التوتر، تتسع فيه دوائر الاشتباك وتتزايد معه الضغوط على مختلف الأطراف المنخرطة في المشهد.
في المحصلة، ونظرًا لحساسية هذه الورقة وما تنطوي عليه من تداعيات واسعة، يبقى اللجوء إليها خيارًا بالغ الكلفة يُرجّح أن يظل مؤجلًا إلى مراحل متقدمة من التصعيد تتغير فيها الحسابات والمقاربات. وفي مثل هذه اللحظات، قد يُنظر إلى هذا المسار بوصفه أحد الخيارات القصوى التي لا تُفعّل إلا إذا تحوّل الصراع، في تقدير صانعي القرار في طهران، من إطار التنافس على النفوذ والسيادة إلى مستوى تهديد وجودي، تصبح فيه حسابات البقاء هي العامل الحاسم في تحديد مسار التحرك ومآلاته.
(الترا صوت)



