أوراق سياسات

ما بعد الوسيط التقليدي.. لماذا صعدت الوساطة المصرية التركية الباكستانية؟

تتجه الحرب الأميركية الإيرانية، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من التصعيد، نحو منعطف دبلوماسي مغاير، بعدما تجاوزت كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية السقف الذي كان متوقعًا لها، وسط تحذيرات متزايدة من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية، وربما دولية، مفتوحة على جميع الاحتمالات.

في هذا السياق، كشفت تقارير إعلامية غربية عن حراك دبلوماسي تقوده كل من مصر وتركيا وباكستان في محاولة للوساطة بين طهران وواشنطن ونزع فتيل الأزمة، حيث أشارت وكالة “أسوشيتد برس” أن إيران تلقت، عبر هذا الثلاثي، خطة أميركية من 15 بندًا لوقف الحرب.

فيما كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”  أن الدول الثلاث تدفع باتجاه ترتيب اجتماع بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين خلال الساعات الثماني والأربعين المقبلة، رغم أن الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة، حتى مع ما يوحي به الانفتاح الإيراني الحذر على هذا المسار، ولو مع الاستمرار في نفيه رسميًا.

تكتسب هذه الوساطة أهمية إضافية لأنها تأتي على حساب مسارات الوساطة التقليدية التي تصدرت المشهد في الفترات الأخيرة، وعلى رأسها سلطنة عمان وقطر وبعض العواصم الأوروبية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن دوافع هذا الحراك الإسلامي الجديد، وأسباب تراجع الوسطاء التقليديين، ومدى قدرة الوساطة المصرية التركية الباكستانية على كسر الجمود وتهدئة الأجواء بالنظر إلى ما قد تمتلكه من أوراق تأثير وضغط.

لماذا فشل الوسيط التقليدي؟

يبدو أن الوسطاء التقليديين آثروا، هذه المرة، التراجع خطوة إلى الخلف وإفساح المجال أمام وسيط ثلاثي جديد، وهو ما عكسه بوضوح تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، حين أكد علنًا أنه لا توجد وساطة قطرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد في الوقت نفسه على دعم الدوحة لكل القنوات الدبلوماسية الرسمية وغير الرسمية الرامية إلى إنهاء الحرب.

الأهم من ذلك أن الأنصاري سمّى بشكل واضح الدول المنخرطة حاليًا في جهود الوساطة، وهي مصر وباكستان وتركيا، بوصفها الأطراف التي تتحرك رسميًا لخفض التصعيد في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهي الحرب التي لم تعد تداعياتها محصورة في ساحتها المباشرة، بل امتدت إلى إمدادات الطاقة العالمية وأمن الملاحة الدولية.

وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تبدّل الوسيط في هذه الجولة؟ والإجابة تتصل، قبل كل شيء، بتبدل طبيعة الأزمة نفسها، فهذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية قابلة للاحتواء عبر قنوات الرسائل التقليدية، كما لم تعد كلفتها مقتصرة على طرفي الصراع وحدهما، بل اتسعت لتشمل أسواق الطاقة، وأسعار الغاز، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي بأسره.

نجاح هذه الوساطة قد يمنح مصر وتركيا وباكستان نفوذًا إقليميًا أوسع وحضورًا دوليًا أكثر وزنًا، بما يعيد تموضع الدول الإسلامية بوصفها فاعلًا رئيسيًا في إدارة الأزمات الكبرى، لا مجرد طرف يراقب من الهامش

ومن ثم، بدا الرهان على القنوات التقليدية، التي لم تنجح خلال الأشهر الماضية في تحقيق اختراق تفاوضي حقيقي، رهانًا محدود الجدوى، يضاف إلى ذلك أن بعض هذه الوساطات أثيرت حولها تساؤلات تتعلق بدرجة انحيازها؛ إذ نُظر إلى الوسيطين القطري والعماني في بعض الأوساط باعتبارهما أقرب إلى طهران، فيما بدت بعض الأطراف الأوروبية أقرب إلى الموقف الأميركي، وهو ما أضعف نسبيًا الثقة في قدرتها على إنتاج تسوية متوازنة.

وفي حرب بهذا الحجم والتعقيد، لم يعد كافيًا أن يؤدي الوسيط دور ناقل الرسائل أو حلقة الوصل بين الطرفين فحسب، بل بات مطلوبًا منه ما هو أبعد من ذلك بكثير، فواشنطن، من جهتها، تحتاج إلى وسطاء يتمتعون بوزن سياسي وحضور إقليمي يسمحان لهم بممارسة ضغط فعلي على طهران، بينما لا تبحث إيران عن قناة تنقل رسائلها إلى الإدارة الأميركية فقط، بل عن طرف قادر على توفير ضمانات لوقف النار، ومنع أي التفاف على المسار التفاوضي، ومنح أي تفاهم محتمل غطاءً إقليميًا أوسع وأكثر صلابة.

تحالف ثلاثي.. أي مقاربات جامعة؟

لم يكن اختيار مصر وتركيا وباكستان للاضطلاع بهذه الوساطة اختيارًا عابرًا أو محض صدفة، بل جاء على الأرجح استنادًا إلى حزمة من المصالح والمقاربات المشتركة التي دفعت هذه الدول، على تباين مواقعها وحساباتها، إلى التحرك في هذا الظرف الحرج.

وفي مقدمة هذه الدوافع، يبرز السعي إلى منع الانزلاق نحو انفجار إقليمي واسع وفوضى ممتدة لا تهدد أطراف الحرب وحدها، بل تطال مصالح الشرق الأوسط والعالم بأسره، بما يشمله ذلك من اضطراب في الطاقة والاقتصاد وسلاسل الإمداد والغذاء، فضلًا عن احتمالات فتح الباب أمام موجات أوسع من الاضطراب السياسي والأمني.

وفي الوقت نفسه، يتحرك هذا الثلاثي وفق بوصلة براغماتية واضحة؛ فالتصعيد الراهن، وإغلاق مضيق هرمز، والتلويح بتهديد باب المندب، واستهداف منشآت الطاقة في الإقليم، كلها تطورات دفعت هذه الدول إلى تجاوز البعد السياسي للوساطة نحو الدفاع المباشر عن أمنها الاقتصادي ومصالحها الحيوية.

وإلى جانب ذلك، ثمة بعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن نجاح هذه الوساطة قد يمنح مصر وتركيا وباكستان نفوذًا إقليميًا أوسع وحضورًا دوليًا أكثر وزنًا، بما يعيد تموضع الدول الإسلامية بوصفها فاعلًا رئيسيًا في إدارة الأزمات الكبرى، لا مجرد طرف يراقب من الهامش، وفي هذا المعنى، تبدو الوساطة أيضًا محاولة لاقتناص لحظة دولية فارقة من أجل إعادة تثبيت الحضور الإسلامي على خريطة التأثير الإقليمي والدولي.

ما الأوراق التي يملكها الوسيط الجديد؟

تمتلك الدول الثلاث من الأوراق ما يجعلها مؤهلة فعليًا للقيام بهذه المهمة، فمصر، بوصفها ممثلة للثقل والشرعية المركزية العربية، تحتفظ بعلاقات معتبرة مع أطراف الحرب، وعلى رأسها الإدارة الأميركية، وما يترتب على ذلك من قنوات اتصال ممتدة مع تل أبيب وحكومة نتنياهو، حتى وإن شهدت هذه العلاقات في الآونة الأخيرة بعض التوتر، وفي الوقت نفسه، تحافظ على مستوى من العلاقات الجيدة مع طهران، وعلى قدر من المصداقية يجعلها أقل استفزازًا من بعض العواصم الخليجية، وأقل تصادمًا أيديولوجيًا من بعض القوى الغربية.

إلى جانب ذلك، تملك مصر مصلحة مباشرة وواضحة في إنجاح هذا المسار، في ظل ما تواجهه قناة السويس، بوصفها أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري، من أزمة خانقة، فضلًا عما يمثله تهديد البحر الأحمر من تحديات أمنية واقتصادية ولوجستية تضع الأمنين القومي والاقتصادي المصريين تحت ضغط بالغ.

أما تركيا، فتبدو أوراقها أكثر اتساعًا من زاوية الحركة بين المعسكرات المختلفة؛ فهي عضو في حلف الناتو، وتتمتع بعلاقات مهمة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات عمل جيدة مع طهران، فضلًا عن خبرة سياسية متراكمة في إدارة التوازنات المعقدة بين الخصوم.

ولا يختلف الوضع كثيرًا بالنسبة إلى باكستان، التي تملك روابط جيوسياسية وثيقة مع إيران، إلى جانب صلات قوية مع دول الخليج، وعلاقات متنامية مع الولايات المتحدة، بما يجعل إسلام آباد من أكثر العواصم حظًا للعب هذا الدور، لا سيما مع ما تردد في بعض التقارير عن احتمال احتضانها جولات التفاوض المقبلة.

ومن ثم، فإن ما تملكه هذه الدول الثلاث من مؤهلات يتيح لها أداء دور يتجاوز وظيفة “ساعي البريد” التي ارتبطت بالوساطة التقليدية، إلى دور أكثر تأثيرًا في صناعة الإطار السياسي القادر على منع انزلاق المشهد إلى حرب مفتوحة، وتوفير قدر من الضمانات والضغوط التي تؤهلها للقيام بدور الضامن لأي تفاهم محتمل بين طهران وواشنطن، وبذلك، لا تبدو هذه الوساطة مجرد قناة لنقل الرسائل، بقدر ما تبدو محاولة لصياغة توازن جديد بين المصالح والمخاطر والتحديات.

عقبات وتحديات

على الجانب الآخر، ورغم ما يمتلكه الوسيط الإسلامي الجديد من أدوات وأوراق قوة، فإن مهمته لا تبدو سهلة بحال من الأحوال، حتى مع ما يظهر من انفتاح نسبي لدى طرفي الصراع على خيار التفاوض، فثمة قائمة طويلة من التحديات والعقبات التي تجعل من إنجاح هذه الوساطة مهمة شديدة التعقيد.

وفي مقدمة هذه التحديات طبيعة المقاربة الإيرانية نفسها، إذ تبدو طهران أكثر تمسكًا بشروطها، بل وأكثر ميلًا إلى رفع سقف مطالبها خلال الأيام الأخيرة، مستندة إلى ما تعتبره نجاحًا في إلحاق خسائر بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، وهو ما منحها قدرًا أكبر من الثقة وصلابة الموقف.

ومن هنا جاءت شروطها ثقيلة وواضحة، من قبيل الإنهاء الرسمي للحرب، والحصول على ضمانات تحول دون تكرار الهجمات، والمطالبة بتعويضات، إلى جانب التشدد في رفض أي مساس جوهري ببرنامجها الصاروخي، وهي شروط تتصادم بدرجة كبيرة مع السقف الذي تتحرك من خلاله الإدارة الأميركية، ويتعاظم هذا التعقيد مع حقيقة أن القرار في طهران بات اليوم أكثر التصاقًا بالحرس الثوري والمؤسسة الأمنية المتشددة، وهو ما يجعل إبداء مرونة إضافية أقرب إلى ترف سياسي يصعب تصوره في هذه المرحلة.

وفي المقابل، لا تزال واشنطن تتعامل مع فكرة التفاوض من موقع الطرف المنتصر الذي يسعى إلى فرض شروطه كاملة على خصم يُفترض أن يذهب إلى الطاولة في حالة إذعان، وهي قراءة لا تبدو منسجمة بالكامل مع تعقيدات الميدان وحسابات الكلفة.

كما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان الموقف الإسرائيلي، وما يمكن أن تلعبه حكومة بنيامين نتنياهو من دور في تأجيج المشهد وخلط الأوراق، إذا ما شعرت بأن المسار يتجه نحو اتفاق لا يلبّي سقف تطلعاتها ولا يحقق الأهداف التي وضعتها لهذه الحرب.

ومع ذلك، لا يزال هناك من يراهن على عامل الطاقة، وأسعار الغاز، وحرية الملاحة في الممرات المائية، بوصفها محفزات ضاغطة قد تدفع أطراف الحرب إلى التراجع خطوة إلى الوراء وإبداء قدر أكبر من المرونة، غير أن هذا الرهان يظل معلقًا، بطبيعة الحال، على سلوك كل من طهران وواشنطن خلال اليومين المقبلين، في ظل الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق، وتمسك كل طرف بمقارباته، والشكوك المتزايدة بشأن جدية ترامب في الذهاب إلى تسوية فعلية مقارنة بمحاولته شراء الوقت لصالح بنك أهداف أخر أكثر تصعيدًا.

في الأخير ووفق المؤشرات الراهنة والمشهد المرتبك والمعقد معًا تبقى المنطقة بأسرها واقفة على فوهة بركان قابل للاشتعال في أي لحظة، فيما يظل السؤال مفتوحًا: هل ينجح الوسيط الإسلامي في نزع فتيل الأزمة قبل أن تنفجر بالكامل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى