قضايا وتحليلات

سقوط رجل ترامب ونتنياهو وبوتين في أوروبا.. ماذا تعني هزيمة أوربان؟

في مفاجأة سياسية مدوية، أقرّ رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، يوم الأحد 12 أبريل/نيسان، بهزيمته في الانتخابات العامة التي أُجريت مؤخرًا، بعدما أظهرت النتائج الرسمية الأولية تقدّم حزب “تيسا” المعارض بقيادة بيتر ماغيار، في تطور أنهى 16 عامًا من الحكم المتواصل، وأسدل الستار على واحد من أبرز نماذج “الديمقراطية غير الليبرالية” في أوروبا.

ولا تُقرأ هذه الهزيمة بوصفها خسارة انتخابية عابرة لزعيم مخضرم، بقدر ما تعكس سقوطًا مفاجئًا لبنية حكم طالما قدّمت نفسها باعتبارها من أكثر صيغ اليمين الأوروبي تماسكًا وقدرة على إعادة هندسة المجالين السياسي والمؤسسي بما يضمن استدامة السلطة وتحصينها انتخابيًا.

وتعيد هذه النتيجة فتح جملة من الأسئلة الحساسة بشأن اتجاهات المجر في المرحلة المقبلة، سواء على مستوى علاقتها بالاتحاد الأوروبي، أو في ما يتعلق بتموضعها بين الولايات المتحدة وروسيا وإسرائيل، لا سيما أن أوربان كان يُنظر إليه باعتباره الحليف الأقرب داخل الاتحاد الأوروبي لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

قراءة أولية في الدلالات

تكشف القراءة الأولية لنتائج هذه الانتخابات وسياقاتها أن ما جرى في المجر لم يكن مجرد استحقاق انتخابي عابر، بل حدثًا سياسيًا استثنائيًا حفلت كواليسه ومؤشراته بجملة من الدلالات العميقة، ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذا المشهد هو نسبة المشاركة القياسية التي تجاوزت 77%، وهي الأعلى في تاريخ المشاركة السياسية للمجريين خلال العقود الأخيرة، بما يعكس حالة تعبئة شعبية نادرة وإدراكًا واسعًا بأن البلاد تقف أمام لحظة فاصلة.

وتعكس هذه المشاركة الكثيفة، إلى جانب النتيجة الكبيرة التي حققها حزب “تيسا” المعارض، حجم التحول الذي طرأ على المزاج العام في المجر، وتؤكد بوضوح تراجع ثقة قطاعات واسعة من المجريين في نهج أوربان الذي هيمن على البلاد لأكثر من 16 عامًا.

وتكتسب هذه النتيجة وزنًا أكبر إذا ما وُضعت في سياق سياسي شديد الاختلال، حيث جرت الانتخابات تحت سماء مثقلة بنزعات سلطوية، وفي ظل هيمنة واضحة لحزب أوربان على المشهد السياسي والإعلامي وشبكات النفوذ الداخلية، وهو ما جعل كثيرين ينظرون إلى المعركة بوصفها غير متكافئة من الأساس.

ومن هذا المنطلق، تبدو هذه النتائج أقرب إلى تصويت عقابي واسع ضد حكم أوربان، وسياساته الخارجية الداعمة للأنظمة الشعبوية، ورسالة مباشرة تعكس التآكل المتسارع في شرعية نظامه، بعد أن دفع بالمجر تدريجيًا نحو نموذج حكم شديد التركيز للسلطة، حتى بدا في نظر منتقديه أقرب إلى بنية سياسية مغلقة تُدار بروح احتكارية، بخلاف ما أفضت إليه سياساته من ارتفاع معدلات الفقر، وإضعاف الأداء الاقتصادي، وتفشي الفساد، فضلًا عن تعميق عزلة بودابست داخل الفضاء الأوروبي نتيجة مواقفه الصدامية والمناوئة للاتحاد الأوروبي.

أما على المستوى الخارجي، فلم يكن أوربان مجرد رئيس وزراء مجري يدير شؤون بلاده، بل تحوّل خلال السنوات الماضية إلى رمز سياسي وفكري بارز لتيار اليمين الشعبوي داخل أوروبا، وإلى إحدى أهم الركائز التي استند إليها الامتداد الأوروبي للنموذجين الترامبي والنتنياهوي.

ومن ثم، فإن سقوطه لا يُختزل في بعده المحلي، بل يحمل رمزية سياسية أوسع، لأن الرسالة التي أفرزتها صناديق الاقتراع لم تتوقف عند حدود بودابست، بل امتدت أصداؤها إلى عواصم دولية كانت ترى في أوربان عنوانًا لصعود هذا التيار واستمراره.

ومن بين أكثر ما يلفت النظر في هذه الانتخابات أيضًا أن بيتر ماغيار، الذي قاد هذا التحول، لم يأت من صفوف المعارضة التقليدية الكلاسيكية التي تنشأ عادة خارج بنية النظام، بل خرج من داخل البيئة السياسية ذاتها التي رسخها أوربان، ومن رحم السلطة نفسها، وهذا المعطى منحه، على ما يبدو، قدرًا أكبر من المصداقية لدى الشارع المجري، إذ جرى النظر إليه باعتباره شاهدًا من داخل البيت، يعرف تركيبة النظام وأعطابه، ويملك من المعرفة والخبرة ما يجعله أكثر قدرة على فضح فساده والدفع نحو تغييره.

بودابست والعودة للفضاء الأوروبي

شهدت العلاقة بين بودابست وأوروبا خلال سنوات حكم أوربان حالة غير مسبوقة من التباعد والتوتر، بعدما تحولت إلى ساحة اشتباك مفتوح حول أكثر الملفات حساسية في القارة، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا.

وخلال تلك المرحلة، بدت بودابست في كثير من الأحيان بوصفها حجر العثرة الأبرز داخل الاتحاد الأوروبي، والفيتو الأكثر حضورًا في مواجهة أي مسعى أوروبي لبناء موقف موحد إزاء هذه القضايا، وهو ما أربك التحرك الأوروبي وأضعف قدرته على بلورة قرارات جماعية حاسمة لسنوات.

فقد دأب أوربان على معارضة المقاربة الأوروبية تجاه الحرب في أوكرانيا، ووجّه انتقادات متكررة للدعم الذي قدمته العواصم الأوروبية إلى كييف، بالتوازي مع رفضه المستمر لسياسة العقوبات على موسكو، مستندًا في ذلك إلى علاقته الوثيقة بالرئيس الروسي، وقد انعكس هذا التموضع على أداء الاتحاد الأوروبي، إذ قيّد في أكثر من محطة قدرة بروكسل على التحرك الفعال واتخاذ قرارات مفصلية في ملفات تمس الأمن الاستراتيجي للقارة.

ومن هنا، فإن سقوط أوربان في هذه الانتخابات يفتح الباب أمام احتمال عودة بودابست، ولو بصورة نسبية، إلى الفضاء الأوروبي وإلى قدر أكبر من الانسجام مع أولويات الاتحاد وتوجهاته العامة، ويكتسب هذا الاحتمال وجاهته من الخطاب الذي تبناه بيتر ماغيار خلال حملته الانتخابية، إذ طرح رؤية أكثر تقاربًا مع أوروبا، وشدد بوضوح على أن “مكان المجر كان وسيبقى في أوروبا”، في رسالة سياسية مباشرة استهدفت قطاعات واسعة من الناخبين الراغبين في إعادة تموضع بلادهم داخل المنظومة الأوروبية بعد سنوات من التوتر والعزلة النسبية.

ترامب يخسر حليفه الأطلسي الأهم

تمثل خسارة أوربان انتكاسة مدوية للتيار الترامبي داخل أوروبا، لا سيما أنه كان الحليف الأوروبي الأقرب إلى ترامب، والأكثر تعبيرًا عن الامتداد السياسي والفكري لهذا التيار داخل القارة، وتزداد دلالة هذه الخسارة إذا ما أُخذ في الاعتبار ما انطوت عليه من رمزية سياسية واضحة، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دعمه له علنًا قبل التصويت، كما حرص نائبه جيه دي فانس على توجيه رسائل سياسية داعمة له خلال زيارته الأخيرة إلى بودابست، في مشهد عكس حجم الرهان الأمريكي اليميني على بقاء أوربان في السلطة.

ومن هذا المنظور، تُقرأ هزيمته في واشنطن باعتبارها ضربة رمزية لمعسكر ترامب خارج الولايات المتحدة، لأنها لا تعني فقط سقوط حليف سياسي، بل انهيار ما كان يُقدَّم لسنوات بوصفه “النموذج الأوروبي الصديق” لليمين القومي المحافظ، والنموذج القادر على الجمع بين الشعبوية القومية وإحكام السيطرة طويلة الأمد على المجالين السياسي والمؤسسي.

لكن في المقابل، لا يعني هذا التحول بالضرورة اهتزاز العلاقات المجرية الأمريكية في مجملها أو دخولها في طور من القطيعة، فالأرجح أن هذه العلاقات ستنتقل من صيغة ارتبطت بدرجة كبيرة بالتقارب الشخصي والأيديولوجي بين القيادات، إلى صيغة أكثر مؤسسية تحكمها اعتبارات الدولة والمصلحة الاستراتيجية، وعليه، يُتوقع أن تستمر الشراكة بين البلدين، ولكن بعد إعادة ضبط نسبي تجعلها أقل ارتباطًا بالنموذج الترامبي، وأكثر اقترابًا من الإطار الأوروبي التقليدي في إدارة العلاقات عبر المؤسسات والتحالفات الغربية الأوسع.

موسكو تفقد الفيتو الأوروبي

كان أوربان يُقدَّم في كثير من دوائر الصحافة الغربية بوصفه “رجل بوتين في أوروبا”، في إشارة إلى طبيعة العلاقة الوثيقة التي ربطته بالرئيس الروسي بوتين، وإلى الدور الذي لعبه داخل الاتحاد الأوروبي باعتباره الصوت الأكثر ميلًا إلى تعطيل أي اندفاعة أوروبية حادة ضد موسكو.

وقد تجلت هذه العلاقة في المواقف التي اتخذتها بودابست مرارًا إزاء العقوبات المفروضة على روسيا، أو في تحفظها المستمر على السياسات الأوروبية الداعمة لكييف، بما جعل المجر تبدو في كثير من الأحيان وكأنها تمارس دور الفيتو السياسي غير المعلن في وجه المسار الأوروبي المناهض للكرملين.

وعلى امتداد سنوات حكمه، تحولت بودابست في عهد أوربان إلى واحدة من أهم قلاع الدفاع السياسي عن المصالح الروسية داخل الفضاء الأوروبي، وإلى قناة اتصال مؤثرة حافظت من خلالها موسكو على موطئ قدم داخل بنية الاتحاد الأوروبي في لحظات التوتر القصوى.

ومن ثم، فإن هزيمته في هذه الانتخابات لا تعني فقط سقوط حليف محلي لروسيا، بل تعني أيضًا خسارة موسكو لشريك مهم داخل الاتحاد، ولأحد أبرز دعاة التقارب معها، فضلًا عن فقدانها حلقة وصل سياسية كانت تمنحها هامشًا معتبرًا من النفاذ إلى الداخل الأوروبي،  وبذلك، فإن خروج أوربان من السلطة يفضي، من الناحية السياسية، إلى تضييق مساحة مهمة من مساحات النفوذ الروسي داخل أوروبا، ويُضعف إحدى القنوات التي لطالما استخدمتها موسكو لإرباك التوافق الأوروبي من الداخل.

صفعة على وجه نتنياهو 

مثّل أوربان، خلال السنوات الثلاث الماضية، الحليف الأوروبي الأكثر موثوقية بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، إذ لم يكن مجرد شريك سياسي عابر، بل تحوّل إلى رأس حربة أوروبي في الدفاع عن الرؤية الإسرائيلية داخل القارة،  وقد تجلى ذلك بوضوح في كونه الزعيم الأوروبي الوحيد الذي أعلن انضمامه إلى “مجلس السلام” الذي دشنه دونالد ترامب لإدارة قطاع غزة وإعادة هندسة ترتيباته بما يتوافق مع المقاربة الإسرائيلية، في وقت أبدى فيه بقية القادة الأوروبيين تحفظًا واضحًا إزاء هذا المسار، وهو ما وضع  بودابست في بؤرة الانتقادات الحقوقية، والسير عكس اتجاه المزاج الشعبي الأوروبي المناهض للسياسات العنصرية الإسرائيلية والداعم لحقوق الشعب الفلسطيني.

ولم يتوقف هذا الاصطفاف عند حدود المواقف السياسية العامة، بل امتد إلى خطوات عملية شديدة الدلالة؛ فقد كان أوربان القائد الأوروبي الوحيد الذي استقبل نتنياهو على الأراضي الأوروبية رغم صدور قرار من المحكمة الجنائية الدولية بحقه، كما كان أيضًا الطرف الأوروبي الوحيد الذي سارع إلى مساندة تل أبيب في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا، فضلًا عن مواقفه التصويتية المتكررة الداعمة لإسرائيل في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الأمر الذي جعل من بودابست، في عهد أوربان، الصوت الإسرائيلي الأكثر صلابة داخل أوروبا.

نون بوست

ومن هذا المنطلق، فإن هزيمة أوربان لا تعني بالنسبة إلى نتنياهو مجرد خسارة صديق سياسي، بل تعني فقدان حليف أوروبي بالغ الأهمية كان يوفر له غطاءً سياسيًا داخل القارة في لحظة كانت فيها الانتقادات الغربية تتسع على خلفية سياسات الحكومة الإسرائيلية وممارساتها، كما تعني خسارة أداة فعالة لطالما ساهمت في كسر الإجماع الأوروبي أو تعطيله كلما تعارض مع المصالح الإسرائيلية، هذا إلى جانب فقدان الدعم الشخصي المباشر الذي كان أوربان يوفره لرئيس وزراء الاحتلال في عدد من الملفات الحساسة والمعقدة.

ماذا بعد أوروبان؟

فوز ماغيار لا يعني بالضرورة نسف المرتكزات التقليدية للسياسة المجرية أو الانقلاب الكامل على المسار الذي سارت فيه بودابست خلال سنوات حكم أوربان، فالمجر ليست مقبلة، على الأرجح، على تحول جذري يجعلها دولة ليبرالية تقدمية بالمعنى الأوروبي التقليدي، لا سيما أن رئيس الوزراء المحتمل ينتمي هو الآخر، في جذوره السياسية والفكرية، إلى التيار الشعبوي المحافظ، وإن بدا أقل حدة وتطرفًا من سلفه.

ومن ثم، فإن الرهان على انعطافة كبرى وسريعة في التوجه المجري قد ينطوي على قدر من المبالغة والتسرع في التقدير. فماغيار ليس وافدًا من خارج المنظومة التي أسسها أوربان، بل هو أحد أبناء هذا النظام السياسي نفسه، قبل أن ينشق عنه قبل عامين ويؤسس حزب “تيسا”، ولهذا، لا يبدو مرجحًا أن تشهد المجر قطيعة شاملة وفورية مع الإرث الأورباني، خاصة أن هذا الإرث لا يزال متغلغلًا بأدواته وشبكاته وأنصاره في مفاصل الدولة والمجتمع السياسي المجري.

وانطلاقًا من ذلك، قد تتجه بودابست في المرحلة المقبلة إلى إعادة تقييم علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا، لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة الدخول في مسار قطيعة حاد، فالأقرب هو أن تنتقل هذه العلاقات من الصيغة التي غلبت عليها الشخصنة والروابط الخاصة بين القادة، إلى صيغة أكثر مؤسسية وبراغماتية، تحكمها اعتبارات المصالح الوطنية وحسابات الدولة قبل أي اصطفافات أيديولوجية أو شخصية.

وفي هذا التحول النسبي، والهزيمة المدوية للتيار الترامبي النتنياهوي داخل أوروبا،  تبدو أمام العرب مساحة يمكن البناء عليها سياسيًا ودبلوماسيًا، من أجل محاولة تصحيح المسار واستعادة شيء من التوازن الذي اختل خلال سنوات أوربان، حين اتسمت السياسة المجرية بانحيازات واضحة أضرت بعدد من القضايا العربية، في ظل هيمنة سلطوية واسعة على الإعلام ومنافذ التأثير ومؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى