قضايا وتحليلات

لماذا تقلق “إسرائيل” من المناورات العسكرية المصرية في سيناء؟

أحدثت المناورة العسكرية التي نفذها الجيش الثالث الميداني في السويس خلال الفترة من 26 إلى 30 نيسان/أبريل، والمعروفة باسم “بدر 2026″، حالة من الجدل داخل الأوساط الإسرائيلية، حيث عبّرت دوائر رسمية في إسرائيل عن قلقها إزاء قرب نطاق التدريبات من الحدود المصرية-الفلسطينية.

وشهدت المناورة حضورًا لافتًا لقيادات رفيعة في مصر، في مقدمتهم رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، إلى جانب قادة الأفرع الرئيسية وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما أضفى عليها زخمًا سياسيًا وعسكريًا واضحًا، خاصة في ظل توقيت إقليمي بالغ الحساسية.

ورغم أن هذه المناورات تندرج ضمن تدريبات دورية تُنفذ سنويًا، وفي إطار التزامات معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وبالتنسيق بين الجانبين، فإنها واجهت قدرًا من التضخيم الإعلامي الذي فتح باب التكهنات حول أبعاده ودوافعه، بل وأثار تساؤلات بشأن الأطراف التي قد تستفيد من تصعيد المخاوف تجاه أنشطة عسكرية مُنسقة في الأساس.

” بدر 2026″.. مناورة دورية سنوية

تُعدّ المناورات العسكرية التي تُنفذها القوات المسلحة المصرية على الجبهة الشرقية نمطًا دوريًا سنويًا، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية في سيناء والمناطق المحيطة، باعتبارها بيئة أقرب إلى مسارح العمليات الفعلية، فضلًا عن بعدها النسبي عن الكثافات السكانية، ما يتيح مساحة أوسع لتنفيذ الخطط التدريبية المعقّدة ورفع مستويات الجاهزية القتالية.

وفي هذا السياق، جاءت المناورة الأخيرة التي نفذها الجيش الثالث الميداني، الذي يتخذ من السويس مقرًا لقيادته، ويمتد نطاق مسؤوليته العملياتية حتى الحدود الشرقية، ووفقًا للتصريحات الرسمية، تهدف هذه التدريبات إلى الحفاظ على أعلى درجات الكفاءة القتالية، وتعزيز قدرة القوات على تنفيذ مختلف المهام المرتبطة بحماية الأمن القومي في مصر.

تُعدّ المناورات العسكرية التي تُنفذها القوات المسلحة المصرية على الجبهة الشرقية نمطًا دوريًا سنويًا، مستفيدة من الطبيعة الصحراوية في سيناء والمناطق المحيطة، باعتبارها بيئة أقرب إلى مسارح العمليات الفعلية

وعلى المستوى العملياتي، تضمنت المناورة إدارة أعمال قتال لتطوير الهجوم، بمشاركة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات استطلاع وتأمين ودعم مباشر، في إطار منظومة متكاملة وفّرت لها مظلة من وسائل الدفاع الجوي ونيران المدفعية، بهدف تحييد دفاعات الخصم وعرقلة تحركاته.

كما شملت التدريبات الدفع بعناصر مدرعة وميكانيكية لاختراق الدفاعات المعادية، بالتوازي مع إسناد من الطيران العمودي المسلح ووحدات المقذوفات الموجهة المضادة للدبابات للتصدي للهجمات المضادة، وفي الوقت ذاته، نفذت عناصر القوات الخاصة، من المظلات والصاعقة، عمليات إبرار وإغارة استهدفت تدمير الأهداف المكتشفة، بما يعكس تكامل الأفرع الرئيسية وقدرتها على العمل في بيئة عملياتية معقدة.

قلق لدى الأوساط الإسرائيلية

قوبلت المناورة بحالة من القلق والتحفظ داخل بعض الأوساط في إسرائيل، حيث صعّد عضو الكنيست عميت هاليفي، المنتمي إلى حزب الليكود بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من لهجته تجاه التحركات العسكرية المصرية في سيناء.

وفي تصريحات متلفزة، اعتبر أن التدريبات، بما تتضمنه من مناورات رماية قرب الحدود، لا يمكن فصلها عن “صورة أوسع وأكثر إثارة للقلق”، في إشارة إلى قراءته الاستراتيجية لطبيعة هذه الأنشطة، زاعمًا ما وصفه بانتهاكات “ممنهجة” لـمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، متحدثًا عن تطوير بنية تحتية قتالية في سيناء وتعزيز القدرات العسكرية المصرية، ومعتبرًا أن الاتفاقيات القائمة قد لا توفر ضمانة كافية في مواجهة ما يراه تهديدًا متصاعدًا.

على صعيد متصل، أفادت تقارير إعلامية إسرائيلية، من بينها موقع “والا”، بأن المناورات العسكرية التي يجريها الجيش المصري على مسافة قريبة من خط الحدود دفعت وحدات عسكرية إسرائيلية إلى اتخاذ إجراءات احترازية، شملت إبلاغ منسقي الأمن في التجمعات القريبة من الحدود بتقييمات وتحذيرات استثنائية مرتبطة بسير هذه المناورات.

كما انعكست أصداء المناورة على الأوضاع داخل التجمعات القريبة من الحدود في إسرائيل، حيث سادت حالة من القلق بين السكان، غير أن العامل الأكثر تأثيرًا تمثل في انقطاع خدمات الاتصالات في المنطقة الجنوبية خلال فترة تنفيذ التدريبات، بما شمل تعطل شبكات الإنترنت والاتصالات الهاتفية لساعات، الأمر الذي فاقم من حالة التوجس ورفع منسوب المخاوف لدى الأهالي.

القاهرة ترد

على الجانب المصري، فند خبراء عسكريون المزاعم الإسرائيلية بشأن خرق القاهرة لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية على خلفية تنفيذ المناورة، وفي هذا الإطار، أوضح العميد سمير راغب أن موقع التدريبات لم يكن على مقربة مباشرة من الحدود كما رُوّج، بل جرى على مسافة تُقدّر بنحو 250 كيلومترًا، وفي نطاق غرب قناة السويس، ضمن خطة تدريب سنوية مُقرّة سلفًا، وليست استجابة لظرف طارئ أو تطور إقليمي بعينه.

وأضاف أن مثل هذه المناورات، ومنها “بدر 2026″، تُنفذ في إطار ترتيبات معلومة للطرفين، حيث يتم إخطار إسرائيل بها وفق آليات التنسيق القائمة، مشيرًا إلى أن غياب أي تحرك رسمي من تل أبيب، سواء عبر تقديم احتجاج أو استفسار عبر القنوات المعتمدة، وأن الجدل المثار والاعتراضات المطروحة تتعلق بالأساس بدوائر إعلامية وسياسية محسوبة على حزب الليكود ولا تمثل الموقف الرسمي للحكومة الإسرائيلية.

تضخيم ممنهج للمخاوف

منذ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كانون الثاني/يناير 2025 بشأن تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن، وهناك تضخيم إعلامي ممنهج لأي تحرك عسكري مصري على الجبهة الشرقية، سواء في سيناء أو السويس، حتى لو كان بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي وفي سياق التفاهمات المسبقة بين الطرفين.

وكان الجيش المصري قد بدأ في تعزيز تواجده على حدوده الشرقية بصورة مكثفة خلال العامين الماضيين، حيث نُشرت مقاطع فيديو تُظهر طوابير طويلة من المركبات العسكرية المصرية، وحشد لفرق بأكملها من المجندين، وتحشيد للترسانة التسليحية الثقيلة.

وبجانب أنها حق سيادي للدولة المصرية لكن مثل تلك التعزيزات الدورية تتم بشكل منسق مع الجانب الإسرائيلي وبصورة غير مقلقة بالمرة، التزامًا بمعاهدة السلام المشتركة، كما جاء على لسان الخبير العسكري والاستراتيجي المصري، اللواء أركان حرب محمد رفعت جاد.

ومنذ 2015 وهناك تنسيق وتفاهم أمني بين القاهرة وتل أبيب، سمح بتعزيز مصر لقواتها العسكرية وتواجدها المسلح في سيناء، بما يتجاوز المسموح به بحسب اتفاقية السلام المبرمة بين الطرفين، في إطار تعاون الطرفين في القضاء على “الجماعات المسلحة” في سيناء، وهدم الأنفاق التي تربط بين غزة والجانب المصري.

وقوبلت التحركات العسكرية المصرية في المنطقة الشرقية بقلق واضح لدى النخبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، على رأسها تلك التصريحات الصادرة عن السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، في الأول من شباط/ فبراير 2025، والتي عبّر فيها عن القلق من القدرات العسكرية المصرية متسائلًا عن سبب استمرار الجيش المصري بالتحديث والتطوير.

التساؤل ذاته طرحه المحلل الإسرائيلي، ياكوف بيلان، وهو باحث مشارك في مركز بيجين السادات للدراسات الاستراتيجية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، خلال تحليل نشره على موقع”جويش نيوز سنديكيت”، منوها أن “إسرائيل وافقت على أن تقوم مصر بإدخال قوات إلى سيناء لمكافحة الإرهاب، لكن اليوم نواجه تشكيلات لقوات عسكرية ضخمة مستعدة للمعركة”.

منذ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كانون الثاني/يناير 2025 بشأن تهجير سكان غزة إلى مصر والأردن، وهناك تضخيم إعلامي ممنهج لأي تحرك عسكري مصري على الجبهة الشرقية

ودفع هذا القلق المتصاعد من تعزيز مصر لقواتها في سيناء بعض المسؤولين الإسرائيليين لنقل تلك التخوفات إلى المنظمات اليهودية في مختلف دول العالم، حيث أطلع سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، رؤساء المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة على هذا التحرك، ووصف الوضع بأنه “لا يطاق” بحسب صحيفة “إسرائيل هيوم“.

تهويل ومبالغة.. ما الهدف؟

أثار التهويل الإعلامي والسياسي الذي رافق المناورات العسكرية المصرية في السويس من قبل بعض الأوساط في إسرائيل تساؤلات واسعة بشأن دوافعه وأبعاده، لا سيما في ظل شبه إجماع على أن هذه التدريبات تُنفذ في إطار تنسيق مسبق بين الجانبين، ولا تمثل خرقًا لـمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية.

وتذهب قراءات تحليلية إلى ربط هذا التصعيد بسياقات داخلية إسرائيلية، حيث يُنظر إليه كجزء من توظيف سياسي للملف الأمني، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، حيث يسعى حزب الليكود، بقيادة بنيامين نتنياهو، إلى تعبئة الرأي العام عبر تضخيم التهديدات الخارجية، بما يعزز من حضور الاعتبارات الأمنية في الخطاب السياسي الداخلي.

ومن هذا المنظور، يُفسَّر التركيز على التسليح المصري في سيناء والمنطقة الشرقية، رغم التفاهمات المشتركة، باعتباره محاولة لخلق حالة من القلق العام، بما يخدم أولويات سياسية وانتخابية، خصوصًا في ظل حالة الاستقطاب والانتقادات المرتبطة بإدارة حكومة نتنياهو لملف الحرب، بداية من غزة مرورًا بلبنان وصولًا إلى إيران.

(الترا صوت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى