
أمينة العناني: ما يقع إلا الشاطر
على ورقة بيضاء من أجندة قديمة، دونت بعض الأفكار والأحلام التي أرغب في تحقيقها خلال سنوات عمري القادمة، وذلك فترة استعدادي لحياتي الجامعية، المئات من الأحلام التي كانت تراودني وأنا صغيرة، ربما كان هناك كل يوم حلم جديد، أحلام كثيرة كانت تتغير باستمرار أثناء فترة طفولتي ومراهقتي، إلا أن فترة الجامعة هي مرحلة حاسمة مختلفة من الحياة، حياة جديدة تتميز بالنضج والوعي، قلت الأحلام وتقلصت من المئات إلى العشرات وبمرور الوقت أصبحت أحلام بسيطة لا يتجاوز عددها، عدد اليد الواحدة..
بعد الإنتهاء من دراستي كان الوضع يختلف تماما عن هذا العالم الوردي الذي كنت أسبح به.. كانت الحياة العملية هي الدرس الحقيقي الأول في حياتي، وربما حياة الجميع.. فهنا تغلق الأبواب أمام الأحلام ويكون الواقع الذي نمر به هو أن” حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب”، تمكنت في خضم هذه الحياة الجافة أن أحافظ على بعض الأحلام مخبأة في تجويف وفراغات قلبي، وما زلت حتى الآن أطمئن عليها يوما بعد يوم، تمنحنى آملا في الحياة وعزيمة وإصرار للاستمرار، بغض النظر عن أي إخفاقات، فما زالت هى نبض وأكسير حياتي، لم ولن أكون الوحيدة التي تمتلك أحلام ما زالت تنبض وتنتظر الفرصة الملائمة للهروب وفرض نفسها على أرض الواقع وترك عالم الظلام إلى عالم ملئ بالنور والأمل والحياة، وأنا دائما أعمل بقوله سبحانه وتعالى ” فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ”.
“اليوم قاس وغدا سيكون أقسى.. أما بعد غد سيكون يوما جميلا”..
لحظات قاسية تمتلأ باليأس والإحباط، تمر علينا في بعض الأوقات، هناك من يستسلم لها ويفقد شغفه بالحياة والدنيا، وهناك من يستغلها ويجعلها وقود البداية الجديدة، هذا ما اعتنقه الصيني جاك ما، مؤسس مجموعة” على بابا”، كان مدرس لغة إنجليزية فقير تم رفضه في العشرات من الوظائف، وبالرغم من فشله المتكرر، لم ييأس واستمر في محاولاته حتى أصبح أغنى أغنياء الصين.
وُلد جاك ما، في 10 سبتمبر 1964 في مدينة هانغتشو، الصين، لعائلة بسيطة، كان لديه شغف كبير بتعلم الإنجليزية منذ صغره، لدرجة أنه كان يركب دراجته ليلاً ليتحدث مع السياح الأجانب، رسب في امتحانات القبول بالجامعة مرتين، وقُبل في الثالثة عام 1984، وتخرج عام 1988، تم رفضه في 30 وظيفة مختلفة، بما في ذلك كونه الشخص الوحيد المرفوض من بين 24 متقدماً لوظيفة في مطعم كنتاكي عند افتتاحه بالصين، وأخيرا عمل كمدرس للغة الإنجليزية، وفي عام 1995، أثناء رحلة إلى الولايات المتحدة، اكتشف الإنترنت للمرة الأولى، وهو ما ألهمه لتأسيس شركة إلكترونية في الصين، وفي عام 1999، أسس جاك ما مع 17 صديقاً موقع Alibaba.com، وهو سوق إلكتروني (B2B) لربط المصدرين الصينيين بالمشترين ، نمت الشركة لتصبح أكبر منصة تجارة إلكترونية في العالم، تنحى عن منصبه كرئيس تنفيذي في 2013 وتقاعد رسمياً في 2019 ليتفرغ للأعمال الخيرية والتعليم، وقد قُدرت ثروته في أبريل 2026 بنحو 27.2 مليار دولار.
“انت قيمتك في نفسك.. الجمال لا يستقيم إلا إذا جاوره القبح، والنعيم لا يكمل إلا إذا جاوره الجحيم.. التعليم كالماء والهواء”، مقولات هامة لـ عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين، وطوال 84 عام، هي عدد سنوات حياته، كان يصارع الظلام، ليترك قصة مؤثرة للنجاح بعد مئات المحاولات من الفشل.
ولد عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين عام 1889 وتوفي عام 1973، تمكن من قهر الظلام بتبصّره، محولاً عجز طفولته إلى معجزة فكرية، فقد بصره في سن الرابعة بسبب الرمد والجهل، لكنه تحدى القيود الريفية وحفظ القرآن، ثم انطلق للأزهر في الجامعة المصرية، ليصبح أول دكتور بها، ضاق ذرعاً بأساليب التعليم التقليدية، فغادر الأزهر ليلتحق بالجامعة المصرية عند افتتاحها عام 1908، سافر إلى فرنسا (مونبلييه وباريس) ليحصل على الدكتوراه، متجاوزاً صعوبات الغربة وفقدان البصر، وهناك التقى بزوجته “سوزان” التي كانت عينه وعونه، تولى منصب وزير المعارف (1950)، وأطلق شعاره الخالد: “التعليم كالماء والهواء، حق لكل إنسان”، ليقود ثورة التعليم المجاني في مصر، ترك إرثاً أدبياً ضخماً أبرزه كتابه “الأيام”، وحصل على جائزة الدولة التقديرية عام 1959، توفي في 28 أكتوبر 1973، مخلفاً وراءه نموذجاً ملهماً للإرادة وتحدي الإعاقة والجهل.
﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾
﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾



