قضايا وتحليلات

الصين والشرق الأوسط.. شريك اقتصادي أم بديل لأمريكا؟

منذ اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدا واضحًا أن منطقة الشرق الأوسط دخلت مرحلة تحول عميق تمهد لإعادة تشكيل جيوسياسي واسعة، تعيد رسم خرائط النفوذ وتوازنات القوى والأدوار الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهد، ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لتكرّس هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا، وتؤكد أن النظام الإقليمي بصيغته التقليدية يقترب من نهايته، في وقت تتصاعد فيه التقديرات الدولية التي تتحدث عن اهتزاز أوسع يطال بنية النظام العالمي نفسه، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني حين تحدث عن نهاية النظام العالمي بشكله القائم.

وكشفت الحرب الدائرة وما خلّفته من ارتدادات سياسية وأمنية واقتصادية أن الاستقرار في الشرق الأوسط أصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وأن مرتكزات النفوذ التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود لم تعد قادرة على ضمان الاستمرارية أو إنتاج التوازن السابق، كما أظهرت في الوقت ذاته أن المنطقة تقف أمام مرحلة إعادة صياغة شاملة لخريطة القوى والتحالفات، في ظل سباق دولي لإعادة التموضع استعدادًا لما بعد هذه التحولات.

وفي خضم هذا المشهد المتغير، برزت الصين كإحدى القوى الدولية الأكثر ترشيحًا لتوسيع حضورها وانخراطها في الشرق الأوسطـ فبكين، التي لم تُختبر حتى الآن كفاعل رئيسي في إدارة أزمات المنطقة المعقدة، باتت تُطرح بقوة كلاعب محتمل في معادلات النفوذ الجديدة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول مدى قدرتها على لعب هذا الدور، وإمكانية أن تتحول إلى بديل أو شريك منافس لأمريكا، فضلًا عن طبيعة الأدوات التي تمتلكها لتحقيق ذلك، وحجم التحديات السياسية والأمنية والاستراتيجية التي قد تواجهها إذا قررت الانتقال من دور الشريك الاقتصادي إلى موقع الفاعل الجيوسياسي الكامل في المنطقة.

تراجع الثقة في الدور الأمريكي

منذ حرب الخليج الثانية، نجحت أمريكا في تكريس خارطة نفوذ إقليمية جعلتها اللاعب الأكثر حضورًا وتأثيرًا في الشرق الأوسط، بل والمهيمن فعليًا على معادلات الأمن الإقليمي لعقود طويلة، فقد عززت واشنطن وجودها عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج والمنطقة، وربطت دول الخليج بمظلتها الأمنية بصورة جعلت الأمن الخليجي مرتبطًا إلى حد كبير بالإرادة الأمريكية وقدراتها العسكرية.

وفي موازاة ذلك، تحولت دول الخليج إلى أحد أكبر الأسواق الاستراتيجية للصناعات الدفاعية الأمريكية، حيث أصبحت الترسانات العسكرية الخليجية تعتمد بصورة شبه كاملة على التسليح الأمريكي، بما عزز من عمق الارتباط الأمني والسياسي بين الطرفين، ورسّخ قناعة خليجية بأن الحماية الأمريكية تمثل ضمانة دائمة للاستقرار وردع التهديدات الإقليمية.

وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود، ساد اعتقاد داخل الخليج بأن هذه المظلة الأمنية قادرة على توفير حماية مستدامة، خاصة أن الوجود الأمريكي لم يتعرض لاختبارات استراتيجية مباشرة تهدد فاعليته بصورة حقيقية طوال تلك المرحلة. وهو ما فتح المجال أمام تمدد النفوذ الأمريكي داخل مختلف مفاصل المنطقة سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا.

غير أن الحرب الأخيرة ضد إيران أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية تلك المنظومة الأمنية، فقد أظهرت التطورات أن القواعد الأمريكية، التي كانت تُنظر إليها بوصفها عنصر استقرار وردع، يمكن أن تتحول في لحظات التصعيد إلى نقاط استهداف وتهديد مباشر، كما كشفت أن المظلة الأمنية الأمريكية ليست بمنأى عن الاختراق أو الاستنزاف، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة الإقليمية في قدرة واشنطن على إدارة التوازنات الأمنية وحماية حلفائها من تداعيات المواجهات الكبرى.

ومع تصاعد التوترات، بدأت تتشكل قناعة متزايدة لدى بعض القوى الإقليمية بأن الاعتماد المطلق على الحماية الأمريكية لم يعد يوفر اليقين ذاته الذي ساد لعقود، بل قد يتحول في بعض الأحيان إلى عامل يجر المنطقة نحو صراعات معقدة تتجاوز مصالحها المباشرة.

ومع ذلك، فإن تراجع الثقة بالدور الأمريكي لم يبدأ مع الحرب الحالية فقط، بل سبقتها مؤشرات عديدة عكست تحولًا تدريجيًا في أولويات واشنطن الاستراتيجية. وكان الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021 أحد أبرز هذه المؤشرات، إذ اعتُبر حينها رسالة واضحة بأن واشنطن تعيد تقييم انخراطها العسكري المباشر في المنطقة، وهو ما دفع العديد من دول الشرق الأوسط إلى مراجعة حساباتها بشأن جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة بوصفها المظلة الأمنية الوحيدة للمنطقة.

الصين تعزز حضورها

في الوقت الذي عملت فيه أمريكا على ترسيخ حضورها العسكري واللوجستي في الشرق الأوسط، كانت الصين تتحرك وفق مقاربة مختلفة تقوم على التمدد الاقتصادي وتعزيز النفوذ عبر أدوات التجارة والاستثمار والبنية التحتية، وخلال العقدين الأخيرين، نجحت بكين في التحول إلى الشريك الاقتصادي الأبرز لمعظم دول المنطقة، بعدما تجاوز حجم التبادل التجاري بينها وبين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2025 حاجز 414 مليار دولار، مقارنة بنحو 170 مليار دولار فقط لحجم التجارة بين المنطقة والولايات المتحدة، وهو ما يعكس اتساع الفجوة لصالح الحضور الاقتصادي الصيني إقليميًا.

هذا التوسع لم يكن مجرد نشاط تجاري تقليدي، بل جاء ضمن استراتيجية صينية أوسع هدفت إلى ترسيخ موطئ قدم طويل الأمد في المنطقة عبر مشاريع البنية التحتية والموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية، في إطار مبادرة الحزام والطريق، التي مثلت البوابة الرئيسية للنفوذ الصيني المتصاعد في الشرق الأوسط، كما عززت بكين حضورها من خلال الشراكات التكنولوجية والرقمية مع دول المنطقة، سواء في مجالات الاتصالات أو الذكاء الاصطناعي أو المدن الذكية، الأمر الذي منحها مساحة نفوذ متنامية لم تُتح حتى للقوى الغربية التقليدية.

لكن الانخراط الصيني لم يكن مقتصرًا على الاقتصاد فقط، بل تطور تدريجيًا ليشمل الأبعاد السياسية والأمنية والدبلوماسيةـ ففي عام 2002، عينت بكين لأول مرة مبعوثًا خاصًا للشرق الأوسط، في خطوة عكست اهتمامًا متزايدًا بالملفات الإقليمية، قبل أن تُصدر عام 2016 أول وثيقة سياسية شاملة تحدد رؤيتها تجاه العالم العربي، ثم عادت في عام 2022 لتطرح تصورها لما وصفته بـ”البنية الأمنية الجديدة للشرق الأوسط”، وهي مقاربة تقوم على تعزيز مفهوم الأمن المشترك والتعاون الإقليمي وتقليص الاعتماد على التدخلات الخارجية، مع تشجيع القوى الإقليمية على إدارة شؤونها الأمنية بصورة أكثر استقلالية.

وفي السياق ذاته، برزت الصين خلال السنوات الأخيرة كلاعب دبلوماسي قادر على المساهمة في إدارة بعض الأزمات المعقدة في المنطقة، وهو ما عزز من صورتها كقوة دولية صاعدة تمتلك أدوات تأثير تتجاوز الاقتصاد، وكان أبرز تجليات هذا الدور رعايتها لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران عام 2023، إلى جانب مساهمتها في تهدئة تداعيات الأزمة الخليجية التي اندلعت عام 2017، وهي تحركات منحت بكين مساحة متزايدة للحضور في ملفات كانت تقليديًا ضمن نطاق النفوذ الأمريكي المباشر.

أوراق بكين

بطبيعة الحال، تمتلك  الصين مجموعة من المحفزات الاستراتيجية التي تدفعها نحو توسيع انخراطها في الشرق الأوسط وإعادة التموضع بصورة أكثر فاعلية على خارطة النفوذ الإقليمي، ويأتي ملف الطاقة في مقدمة هذه الدوافع، إذ تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، فيما يعتمد جزء كبير من احتياجاتها الطاقوية على نفط الخليج، ما يجعل استقرار المنطقة بالنسبة لبكين جزءًا مباشرًا من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي.

إلى جانب ذلك، يمثل مشروع الحزام والطريق أحد أهم المحركات الرئيسية للحضور الصيني المتصاعد في المنطقة، باعتبار الشرق الأوسط عقدة مركزية في هذا المشروع العالمي، سواء عبر الموانئ الحيوية أو خطوط التجارة الدولية أو الاستثمارات اللوجستية والبنية التحتية، وهو ما يدفع بكين إلى إيلاء اهتمام متزايد بأمن المنطقة واستقرارها، باعتبار أي اضطراب واسع النطاق قد يهدد المصالح الاقتصادية الصينية الممتدة عبر تلك المسارات الحيوية.

كما تستفيد الصين من التحولات التي طرأت على البيئة الإقليمية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما تراجع الثقة النسبي في المظلة الأمنية الأمريكية، وما ترتب عليه من توجه خليجي متزايد نحو تنويع الشراكات الدولية وعدم حصرها في الإطار الغربي التقليدي، حيث تطمح بكين في أن تكون أحد المحاور الرئيسية في هذا التوجه الجديد، مستفيدة من صورتها كشريك اقتصادي أقل كلفة سياسية وأكثر مرونة في التعاطي مع الأنظمة الإقليمية.

وتترافق هذه المحفزات مع حزمة واسعة من الإمكانيات التي تمنح الصين قدرة متنامية على تعزيز حضورها في المنطقة، ففي الجانب الاقتصادي، تحولت القوة المالية الصينية إلى أداة نفوذ استراتيجية، خاصة مع تصدرها قائمة الشركاء التجاريين لمعظم دول الخليج، فضلًا عن امتلاكها استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والموانئ والتكنولوجيا، كما باتت التكنولوجيا الصينية، بما تشمل من شبكات اتصالات ومنظومات رقمية وتقنيات ذكاء اصطناعي، إحدى أدوات الاختراق الرئيسية التي تعزز الحضور الصيني داخل أسواق الشرق الأوسط.

أما سياسيًا، فقد نجحت بكين في تقديم نفسها بوصفها وسيطًا مقبولًا لدى عدد من دول المنطقة، مستفيدة من خطاب سياسي يقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتجنب ربط العلاقات الثنائية بملفات حقوق الإنسان أو التحولات السياسية الداخلية، وهو ما يمنحها مساحة أوسع للتحرك مقارنة بالقوى الغربية.

وفي ذات السياق فإن البراغماتية الاقتصادية التي تتبناها الصين تجعلها بالنسبة لكثير من الأنظمة الإقليمية شريكًا عمليًا ومريحًا، قادرًا على توفير الاستثمارات والتكنولوجيا والدعم الاقتصادي دون أثمان سياسية مباشرة.

أما عسكريًا، فتُعد الصين واحدة من أقوى القوى العسكرية عالميًا، إذ تحتل مراكز متقدمة في التصنيفات الدولية للجيوش، وتمتلك أكبر قوة عسكرية من حيث عدد الأفراد بما يتجاوز مليوني عسكري، إلى جانب ترسانة متطورة من القدرات الجوية والبحرية والصاروخية، تشمل صواريخ باليستية عابرة للقارات، وأخرى فرط صوتية ومضادة للسفن، فضلًا عن امتلاكها قدرات نووية وسيبرانية متقدمة.

وقد عززت بكين خلال السنوات الأخيرة استثماراتها في التكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، بما يدعم تحولها المتسارع من قوة إقليمية كبرى إلى لاعب عسكري دولي قادر على منافسة القوى التقليدية الكبرى.

  لن تكون بديلا لواشنطن

رغم ما تمتلكه الصين من مؤهلات اقتصادية وعسكرية ضخمة تؤهلها نظريًا لتوسيع حضورها في الشرق الأوسط، فإن انخراطها العملي كلاعب مؤثر في أزمات المنطقة ظل دون مستوى التوقعات، فخلال الحرب في غزة، اكتفت بكين بمواقف سياسية ودبلوماسية عامة دون أن تتحرك بصورة فعالة لدعم الموقف العربي أو الدفع نحو مسار قادر على إنهاء الحرب، وهو المشهد الذي تكرر لاحقًا خلال الحرب مع إيران، حيث فضلت بكين الحفاظ على خطاب دبلوماسي حذر وتحركات محدودة داخل الأطر الأممية، دون أن ينعكس ذلك على توازنات الميدان أو معادلات الردع الإقليمية.

هذا التردد في الانتقال من النفوذ الاقتصادي إلى التأثير الجيوسياسي المباشر يثير تساؤلات متزايدة حول قدرة بكين على أن تكون بديلًا فعليًا لأمريكا في المنطقة، خاصة أن واشنطن لا تزال تمتلك أدوات نفوذ يصعب منافستها سريعًا، تشمل شبكة واسعة من القواعد العسكرية، والأساطيل البحرية، والتحالفات الأمنية، والمظلات الدفاعية، فضلًا عن الحضور الاستخباراتي العميق، في مقابل محدودية الوجود العسكري الصيني المباشر في الشرق الأوسط.

وكانت بعض التقديرات تراهن على أن تداعيات حربي غزة وإيران، وما نتج عنهما من اهتزاز نسبي في الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، قد تدفع بكين إلى تجاوز سياسة الحياد التقليدية والانخراط بصورة أكثر جرأة في معادلات المنطقة، باعتبار أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة استراتيجية نادرة لتعزيز النفوذ الصيني وتقديم نفسها كقوة دولية بديلة أو موازية للولايات المتحدة، غير أن التطورات أظهرت أن الصين لا تزال تفضل التحرك وفق حسابات حذرة توازن بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الانزلاق إلى أعباء الصراعات المعقدة في الشرق الأوسط.

تشاركية لا هيمنة

وفق المؤشرات والمعطيات الراهنة، يبدو من الصعب الحديث عن الصين بوصفها بديلًا كاملًا أمريكا في الشرق الأوسط، كما يبدو من غير المرجح أن تتجه دول المنطقة إلى استبدال واشنطن ببكين في المدى المنظور، خاصة في ظل المقاربة الصينية الحذرة التي تفضل تجنب الانخراط المباشر أو التورط في تعقيدات الصراعات الإقليمية، وتعتمد بصورة أساسية على الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية أكثر من اعتمادها على أدوات النفوذ العسكري والأمني التقليدي.

غير أن ذلك لا يعني أن الصين ستترك الساحة بالكامل لاستمرار الهيمنة الأمريكية بصيغتها السابقة، بل يُتوقع أن تواصل بكين تعزيز حضورها التدريجي في المنطقة عبر الاقتصاد والاستثمارات والتكنولوجيا والدبلوماسية، في وقت تبدو فيه السيطرة الأمريكية مرشحة لتراجع نسبي مقارنة بما كانت عليه خلال العقود الماضية، وهو ما قد يدفع الشرق الأوسط تدريجيًا نحو مرحلة أكثر تعددية في موازين القوى، مع تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية أخرى مثل روسيا والهند وتركيا، بدل استمرار نمط الهيمنة الأمريكية المنفردة الذي ساد منذ نهاية حرب الخليج الثانية.

وفي المحصلة، كشفت التطورات الأخيرة أن بكين لا تزال متمسكة بمقاربتها التقليدية القائمة على جعل الاقتصاد بوابة النفوذ الرئيسية، مع توظيف الحضور السياسي والدبلوماسي بصورة حذرة تبتعد عن الاستقطابات الحادة والاصطفافات العسكرية المباشرة التي قد ترتب عليها كلفة استراتيجية مرتفعة.

وبهذا المعنى، ربما تكون الصين قد فوّتت فرصة مهمة لتعزيز حضورها كلاعب قادر على ملء الفراغ الأمريكي في المنطقة، لكنها في المقابل تواصل ترسيخ موقعها بوصفها “شريكًا منافسًا” للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أكثر من كونها “بديلًا كاملًا” عنها في المستقبل القريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى