
عزة الفشني: حين يصبح البحر رهينة.. قصة “يوريكا” والبحارة المصريين
البحر لا يعرف جنسية من يركبونه، لكنه يعرف كيف يختبرهم. وفي فجر الثاني من مايو، اختار البحر أن يختبر ثمانية مصريين، لا ذنب لهم سوى أنهم صدقوا أن الرزق في السفر، وأن السفن أكثر أمانًا من الشوارع. كانوا على متن ناقلة “يوريكا” تعبر خليج عدن، يحملون في جيوبهم صور أولادهم، وفي قلوبهم موعد عودة. لكن البحر كان له موعد آخر.. موعد مع خمسة وثلاثين بندقية صعدت من العدم، وحولت السفينة إلى سجن عائم قبالة السواحل الصومالية.
في دقائق معدودة.. انقلبت رحلة العمل إلى كابوس
هناك، حيث لا قانون إلا قانون الفدية، يقف الزمن عند لحظة الاقتحام، وعند جملة واحدة تسربت من هاتف بحار مرعوب: “الأكل والشرب خلص”.
هذه ليست قصة عن قراصنة وسفينة، بل قصة عن ثمانية بيوت في مصر أصبحت معلقة بين سماء تنتظر وبحر لا يجيب. قصة عن عالم ظن أن زمن القرصنة انتهى، فأيقظه خليج عدن على حقيقة مرة: عندما يجوع الناس على اليابسة، يخرجون ليصطادوا البشر في الماء.
البحر لا يحفظ الأسرار، لكنه أحيانًا يبتلع الأصوات. البحارة الثمانية خرجوا يطلبون رزقهم في رحلة روتينية بين الموانئ، لكن الروتين في مياه القرن الأفريقي انقلب إلى كابوس خلال دقائق.
القراصنة لا يقرؤون الأخبار.. لكنهم يقرؤون البحر جيدًا
القراصنة هناك لا يقرؤون الأخبار، لكنهم يقرؤون البحر جيدًا. يعرفون متى تكون السفينة وحيدة، ومتى تكون الحمولة مغرية، ومتى يكون الطاقم منهكًا بعد رحلة طويلة. في ذلك الفجر، صعد نحو خمسة وثلاثين مسلحًا إلى الناقلة. لم يكن صعودًا للتفتيش، بل للسيطرة. وفي لحظات، تحولت “يوريكا” من سفينة تجارية تديرها شركة إماراتية مقرها الشارقة، إلى رهينة تبحر تحت تهديد السلاح.
غيّر القراصنة مسار السفينة بالقوة، وأجبروا القبطان على التوجه جنوبًا نحو الساحل الصومالي، وتحديدًا إلى مياه إقليم بونت لاند، حيث القانون هو قانون البندقية والفدية.
على متن السفينة الآن حكايتان متوازيتان:
الأولى حكاية البنادق؛ مسلحون يتحركون فوق السطح، يراقبون التحركات ويعدّون الساعات حتى تأتي الفدية التي طلبوها.
أما الحكاية الثانية، فهي حكاية الصمت والخوف؛ ثمانية مصريين محتجزين داخل غرف ضيقة، يعدّون هم أيضًا الساعات، لكن عدّهم مختلف. إنهم يعدّون ما تبقى من مياه الشرب، وما تبقى من الطعام المعلب، وما تبقى من الأمل.
الرسائل التي تسربت منهم عبر هواتف متقطعة كانت موجعة: “الأكل والشرب خلص”.. جملة واحدة تختصر كل الرعب الذي يعيشه بحار يتحول من سيد السفينة إلى سجين داخلها.
تعثر المفاوضات بين القراصنة والشركة المالكة
أهالي البحارة في مصر لم يصلهم البحر، لكن وصلهم الخوف. الأب الذي اعتاد توديع ابنه الضابط مؤمن في كل رحلة، وجد نفسه هذه المرة يتلقى منه رسالة وداع من نوع آخر. رسالة تقول إن الشركة المالكة تتباطأ، وإن المفاوضات مع القراصنة متعثرة، فالفدية المطلوبة كبيرة، والشركة ترفض الدفع.
هنا ينكشف الوجه الأقسى للقرصنة الحديثة؛ فالمعركة لم تعد بين بحار وقرصان فقط، بل بين شركة تريد تقليل الخسائر، وأسر تريد استعادة أبنائها أحياء.
التحرك الدبلوماسي المصري ضروري، لكنه يصطدم بحقيقة الجغرافيا الصومالية، حيث توجد حكومة مركزية ضعيفة، وأقاليم شبه مستقلة، وقراصنة يعرفون مداخل البحر ومخارجه أفضل من أي خفر سواحل. وبونت لاند، التي اقتيدت إليها السفينة، هي نفسها المنطقة التي خرجت منها أشهر عصابات القرصنة قبل سنوات، حين كان خليج عدن أخطر ممر مائي في العالم.
القرصنة الصومالية.. التي ظن العالم أنها ماتت، عادت من جديد
القصة إذن ليست جديدة، لكنها مؤلمة لأنها تتكرر. فالقرصنة الصومالية، التي ظن العالم أنها انتهت بعد عام 2012، عادت لأن الأسباب التي صنعتها لم تختفِ؛ الفقر لا يزال قائمًا، والفوضى مستمرة، والسلاح متاح للجميع.
البحارة المصريون، الذين ظنوا أنهم في رحلة عمل عادية، وجدوا أنفسهم فجأة في قلب هذا التاريخ المنسي. هم ليسوا طرفًا في صراع سياسي، ولا وقودًا لحرب بالوكالة، بل مجرد عمال بحر. لكن البحر قرر أن يجعلهم ورقة تفاوض.
السيناريوهات الآن مفتوحة، لكنها جميعًا صعبة. إما أن تدفع الشركة الفدية، فتعود السفينة ويعود البحارة، وتنتصر لغة المال على لغة القانون. وإما أن تطول المفاوضات، فيتحول الصمت على متن السفينة إلى كارثة إنسانية. أو أن تتدخل قوة عسكرية لتحريرهم، وهو خيار محفوف بالدم، لأن القراصنة يحتمون بالرهائن.
وفي كل الأحوال، يبقى الثمن الحقيقي يدفعه أولئك العالقون في عرض البحر، بعيدًا عن المكاتب المكيفة وعناوين الأخبار.
في النهاية..
احتجاز السفينة “يوريكا” يعيد تذكيرنا بحقيقة مرة؛ صحيح أن العلم المرفوع على السفينة قد يكون توجوليًا، وأن الشركة المالكة إماراتية، لكن الخطر حين يقع تصبح له جنسية واحدة: جنسية الضحايا.
واليوم، الضحايا ثمانية مصريين، ينامون ويصحون على صوت الأمواج وبنادق القراصنة، ينادون: هل يسمعهم أحد على الشاطئ؟
ويتساءلون: هل من مجيب؟



