مقالات

عزة الفشني تكتب: من مقعد الترجمة إلى طاولة الجراحة.. مسافة الموت


هناك أبواب في الحياة لا تُطرق إلا بيد تعرف ما خلفها، وغرف لا يدخلها إلا من أقسم أن يحمي من فيها، لا أن يغتالهم بالوهم. وغرفة العمليات واحدة من هذه الأماكن المقدسة؛ مكان يعلّق فيه الإنسان قلبه بين يدي رجل ظنّ أنه يعرف الطريق إلى الحياة.

فماذا لو اكتشفنا أن اليد التي فتحت الصدر كانت تبحث عن مجدها لا عن شريان النجاة؟ وأن المعطف الأبيض كان ستارًا لممثل لم يدرس الدور جيدًا؟

حين يُقبض على خريج ألسن انتحل صفة طبيب جراح، فنحن لا نقرأ خبرًا عابرًا في صحيفة، بل نقف أمام مرآة تكشف هشاشة ثقتنا، وتسألنا بصمت: كيف سلّمنا أغلى ما نملك لمن لا يملك إلا الكذب؟ وكيف نامت أعين الرقابة بينما قلب مريض ينبض تحت مشرط لا يعرف إلا لغة الخداع؟

هذه ليست قصة انتحال، بل قصة سقوط. سقوط ثقة مريض في يد ظنّها طوق نجاة.

الخبر الذي مرّ أمامنا سريعًا على الشاشات يحمل في طياته ما هو أثقل من مجرد جريمة انتحال صفة. فخريج كلية الألسن، الذي ارتدى معطف الطبيب ودخل غرفة العمليات ليجري جراحات قلب، لم يسرق لقبًا فقط، بل سرق ثقة. والثقة حين تُكسر في غرفة العمليات لا تُحدث صوتًا، لكنها تترك ندبة لا يراها أحد إلا صاحبها.

مجتمع يقدّس المعطف الأبيض دون أن يسأل من يرتديه

السؤال الأول الذي يتبادر إلى الذهن: كيف استطاع أن يجري عمليات قلب وهو لا يملك من الطب سوى الاسم الذي انتحله؟

الإجابة لا تكمن في عبقريته، بل في ثغرات نحن من صنعناها. الثغرات تبدأ من رهبة المريض أمام من يظنه منقذًا، فلا يجرؤ على السؤال عن شهادة معلّقة على الجدار، وتمر عبر نظام إداري قد يكتفي بورقة مزورة ومظهر واثق وصوت حازم، وتنتهي عند مجتمع اعتاد أن يقدّس المعطف الأبيض إلى درجة أنه نسي أن يسأل: من يرتديه؟

الرجل لم يكن يملك مشرطًا سحريًا، بل كان يملك جرأة المرور من الباب الذي تركناه مفتوحًا. ربما بدأ بمساعدة، ربما راقب، ربما حفظ خطوات يشاهدها أي طالب في فيديو تعليمي، لكن الفارق بين المشاهدة والمعرفة كالفارق بين من يرى البحر ومن يغوص فيه.

هو غاص في أجساد الناس بثقة الجاهل، والجاهل إذا تجرأ كان أخطر من المتعمد.

من يداوي جرح الثقة إذا كان الطبيب هو من تسبب فيه؟

ثم يأتي السؤال التالي: ما شعور هؤلاء المرضى بعد علمهم بالقبض عليه؟

هنا تنكسر الكلمات.

تخيل أنك عشت شهورًا تظن أن الله أنقذك على يد طبيب ماهر. تستيقظ كل يوم، تلمس ندبة في صدرك، وتقول: الحمد لله. ثم تستيقظ ذات صباح على خبر يقول إن اليد التي فتحت قلبك لم تكن تعرف الفرق بين شريان ووريد إلا من كتاب قرأته ليلة أمس.

الصدمة الأولى ليست في الجسد، بل في اليقين.

يبدأ المريض رحلة جديدة من الأسئلة التي لا إجابة لها: هل ما أشعر به الآن من ألم هو من مضاعفات الجراحة أم من مضاعفات الخديعة؟ هل النجاح الذي أعيشه وهم آخر؟ هل أنا محظوظ لأنني نجوت، أم ضحية لأنني سلّمت أغلى ما أملك لمن لا يملك حق اللمس؟

بعضهم سيعيش في رعب وصدمة، يتحسس نبضه كل ليلة، ويخشى أن يكون الخلل قد زُرع في صدره، وينتظر لحظة الانفجار. وبعضهم سيغرق في غضب لا يجد له عنوانًا؛ غضب من نفسه لأنه لم يسأل، ومن المنظومة التي سمحت، ومن الحظ السيئ الذي جعله يختار هذا الباب دون غيره. وهناك من سيحاول أن يقنع نفسه بأن النتيجة أهم من الوسيلة، وأن قلبه يدق، وهذا يكفي.

القضية إذن ليست في شخص دخل غرفة عمليات بشهادة مزورة، بل فينا حين حوّلنا الشهادة إلى صنم، وحين جعلنا الثقة عمياء، وحين نسينا أن الطب علم لا يُكتسب بالجرأة.

والمريض الذي نجا من مشرط مزيف لم ينجُ من سؤال سيظل يطارده: من يداوي جرح الثقة إذا كان الطبيب هو من تسبب فيه؟

القبض على منتحل صفة طبيب لا يغلق الملف بل يفتحه

القضية أكبر من رجل دخل غرفة العمليات من باب الخداع. إنها جرس إنذار يخبرنا أن الثقة العمياء قاتلة، وأن الهيبة لا يجب أن تمنع السؤال، وأن حياة الإنسان أغلى من أن تُترك لورقة مزورة.

ربما نجا الجسد، لكن من يضمد جرح الثقة حين يكون الطبيب هو الطعنة؟

المعطف الأبيض سقط مرة، وعلينا نحن أن نرفعه من جديد؛ لا بالشعارات، بل برقابة لا تنام، وقانون لا يرحم، ووعي يقول لكل مريض: اسأل قبل أن تسلّم قلبك، لأن القلوب التي خُدعت مرة لا تحتمل الخديعة مرتين.

القبض على منتحل صفة طبيب لا يغلق الملف، بل يفتحه على سؤال أكبر عن المعايير التي تحمينا، وعن العيون التي يجب أن تظل مفتوحة حتى داخل غرف التعقيم، وعن حق المريض في أن يطمئن، لا إلى نجاح العملية فقط، بل إلى أن من أجراها يستحق أن يضع يده على قلبه.

لأن القلب لا يحتمل خديعة ثانية.

في النهاية، لا يُقاس حجم الجريمة بعدد الغرز التي خاطها مشرط مزيف، بل بعدد القلوب التي فقدت يقينها بعد أن ظنت أنها نجت. فالقبض على من ارتدى المعطف الأبيض كذبًا لا يعيد نبضة خائفة إلى اطمئنانها، ولا يمحو ليالي السؤال التي ستسكن صدور المرضى: هل ما زلت حيًا بفضل الصدفة أم القدر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى