
عزة الفشني تكتب: بين كرامة طهران وهيبة واشنطن الشرق الأوسط يختنق
يقف العالم اليوم بين أنفاس متقطعة وقلوب معلقة على خيط رفيع. أمريكا وإيران اللتان تعارفتا على العداء لعقود. تقتربان الآن من نقطة اللا عودة. ليس الأمر مجرد تصريحات نارية في الإعلام ولا مناورات في الصحراء. السماء فوق الخليج صارت سقفاٌ من توتر لا ينام.
قبل أسابيع كان هناك حديث عن هدنة وورقة تفاهم هشة تحاول أن تلملم ما تبقى من عقل. لكن الهدنة انهارت كما تنهار الجدران الرملية أمام الموج. عادت الغارات وعادت الصواريخ وعاد صوت الإنذار ليغطي على صوت العقل.
- مضيق هرمز يخنق العالم
مضيق هرمز لم يعد مجرد اسم على الخريطة. أصبح سؤالاٌ وجودياٌ. من يسيطر عليه يسيطر على رئة الإقتصاد العالمي. وعندما تم غلقه تحول النفط إلى خوف. وتحولت الأسعار إلى قلق. وتحول المدنيون حول العالم والبعيدين عن طهران وواشنطن إلى أسرى لهذا الصراع. البحر الذي كان يجمع صار يفرق. والماء الذي كان حياة صار يبتلع. السفن تتوقف والحسابات تتغير والعالم كله ينتظر من سيفتح الطريق ومن سيغلقه أكثر.
- خطاب البقاء في مواجهة خطاب الردع
في طهران يتحدثون عن بقاء وعن كرامة لا يمكن المساس بها. وفي واشنطن يتحدثون عن ردع وعن خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها. وكلاهما يرى نفسه صاحب الحق. وكلاهما يرى في الآخر خطراٌ لا يمكن احتماله. يتراكم الغضب فوق الغضب وتتراكم الذكريات القديمة من حروب وعقوبات وانقلابات فوق بعضها حتى صارت جبلاٌ لا يمكن تسلقه. يقولون إنهم لا يريدون الحرب، لكنهم يتصرفون كما لو كانت حتمية. يحشدون ويضربون ويردون، ثم يعودون ليقولوا إن الباب ما زال مفتوحاٌ للتفاوض.
المفارقة الغربية أن كلا الطرفين يعرف ثمن الحرب. ثمن لا يستطيع أحد دفعه. يعرف أنها لن تكون ضربة وتنتهي. ستكون جبهات مفتوحة ومدن مستهدفة واقتصاد عالمي ينهار وملايين يدفعون الثمن وهم لا ناقة لهم ولا جمل. ومع ذلك يمشون نحو الخطر خطوة تلو الأخرى. وكأن كل واحد ينتظر أن يتراجع الآخر أولاٌ. الخوف ليس من القرار فقط بل من الخطأ. من صاروخ يفقد البوصلة من لحظة غضب تقلب كل الحسابات.
- الأيام الحاسمة بين الدبلوماسية والإنفجار
الأيام القليلة القادمة هي التي ستحدد. إما أن يجد العقل طريقه وسط هذا الضجيج. وتعود أصوات الدبلوماسيين الباحثة عن حل سلمى لتعلو على أصوات القاذفات. وإما أن نشهد الشرارة التي ستحول المنطقة كلها إلى ساحة لا تهدأ لسنوات. السؤال ليس هل تريد واشنطن الحرب ولا هل تريدها طهران. السؤال الحقيقي هو هل يستطيع أحد أن يوقف قطار التصعيد قبل أن يخرج عن القضبان. لأن القطارات حين تخرج لا تسأل من الراكب ومن المتفرج.
نحن لسنا في حرب الآن لكننا لسنا في سلام أيضاٌ. نحن في تلك المنطقة الرمادية المخيفة التي تسبق العاصفة. حيث كل خبر صغير يصبح كبيراٌ وكل تصريح عابر يصبح إعلاناٌ وكل صمت يصبح تهديداٌ. التاريخ سيكتب لاحقاٌ من بدأ ومن رد. لكن التاريخ لن يسأل عن المنتصر. سيكتب فقط كم خسرنا جميعاٌ حين اختار الكبار أن يلعبوا بالنار فوق رؤوس الشعوب.
فى النهاية: وما بين كرامة طهران وهيبة واشنطن يقف الشرق الأوسط وحيداٌ يدفع الثمن. يدفعه بدماء أبنائه وبخوف أمهاته وبقوت يومه الذي يرتفع مع كل تصريح ناري. يدفعه ببحر كان مصدر رزق فصار ساحة تهديد، وبسماء كانت مفتوحة فصارت ممتلئة بالطائرات.
لا طهران ستنتصر بانكسار الآخر. ولا واشنطن ستخرج مرفوعة الرأس إن احترقت المنطقة. ففي حروب الكبرياء لا يوجد منتصر. يوجد فقط خراب يبقى لعقود. وأجيال تكبر على الكراهية وجراح لا يضمها اتفاق ولا يمحوها توقيع.
التاريخ لن يسأل من كان صاحب الحق. سيسأل فقط لماذا إختار الكبار أن يلعبوا بالنار فوق بيوتنا. ولماذا قدموا الهيبة والكرامة على أرواح الملايين.
والحقيقة المرة أن الشرق الأوسط دفع دائماٌ ثمن معارك لم يخترها. لكن هذه المرة الثمن قد يكون أكبر من أن يحتمل. فإن لم ينتصر العقل اليوم فلن يبقى غداٌ شيء اسمه إنتصار.
لأن الحرب حين تبدأ لا تفرق بين من بدأها ومن إكتوى بنارها.



