
قراءة في زيارة الزيدي الى الولايات المتحدة
د. هاني الحديثي
تعددت واختلفت وتناقضت التقييمات لزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي للولايات المتحدة وأغلبها ركزت منذ البداية على طبيعة اللقاء البروتوكولي بين الزيدي والرئيس ترامب رغم ان الزيارة كانت في بداياتها و بانتظار ما ستسفر عنه وفق جدول الأعمال وطبيعة الاتفاقيات الاقتصادية الموعودة و الشراكات الاستراتيجية مستقبلا مع الولايات المتحدة ودور العراق ومستقبله .
الان وقد انتهت الزيارة وتم توقيع العشرات من اتفاقيات التعاون وفي جميع المجالات يمكن العودة والتأكيد على اساسيات منها :
1-للأسف وبصراحة فان العراقيين لم يعودوا متفقين على اي شي وطني عام ، فكيف الحال بالفرعيات والخصوصيات ،انما كل ينطلق من خلفيته وتجربته الشخصية دينيا وعرقيا وأيديولوجيا وهي من اخطر ظواهر التحليل للمجتمع العراقي الذي بات بوضوح يفتقد المشتركات الوطنية غالبا .لذلك فان الزيارة منذ البداية وحتى الان ظلت ينظر لها من زوايا تفتقر غالبا للبعد الوطني انما كل ينظر لها من زاويته بين رافض لها ولنتائجها وبين مشجع ومؤيد ، وبين صامت لايعرف ماذا يريد !
الاهم من ذلك برأيي في هذا اللقاء ان الزيدي اكد بانه ينظر لمستقبل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة كأهم شريك اقتصادي استراتيجي يستطيع ان يشارك بإعادة بناء ماتم تدميره في العراق على مدى عقود ، وتجاهل احداثيات الماضي ،
وانه يسعى لعراق خال من الفصائل المسلحة رابطا بين حل الفصائل والانسحاب الأمريكي من العراق في سبتمبر كما اكد ترامب نفسه حين اكد ان لاداعي لبقاء القوات الأمريكية في العراق كحل توفيقي بين الإرادات المتناقضة، وتحويل العلاقات مع الولايات المتحدة الى شراكات اقتصادية أستراتيجية وهو امر له الأولوية كان يفترض تحقيقها منذ عقد التسعينات !!! .
2- أن العراق يمكن ان يلعب دوره ضمن محيطه الاقليمي العربي بشكل خاص وهو امر ننتظر ملامحه في ضوء المتغيرات الخطيرة اقليميا .وان المتابعة لتطورات العلاقات والمصالح اقليميا ودوليا ترشح حدوث متغيرات اقليمية حاسمة تستوجب من العراق ان تكون له ادارة حازمة ووطنية تستطيع ان تضعه في موقعه الذي يستحقه كمحور اقليمي مهم وفاعل للاعتبارات الجيوبولتيكية (رابط أساسي بين آسيا و اوروبا وعقدة استراتيجية بين الشرق و الغرب ) والقدرات الاقتصادية (موارد تنتظر حسن الإدارة والاستثمار ) ،يتفاعل مع محيطه العربي المشرقي بالدرجة الاساس لينطلق منه في تحديد علاقاته الاقليمية مع بلدان الجوار الاسلامية .
ثالثا : أن النظام السياسي العراقي لن يستقر دون علاقات متوازنة يكرس دور الدولة بدلا من محاصصات سلطة المجاميع المسلحة التي خطفت دور الدولة ورهنت البلاد لأجندة خارجية و نهبت المال العام ،وبالتالي فان مكافحة الفساد تصبح هدفا استراتيجيا ، و وجود طروحات تأخذ بنظر الاعتبار اعادة ترتيب العلاقات الداخلية ضمنها استعادة المحافظات الأساسية الكبرى مثل محافظة نينوى هويتها الوطنية والتاريخية بعيدا عن التهميش والإقصاء والاستيلاء والتهجير ، واستعادة الثقة في العلاقات مع اقليم كردستان وفق الاطر الدستورية بما يحقق وحدة الولاء للهوية الوطنية الجامعة بدلا من الرؤى المحدودة والضيقة التي قادت نحو تهميش الولاء الوطني لصالح الولاءات الفرعية .
تاسيسا على ماتقدم فأن بعض الانتقادات التي توجه للزيارة حتى قبل معرفة نتائجها لايعد امرا منطقيا ولا عقلانيا ولا واقعيا خاصة ان بعضها يطلب منه ان يكون ابو زيد الهلالي او عنترة بن شداد في اللقاء دون ان يتوقف عند نتائج وتداعيات قرارات من لعب هذا الدور على امتداد سبعة عقود مضت فلا (عنترة انتصر ولا عبلة فازت بقلبها ) لينتهي الوطن والقادة في غياهب المجهول .
صحيح ان تاريخ العراق كله شهد زعامات عظيمة لها دورها في صنع التاريخ ، ولكن الصحيح ايضا ان لكل مرحلة ظروفها ومتغيراتها المختلفة ، وان العراق الان يمر في اوهن حالاته وانه مثقل بأعباء كبيرة تهدد وجوده ومستقبله بعد ان رهن قراره الداخلي بايدي مافيات وعصابات لايهمها من العراق إلا طريقة نهبها المال العام من خلال سياسات التجهيل والتهميش الداخلي على أسس الهويات الفرعية وبرعاية ودعم قوى اقليمية لايهمها من الأمر إلا بقاء العراق مهمشا ضعيفا وسوقا استهلاكيا لمنتجاتها .
تاسيسا على ماتقدم فان الأولويات في تقييم الزيارة و منهج الزيدي والتي على اساسها يتم الحكم على أداءه انما يبنى على ماياتي :
اولا :استمرار الزيدي وبشكل اعمق وأكثر شمولا ودون هوادة ودون استثناءات في إلقاء القبض على الفاسدين سواءا في الداخل او الهاربين منهم خارج البلاد وتسليمهم للقضاء وإجراء محاكمات علنية لهم ليعرف العراقيين(ومن حقهم الطبيعي وواجب الحكومة اتجاههم ) حقيقة وطبيعة الأشخاص الذين نهبوا أموالهم وأفقروا بلادهم وارتكبوا الخيانة العظمى في الولاء لبلاد اخرى غير بلادهم . ان منظومة السرقة والفساد ليست حالات فردية انما هي منظومة لها رؤوس مافيات واليات عمل وقواعد واسعة لم تترك مفصلا للدولة والمجتمع إلا ودخلته ،لذلك فان الاستمرار وإلقاء القبض على زعماء المافيات يبقى شرطا اساسياً للنجاح في استعادة العراق المخطوف في هويته وادارته .
ثانيا :التزام منهج نزع السلاح من الفصائل المسلحة غير الرسمية والاكتفاء بالقوات المسلحة المنصوص عليها بالدستور وحل جميع المؤسسات الأخرى التي شاركت بنهب المال العام واشاعة الفتن الداخلية . ان القرارات الحازمة والحاسمة والواضحة قانونيا وإداريا مطلوبة وهي التي تمنح الحكومة شرعيتها وتؤكد مدى نجاحها وجديتها من التكتيكات المؤقتة والمظاهر السطحية .
ثالثا :اعتماد برنامج تنموي واسع النطاق يجعل الاقتصاد العراقي متنوع في مصادر الدخل القومي بدلا من سياسة الاقتصاد الريعي وذلك يتطلب بالضرورة اعتماد الشركات الأجنبية في اعادة إعمار البلاد من خلال سياسة استثمارية واسعة النطاق توفر للعراق أقصى مدى من الخدمات التعليمية والصحية وتوفير الطاقة والكهرباء التي شكلت احد مصادر اذلال الشعب العراقي منذ الاحتلال على يد سراق المال العام مترافقا مع تراكم الأموال المهدورة في جيوب الشركات الداخلية الوهمية التابعة للفاسدين من السياسيين .
أن اعتماد تعددية منافذ التوزيع مع بلدان الجوار العربية المحيطة بالعراق والدول الأخرى وإعداد الطرق البرية والسكك الحديدية و انابيب النقل للبترول وتنويع مصادر الدخل ضمنها تطوير مصانع البتروكيمياويات والغاز ،صارت شرطا اساسياً لتنويع الاقتصاد الوطني وهو الأمر الذي يتطلب اعتماد أهل الخبرة والكفاءة في جميع ميادين وحقول مؤسسات الدولة بدلا من اعتماد اشخاص لاقيمة لهم إلا في دعمهم من احزابهم التي لاصلة لها بفن ادارة الدولة وممارسة الحكم وخاصة تلك الاحزاب الدينية وهذا يشمل أسس اختيار الوزراء والمدراء والموظفين الأساسيين في عموم مفاصل الدولة .
رابعا : كشف الذمم المالية لجميع من تولى المسؤولية في الرئاسات الثلاث منذ الاحتلال وحتى الان وبشكل حاسم لايقبل المجاملات ولا يخضع لسياسات التهديد الداخلية او الخارجية .
خامسا :احترام العلم العراقي وسيادة الدولة من خلال اعادة تنظيم العلاقات مع جميع بلدان الجوار. ومنع الشخصيات الأجنبية من الدخول والخروج من العراق وكانه محافظة تابعة لهم يدخلونها ويلتقون من يرغبون اللقاء بهم دون علم السلطات الرسمية ،وان يتم ذلك وفق المعتمد من القوانين الدولية في تحديد العلاقات الدولية وضمنها مراسم حركة السفراء وتبادل العلاقات الرسمية .
ان ماتقدم شيء مما ننتظره وننتظر البدء به منذ الان بعد إتمام الزيارة والتوقيع على مجموعة مهمة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية والتي تتطلب اجهزة فنية ورقابية ومهنية بعيدا عن المحاصصات الحزبية والنفعية المهينة للبلاد وشعبها .
دون ذلك فان لكل مقام مقال .


