أخبار الشرق

هنري بركات… شيخ المخرجين وشاعر الشاشة الفضية

في مثل هذا اليوم، 11 يونيو 1914، وُلد المخرج الكبير هنري بركات، أحد أهم رواد السينما المصرية والعربية، وصاحب البصمة التي لا تخطئها العين في تاريخ الفن السابع.

لم يكن بركات مجرد مخرج عبر من خلف الكاميرا، بل كان شاعرًا بصريًا يعرف كيف يمنح الصورة روحًا، وكيف يحوّل الحكاية البسيطة إلى وجدان خالد في ذاكرة الجمهور.

وُلد هنري بركات في حي شبرا بالقاهرة، لأسرة ذات أصول لبنانية. درس في مدرسة الفرير، ثم التحق بكلية الحقوق، لكنه لم يجد نفسه بين دفاتر القانون وقاعات المحاكم.

كان قلبه معلقًا بعالم آخر؛ عالم الضوء والظل، الكاميرا والمونتاج، الوجوه التي تحكي، واللقطات التي تعيش أطول من أصحابها.

بعد حصوله على ليسانس الحقوق، سافر إلى باريس وفي داخله حلم واضح: أن يتعلم السينما من منابعها. لم تكن الفرصة متاحة أمامه للدراسة الأكاديمية المنتظمة، لكنه اختار طريقًا آخر لا يقل عمقًا؛ دخل الاستديوهات، اقترب من الفنيين، شاهد عشرات الأفلام، قرأ آراء النقاد في المجلات المتخصصة، واقتنى كتب السينما، وتدرّب على فن المونتاج. هناك، لم يتعلم فقط كيف تُصنع الأفلام، بل كيف تُبنى الحساسية الفنية للمخرج.

عاد إلى مصر حاملًا شغفه، وبدأ رحلته مساعدًا للإخراج، قبل أن تلتقط موهبته المنتجة والفنانة آسيا داغر، كانت تبحث عن مخرج جديد لفيلمها بعد أن انشغل أحمد جلال وماري كويني بتأسيس مشروعهما السينمائي، فاختارت الشاب هنري بركات ليخرج فيلم “الشريد” عام 1942، وكانت تلك اللحظة بداية طريق طويل سيغيّر شكل السينما المصرية.

ومنذ تلك البداية، أخذ بركات ينسج عالمه الخاص. أُطلق عليه لاحقًا لقب شيخ المخرجين، ووالد السينما الرومانسية، وشاعر الشاشة الفضية؛ ألقاب لم تأتِ من فراغ، بل من مسيرة امتدت لأكثر من نصف قرن، قدّم خلالها عشرات الأعمال التي صارت جزءًا أصيلًا من وجدان المصريين والعرب.

تميّز هنري بركات بقدرته النادرة على التنقل بين الأنواع السينمائية دون أن يفقد روحه الخاصة. أخرج الكوميديا والتراجيديا والرومانسية والدراما الاجتماعية والأفلام الغنائية، لكنه ظل في كل مرة وفيًّا لحسّه الإنساني العميق. كان يرى الإنسان قبل الحدث، والوجع قبل الصراع، والمشاعر قبل الحبكة.

وخلال مسيرته، أخرج ما يقرب من 95 فيلمًا سينمائيًا، بينما يُنسب إليه إرث فني يزيد على مئة عمل، تعاون فيها مع كبار نجوم السينما المصرية، وترك من خلالها علامات لا تُمحى في تاريخ السينما الكلاسيكية.

لم يكن تقدير هنري بركات محليًا فقط، بل تجاوزت أفلامه الحدود. فقد ترشح في مهرجان برلين عام 1959 بفيلمي “حسن ونعيمة” و**“دعاء الكروان”**، كما ترشح للسعفة الذهبية في مهرجان كان عام 1965 عن فيلمه “الحرام”، وفاز فيلمه “الباب المفتوح” بجائزة أفضل فيلم في مهرجان جاكارتا عام 1964. كما نال تقديرات وتكريمات من مهرجانات دولية عدة، منها مهرجان فالنسيا، ومهرجان الإسكندرية، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

وفي مصر، تُوّج مشواره بجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1995، في اعتراف مستحق بمخرج لم يصنع أفلامًا فحسب، بل صنع ذاكرة كاملة من الصور والمشاعر والوجوه واللحظات.

رحل هنري بركات في 23 فبراير 1997، عن عمر ناهز الثالثة والثمانين، وأُقيمت مراسم جنازته في كنيسة السيدة العذراء للسلام على ضفاف النيل، في وداع يليق برجل عاش للفن، وترك خلفه شاشة لا تزال مضاءة بأثره.

سيبقى بركات واحدًا من أولئك الذين لم تمر أسماؤهم على السينما مرورًا عابرًا، بل سكنوها. مخرجًا عرف أن الكاميرا ليست آلة تصوير فقط، بل عينٌ تحب، وقلبٌ يتأمل، وذاكرةٌ تحفظ ما يعجز الزمن عن محوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى