
أمينة العناني: صور باهتة
تمر الذكريات أمام أعيننا سريعا، خاصة عندما يحدث أمامنا مشهد يعيد إلى أذهاننا مشاهد قديمة من حياتنا.. بعض الذكريات سعيدة مبهجة وبعضها مؤلم.. لكنها تظل دائما جزء من روحنا لا تنفصل عنها إلا بإنتهاء الحياة..
كانت تتصفح هاتفها قبل النوم.. اختارت معرض الصور.. تبحث عن صور جديدة تضعها على حالتها في إحدى تطبيفات التواصل الاجتماعي، كان هناك ألبوم خاص تخشى دائما أن تراه، لا تتحمل أن ترى الصور المخبأة بداخله، فدائما ما ينتهي الأمر بالدموع والأسى.. لكن في هذه الليلة شعرت أنها تريد أن تقتحم هذا العالم المؤلم وتعيد مع روحها هذه المشاعر التي أجبرتها الظروف أن تتخلى عنها، كانت تبحث عن سلوى في هذا الفراغ اللا متناهي داخلها..
أكدت لنفسها إنها ربما تجد فيها بعض الإجابات على أسئلة مبهمة المعنى تجول دائما بخاطرها حتى الآن .. الألبوم يحتوي على مئات الصور، كلا منها له حكاية ورواية.. تضج جميعها بالحياة والسعادة.. تروي كل صورة منها ذكري محببة في مكان ما.. ألوان الصورة تبدو مشرقة مفعمة بآلاف الكلمات.. سالت دموعها على وجهها دون أن تدري وهي تتذكر التفاصيل.. كم كانت صادقة تلك اللحظات.. كم كانت جميلة.. وتساءلت كيف تحولت هذه الصور المشرقة إلى صور باهتة داخل الألبوم..
” إن حلي زادك كله كله.. مسيرك يوم تتحرم منه”.. تذكرت جيدا هذه الكلمات البسيطة التي كانت دائما ما ترددها جدتها ، كانت تحفظها جيدا وكانت تطبق معناها غلى كل ما تمر به في حياتها .. وأكتشفت مع الأيام أن الأمر لا ينطبق على الطعام فقط بل ينطبق على كل ما نمر به في حياتنا.. لذلك كانت دائما ما تعيش اللحظة التي تمر بها بكل تفاصيلها بعمق وحب لأنها كانت على يقين إنها لن تتكرر ثانية وإن تكررت فلن تكون بنفس مذاقها أو معناها..
دققت النظر في صور الألبوم المحرم مرة آخرى.. كان يبدو جليا في تفاصيل كل صورة أنها طبقت كلمات جدتها بحذاقيرها.. تبدو سعيدة مشرقة تملأ الضحكات عينها وقلبها,, تطفي نور براق على ملامحها.. لا يبدو عليها خوف أو توتر أو قلق.. كانت هناك أبدية فيها.. معاني تؤكد كلها أنها ستستمرإلى ما لا نهاية.. عالم وردي مبهج تمكن من أن يطفو بها من عالمنا المادي المؤلم إلى عالم آخر يسبح في السماء أو ربما في نهر صافي يمتزج فيه لون السماء بألوان البحر.. مع الدموع شعرت بالسعادة.. وجدت أن كل ما تنطق به الصور كان حقيقة.. نعم هي أحداث مرت بها وعاشتها بسعادة لحظة بلحظة…
جالت بخاطرها كلمات وأحداث ولمسات وذكريات ومشاعر.. كلها مبهجة.. كلها حياة.. قالت: أنا كنت هناك.. كانت هذه حياتي.. وسأظل هناك وستظل هذه حياتي حتى النهاية..
هل وجدت إجابات على أسئلتها المعلقة!! لا لم تجد.. أقتنعت أخيرا أن هناك من الأمور ما يجب أن يظل غامض مبهم، ربما هذا الأفضل.. في الحقيقة هي لاتريد إجابة.. أكدت لنفسها أن العالم من حولها لم يذق طعم هذه اللحظات السعيدة المبهرة التي عاشتها.. هي نفسها لم تذق طغمها من قبل.. أغلقت ألبوم الصور.. أغلقت هاتفها.. استسلمت مرة آخرى للفراغ المؤلم.. لكن هذه المرة عاهدت نفسها أن لا تزور هذا الألبوم إلا عندما تكون حزينة.. لأن هذه الصور الباهتة تمكنت ببساطة من تغيير حزنها وألمها إلى سعادة و.. حياة.
بسم الله الرحمن الرحيم
” ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾
صدق الله العظيم


