
عزل كريم خان.. هل تبدأ عملية تفكيك الجنائية الدولية؟
د. عماد عنان
في خطوة لم تكن مفاجئة بشكل كبير، صوّتت أغلبية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، الجمعة 24 يوليو/تموز الجاري، لصالح عزل المدعي العام للمحكمة كريم خان، حيث أيدت القرار 82 دولة من إجمالي 125 دولة، بما يتجاوز الأغلبية المطلقة اللازمة لاعتماده، والمقدرة بـ63 صوتًا.
القرار جاء على خلفية اتهامات وُجهت إلى خان قبل فترة بـ«سوء سلوك جنسي» تجاه إحدى الموظفات، وهي الاتهامات التي ينفيها المدعي العام وفريق دفاعه الذي أعلن عزمه الطعن في قانونية قرار العزل، مؤكدًا اللجوء إلى جميع المسارات القضائية المتاحة من أجل إبطاله.
غير أن الخطوة سرعان ما تجاوزت سياقها الظاهري المرتبط بالاتهامات المنسوبة إلى خان، لتثير تساؤلات أوسع بشأن توقيتها وصلتها بالقرارات التي اتخذتها المحكمة الجنائية الدولية مؤخرًا، ولا سيما مذكرتي اعتقال رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.
كما فتحت بابًا واسعًا أمام التساؤل عن مستقبل ملفات المساءلة الدولية، وطبيعة الدور الذي تؤديه المحكمة، ومدى قدرتها على الحفاظ على استقلالها في مواجهة الضغوط السياسية.. فما التداعيات المحتملة لعزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على قراراتها وأدائها ومستقبل العدالة الدولية؟
من مذكرة الاعتقال للتصويت على العزل
مرّ مسار عزل خان بسلسلة طويلة من الإجراءات والضغوط امتدت قرابة عامين، بدأت أولى محطاته حين تعرض لانتقادات حادة عقب طلبه، في 20 مايو/أيار 2024، إصدار مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، إلى جانب ثلاثة من قادة حركة حماس، وهو التحرك الذي أدخله مبكرًا في مواجهة سياسية مباشرة مع واشنطن وتل أبيب.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، كشفت المحكمة أنها تلقت تقارير تتضمن اتهامات له بسوء السلوك تجاه إحدى الموظفات، مؤكدة إحالة الأمر إلى آلية الرقابة المستقلة، وفي الشهر التالي، قررت الهيئة المشرفة على المحكمة فتح تحقيق خارجي، بدلًا من الاكتفاء بالمسار الداخلي، بهدف ضمان استقلال التحقيق وحياده، فيما تولى مكتب الأمم المتحدة لخدمات الرقابة الداخلية إجراءه.
وفي ظل استمرار التحقيق، أصدرت الدائرة التمهيدية في المحكمة، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وهو ما وضع خان في مرمى الضغوط الأميركية بصورة أكثر مباشرة، فبعد أقل من ثلاثة أشهر، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على المحكمة، وأدرج المدعي العام للمحكمة بالاسم ضمن المشمولين بها.
وأمام تصاعد الضغوط الإعلامية والمؤسسية، أعلن خان في مايو/أيار 2025 حصوله على إجازة مؤقتة إلى حين انتهاء التحقيق الخارجي، من دون أن يقدم استقالته رسميًا، فيما تولى نائبا المدعي العام، نزهت شميم خان ومام ماندياي نيانغ، قيادة مكتب الادعاء وإدارة ملفاته خلال فترة غيابه.
وبعد نحو 18 شهرًا من التحقيقات، قرر مكتب جمعية الدول الأطراف في المحكمة، في 8 يونيو/حزيران 2026، إيقاف خان عن العمل، بعدما خلص التحقيق، وفق ما أُعلن، إلى وجود أساس للاتهامات المنسوبة إليه، فيما أُحيلت نتائج المسار التأديبي إلى الدول الأطراف تمهيدًا للتصويت على استمراره في منصبه أو عزله.
وبالتزامن مع هذا القرار، أعلنت هيئة معايير المحامين البريطانية، في 19 يونيو/حزيران 2026، إيقاف خان مؤقتًا عن مزاولة مهنة المحاماة، إلى حين استكمال الإجراءات والتحقيقات المتعلقة بالقضية، فيما بدا اتساع دائرة الضغوط التي يتعرض لها المدعي العام.
وفي 24 يونيو/حزيران 2026، أوصى المكتب التنفيذي للهيئة المشرفة على المحكمة بعزل خان، بعدما اعتبر، استنادًا إلى الوثائق ونتائج التحقيق، أنه ارتكب سوء سلوك جسيمًا وإخلالًا جسيمًا بواجباته، وتقرر عرض التوصية على الدول الأطراف خلال جلسة خاصة عُقدت في 24 يوليو/تموز، وانتهت بتصويت غالبية الأعضاء لصالح عزله.
ولم يلتزم خان وفريق دفاعه الصمت إزاء القرار، إذ قال فريقه القانوني إن الإجراءات شابتها مخالفات، معلنًا عزمه الطعن فيها عبر جميع المسارات القضائية المتاحة، وفي الوقت نفسه، بدأت إجراءات اختيار مدعٍ عام جديد، مع استمرار نائبي المدعي العام في قيادة مكتب الادعاء إلى حين تعيين خلفٍ له.
ضغوط سياسية
بعيدًا عن الاتهامات المنسوبة إلى خان، يصعب قراءة التصويت على عزله، وبهذه النسبة الكبيرة من أصوات الدول الأعضاء، بمعزل عن الضغوط السياسية التي تعرض لها طوال العامين الماضيين، منذ تحرك المحكمة لإصدار مذكرتي اعتقال بحق رئيس حكومة الاحتلال ووزير دفاعه، وهي الضغوط التي عبّرت عنها واشنطن وتل أبيب علنًا ومن دون مواربة.
فعلى الجانب الأميركي، أعلنت واشنطن بصورة مباشرة عزمها شن حملة دبلوماسية جديدة ضد المحكمة الجنائية الدولية، التي ترى أنها تمثل تهديدًا لسيادتها ولمسؤوليها وحلفائها، وعليه فرضت عقوبات على 11 قاضيًا ومسؤولًا في مكتب الادعاء بالمحكمة، من بينهم خان، في ترجمة عملية لحجم الضغوط التي تتعرض لها المحكمة بصفة عامة، والمدعي العام بصفة خاصة، ما أثار تساؤلات بشأن قدرة المؤسسة على ممارسة مهامها باستقلال في ظل التهديد بالعقوبات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
أما على المستوى الإسرائيلي، فقد نقل مراسل موقع «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي أن وزير الخارجية جدعون ساعر والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية حول العالم كثفوا، خلال الأيام التي سبقت التصويت، اتصالاتهم لحشد أكبر عدد ممكن من الدول لدعم عزل المدعي العام، أو على الأقل دفعها إلى الامتناع عن التصويت.
ويعكس هذا التحرك أن جلسة الجمعة سبقتها عملية حشد دبلوماسي وسياسي واسعة، وأن مواقف عدد من الدول ربما تشكلت قبل انعقادها بفترة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عدة عن مدى تأثير تلك الضغوط في نتيجة التصويت، وما إذا كان القرار قد استند بصورة أساسية إلى نتائج التحقيقات، أم تداخلت معه حسابات سياسية مرتبطة بمواقف خان والمحكمة من الحرب الإسرائيلية على غزة.
وبذلك، لم يعد عزل خان يُقرأ باعتباره إجراءً تأديبيًا داخليًا فحسب، بل بوصفه حلقة جديدة في المواجهة بين المحكمة الجنائية الدولية من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، خاصة في ظل سعيهما المعلن إلى تقويض مذكرتي الاعتقال والحد من قدرة المحكمة على ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين.
تقويض العدالة الدولية.. ما التداعيات؟
لا يتوقف أثر هذا القرار عند حدود الإطاحة بخان من منصبه، ولا عند مستقبله المهني والسياسي بعد مغادرة المحكمة، بل يمتد إلى ملفات وزوايا أخرى تضع مستقبل العدالة الدولية والقضاء الجنائي الدولي على المحك، فضلًا عن التداعيات المحتملة على دور المحكمة واستقلاليتها وقدرتها على أداء مهامها.
فالجدل يتجاوز شخص المدعي العام إلى مستقبل الملفات التي تنظر فيها المحكمة، ومدى قدرتها على الحفاظ على الحياد والاستقلال في ظل الضغوط السياسية المتصاعدة التي تتعرض لها، والتي انتهت بالإطاحة برئيس مكتب الادعاء ودفع عدد كبير من الدول الأعضاء إلى التصويت لصالح عزله.
ومن الناحية المؤسسية، يُتوقع أن يؤدي العزل إلى حالة من الارتباك داخل مكتب الادعاء إلى حين اختيار مدعٍ عام جديد، وهو ما قد ينعكس على وتيرة العمل في بعض الملفات الاستراتيجية والحساسة، وربما يفتح الباب أمام مراجعة طريقة التعامل معها وأولوياتها، كما قد تثار علامات استفهام بشأن استمرارية جمع الأدلة، وحماية الشهود، وإدارة التحقيقات، والرد على الطعون المقدمة أمام دوائر المحكمة، مما يثير شكوكًا واسعة بشأن مدى استقلال القضاء الجنائي الدولي، وقد يضعف الدور الذي تؤديه المحكمة الجنائية الدولية في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإنصاف الضحايا والدفاع عن القضايا الإنسانية.
كما يضع القرار منظومة العدالة الدولية برمتها أمام اختبار بالغ الصعوبة والحساسية؛ إذ قد يُنظر إلى عزل خان باعتباره انتصارًا للضغوط السياسية على استقلال المؤسسات القضائية الدولية، وهو ما يتقاطع مع المساعي الأميركية المعلنة لتقويض دور المحكمة والحد من قدرتها على التحرك، ومحاولة إخضاعها لحسابات واشنطن ومقارباتها السياسية، رغم أن الولايات المتحدة ليست من الدول الأعضاء فيها.
مستقبل القرارات الصادرة
من الناحية القانونية، لا يترتب على عزل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أي أثر مباشر على القرارات التي أصدرتها المحكمة خلال فترة توليه المنصب؛ إذ إن هذه القرارات لا تصدر عن المدعي العام بصفته الشخصية، وإنما تصدر عن دوائر قضائية مستقلة بعد دراسة طلبات الادعاء، وفحص الأدلة المقدمة، وإجراء مراجعات قانونية وإجرائية دقيقة.
وبناءً على ذلك، تظل القرارات الصادرة عن المحكمة، بما فيها مذكرات الاعتقال، قائمة ونافذة ما لم تقرر الدوائر القضائية المختصة تعديلها أو إلغاءها وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، ولا يمكن أن يكون مجرد خروج المدعي العام من منصبه سببًا قانونيًا لإسقاط تلك القرارات، إذ إن تغييرها يتطلب وجود أسباب موضوعية، مثل ظهور مستجدات جوهرية تؤثر في أساس القضية، أو ثبوت خلل مؤثر في الإجراءات أو الأدلة، أو قبول طعون يقدمها المتهمون وفق الأطر القانونية المعتمدة.
لكن على الجانب الآخر، فإن عزل المدعي العام قد يمنح الدول المناهضة للمحكمة فرصة جديدة للتشكيك في مصداقيتها، والطعن في حيادها واستقلالها، وممارسة ضغوط سياسية على الدول الأعضاء بهدف إعادة النظر في بعض قراراتها أو الحد من تنفيذها.
وهنا تجد العدالة الجنائية الدولية نفسها أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فإذا نجحت المحكمة في الحفاظ على استقلال مؤسساتها، واستمرار التحقيقات، والإبقاء على قراراتها القضائية بعيدًا عن التأثيرات السياسية، فإن ذلك سيعزز مكانتها ويرسخ مبدأ خضوع الجميع لقواعد القانون الدولي، أما إذا خضعت للضغوط السياسية أو تراجعت عن أداء دورها تحت تأثير تلك الضغوط، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع ثقة الضحايا والدول الأعضاء في قدرتها على تطبيق القانون بصورة مستقلة ومتساوية، بما ينعكس سلبًا على سمعتها الدولية، وقدرتها على أداء مهامها مستقبلًا، ومدى الالتزام بتنفيذ قراراتها.
ماذا عن مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت؟
يفرض التصويت على عزل خان سؤالًا رئيسيًا: ما مصير مذكرتي اعتقال نتنياهو وغالانت؟ وهل يمكن التراجع عنهما أو إعادة النظر في تنفيذهما؟.. للإجابة عن هذا السؤال، يمكن الرجوع إلى المادة 58/4 من نظام روما الأساسي، التي تنص على أن مذكرة الاعتقال تظل نافذة إلى أن تأمر المحكمة بخلاف ذلك، وهذا يعني أن جمعية الدول الأطراف، وكذلك المدعي العام الجديد، لا يملكان منفردين إلغاء المذكرتين أو تعديلهما، إذ يتطلب الأمر قرارًا قضائيًا صادرًا عن الدائرة المختصة داخل المحكمة.
ومع ذلك، تكمن الخطورة في الإجراءات والضغوط التي قد تُمارس للتأثير في قوة المذكرتين أو فرص تنفيذهما، فقد تسعى تل أبيب، مستفيدة من قرار عزل خان، إلى التشكيك في سلامة الإجراءات والأدلة التي استند إليها القضاة عند إصدار القرار، أو الدفع بأن سوء السلوك المنسوب إلى المدعي العام يثير الشكوك بشأن طريقة إدارة الملف والتحقيقات المرتبطة به.
وقد تحاول إسرائيل كذلك الطعن في نزاهة إجراءات الادعاء، أو الادعاء بوجود إساءة لاستخدام السلطة، بما يفتح الباب أمام طلب مراجعة بعض الأدلة أو الإجراءات، غير أن نجاح مثل هذا المسار يتطلب إثبات وجود خلل جوهري ومباشر أثّر في القضية، ولا يكفي فيه مجرد عزل المدعي العام أو توجيه اتهامات شخصية إليه.
وهناك مسار آخر قد تلجأ إليه تل أبيب بدعم من واشنطن، يتمثل في إضعاف مذكرتي الاعتقال سياسيًا إذا تعذر إسقاطهما قانونيًا، من خلال الترويج لفكرة أن عزل خان بسبب سوء السلوك يلقي بظلال من الشك على الطلبات والتوصيات التي قدمها خلال فترة توليه المنصب، وقد ينعكس هذا الضغط السياسي وحملات التشكيك في مسارين محتملين، أولهما محاولة دفع القضاة إلى إعادة فحص الملف إذا ظهرت أدلة أو وقائع جديدة ذات تأثير جوهري، وثانيهما إبطاء التحقيقات والإجراءات المقبلة، وتقليص أولوية الملف داخل المحكمة، إلى جانب الضغط على الدول الأعضاء لعدم تنفيذ مذكرتي الاعتقال.
وبذلك، قد تظل المذكرتان نافذتين على الورق من الناحية القانونية، لكنهما تواجهان خطر الإفراغ من مضمونهما عمليًا إذا تراجعت الدول عن التعاون مع المحكمة أو تأخر تنفيذ القرار إلى أجل غير معلوم، مع المضي قدمًا في مسار تشويهما مما يُبقي الضغط مستمرًا إلى أن يتلاشى الملف تدريجيًا من على جدول اهتمامات المحكمة.
في المحصلة، يضع قرار عزل خان، وما سبقه من ضغوط سياسية مارستها واشنطن وتل أبيب على الدول الأعضاء في المحكمة، منظومة العدالة الدولية برمتها أمام اختبار بالغ الحساسية، فالقانون الدولي يقف اليوم عند مفترق طرق، إما أن ينتصر لمبادئه المعلنة ويحافظ على استقلال مؤسساته الرمزية، أو يسقط في فخ التسييس والانتقائية، فيفقد حضوره ومصداقيته وثقة الضحايا في قدرته على إنصافهم ومحاسبة مرتكبي الجرائم.
وبين هذين المسارين، قد تتحقق تحذيرات رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، من أن النظام الدولي القائم بدأ يدخل مرحلة الأفول، وأن العالم بات على أعتاب نظام جديد تتراجع فيه سلطة القانون الدولي، وتتقدم عليه موازين القوة والمصالح السياسية، بما لا يترك للعدالة سوى حضور هامشي أمام إرادة القوى الكبرى.
(نون بوست)



