
خطوة لا صدمة: كيف ينجح طريق التنوير؟
خالد فياض – باحث في الشئون العربية
في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً في إحدى قرى الوجه البحري شمال القاهرة، وُلدت شخصية فكرية رائدة اعتُبرت تاريخياً “أبو الليبرالية العربية” وأحد أبرز رواد حركة النهضة والتنوير في الوطن العربي، وهو الأستاذ أحمد لطفي السيد. تقلّد الرجل مناصب سياسية وفكرية عديدة في مصر، لكن بداياته السياسية شهدت واقعة لافتة تستحق أن تُروى وتُتأمل.
قرر لطفي السيد، وهو يومها المفكر الأكبر والتنويري الأشهر في قريته، أن يخوض الانتخابات التشريعية أمام أبناء بلدته. ونافسه رجل من أثرياء القرية، جمع ثروته من تجارة الأغنام. احتدم التنافس بين الرجلين، فلجأ تاجر الأغنام إلى سلاح “صدمة الوعي المجتمعي”: أشهر على منافسه تهمة أنه “رجل ديمقراطي”، وأقنع أهل القرية بأن الديمقراطية فكرة دخيلة أتت من الغرب “الكافر”، وأن من يؤمن بها فهو منهم.
صدّق أهل القرية كلام التاجر، لكنهم ظلوا متشككين في أن يكون أستاذهم الكبير قد تبنّى فعلاً تلك الفكرة، فقرروا مواجهته بها مباشرة. وفي أول تجمع انتخابي له بعد انتشار الخبر، وبعد أن ألقى لطفي السيد خطبة مفعمة بالحماس عن برنامجه، وقف أحد الحاضرين وسأله بوضوح: “هل أنت ديمقراطي؟”. لم يتردد الرجل، بل رفع صوته بثقة وقال: “نعم، ولي الفخر”. وقبل أن يتمكن من شرح موقفه وتوضيح رؤيته، اشتعل غضب الجمهور، فأحرقوا مكان التجمع عن بكرة أبيه، وهرب الأستاذ الكبير من غضبة أهل قريته، وفاز تاجر الأغنام بالانتخابات.
هنا تنتهي القصة، لكن دلالاتها التاريخية ظلت تُتناقل جيلاً بعد جيل، ويبقى السؤال الأهم: هل كان أحمد لطفي السيد محقاً حين واجه أهل قريته برأيه بتلك الصراحة المباشرة؟ أم كان عليه أن يسلك طريقاً أكثر هدوءاً وتدرجاً، يمنحه فرصة أفضل في المنافسة؟
وهنا بيت القصيد: مرّت مجتمعاتنا العربية بأزمات وكوارث كثيرة كان يمكن تجنبها، لولا أن بعض نخبتنا انتهجت أسلوباً تصادمياً مفاجئاً مع مجتمعاتها، دون مراعاة للظروف الزمانية والمكانية المحيطة بالفكرة التي يريدون نشرها، ودون أن يضعوا في حسبانهم أن الطريق الطويل قد يكون أحياناً أكثر أماناً من طريق قصير مليء بالمخاطر. فالديمقراطية، التي يتسابق الجميع اليوم على إثبات إيمانهم بها، كانت يوماً سبباً في سقوط رجل من أكثر مفكري عصره ثقافة ووعياً، لا لشيء إلا لأنه اختار الصدام المباشر مع مجتمعه أسلوباً في التعاطي معه، وهو نهج أثبت التاريخ فشله مراراً.
فالتنوير – وهو المصدر الأصلي لفكرة الديمقراطية ذاتها – فعل تراكمي، يترك أثره في المجتمعات لا عبر الصدمات المفاجئة التي ينادي بها بعض من يحملون مشاعله، بل عبر مسار تدريجي بطيء يتجنب تلك الصدمات التي تحرق الأخضر واليابس دون أن تؤتي ثمارها، حتى بعد حين.
فالتنوير، ورغم كونه اسماً لحركة فكرية نشأت في فرنسا وألمانيا في القرن الثامن عشر ثم انتشرت في سائر أنحاء أوروبا، يقوم على مبدأ بسيط يمكن اختصاره في كلمتين: “تحكيم العقل”؛ بمعنى الاحتكام إلى العقل في شؤون الدنيا، بدلاً من الاستناد إلى تفسير غير عقلاني لنص مقدس، أو اتباع قول مأثور لمجرد أنه مأثور، أو عرف شائع لمجرد أنه شائع. هذا الفكر دفع قادة حركة التنوير الأوروبيين، من أمثال فولتير وجان جاك روسو، بل وحتى غاليليو صاحب اختراع التلسكوب، إلى خوض عراك طويل ضد رجال دين كانوا – كحال تاجر الأغنام في قصتنا – يحاولون فرض تفسيرهم غير العقلاني للدين على الناس، تحقيقاً لمصالحهم الخاصة.
وهذا ما استدعى من مفكرين كفولتير أن يؤكدوا أن حركة التنوير هي بالضرورة دعوة إلى التسامح مع الرأي المخالف، فأطلق مقولته الشهيرة: “قد أختلف معك في الرأي، لكنني مستعد أن أدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عنه”. فالدفاع عن الرأي يكون بالاحتكام إلى العقل والحوار، لا بالتهديد أو التخوين أو إثارة غضب العامة بادعاء جهلهم، بل بالأخذ بأيديهم في طريق طويل يقود إلى ما وصفه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط بأنه خروج الإنسان من قصوره العقلي وبلوغه سن النضج والرشد.
وتبقى الخلاصة أن طريق التنوير، مهما طال، يبدأ دائماً بخطوة.



