مقالات

تصريحات ترامب حول “أيرلندا الموحدة”: كيف تشكِّل خرقًا لنهج الحياد الأمريكي؟

خلال زيارته إلى جمهورية أيرلندا في الثاني عشر من سبتمبر الجاري، صرَّح الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أنه يود رؤية أيرلندا موحدة، مضيفًا أن هذه الوحدة ستغدو واقعًا في نهاية المطاف، وأن هذا الأمر سيكون مميزًا للغاية إذ قدر له أن يتحقق. أحدثت هذه التصريحات عاصفةً سياسيةً، وأثارت حالةً واسعة من الجدل في المملكة المتحدة، فبينما اعتبرها مؤيدو بقاء أيرلندا الشمالية جزءًا من التاج البريطاني غير مقبولة وتعبِّر عن تدخل سافرٍ في شؤون المملكة الداخلية، وجد فيها دعاة الوحدة الأيرلندية من القوميين، الساعين إلى إنهاء الحكم البريطاني في أيرلندا الشمالية وإعادة توحيدها مع جمهورية أيرلندا في دولة واحدة، فرصةً مواتيةً لإعادة النقاش حول هذه القضية واستعادة الزخم السياسي والشعبي بعد سنوات من الركود.

هذا التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي لم تقتصر تبعاته الفورية على إشعال حرب كلامية بين الأحزاب والتيارات السياسية داخل المملكة المتحدة، بل تعدت ذلك وصولًا إلى حد إرساء خطوات فعلية لإعادة النقاش العام حول مسألة “الوحدة الأيرلندية” إلى الواجهة السياسية، فبعد أقل من يومين على إطلاق ترامب هذه التصريحات، وقَّع قادة كل من اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، في 14 سبتمبر 2026، إعلانًا مشتركًا بمدينة كارديف في جنوب ويلز، يدعو الحكومة البريطانية إلى التحضير والتخطيط للقيام بإجراءات دستورية تضمن لشعوب هذه الكيانات الثلاثة حق تقرير مصيرها، إما بالبقاء تحت مظلة المملكة المتحدة أو الاستقلال التام عنها. وتهدد هذه الدعوات باحتمالات تفكك المملكة المتحدة وتقويض نظام ويستمنستر الدستوري الذي يحكمها.

والسؤال الذي يثور الآن: كيف تجزأت أيرلندا سياسيًّا، بالرغم من وحدتها الجغرافية؟

ظلت جمهورية أيرلندا جزءًا من المملكة المتحدة إلى أن انفصلت رسميًّا عنها عام 1921. فمع نهاية الحرب العالمية الأولى تمكَّن القوميون الأيرلنديون من حمل الحكومة البريطانية، تحت وطأة الثورة المسلحة، على الاعتراف باستقلال الجزء الجنوبي من الجزيرة الأيرلندية، التي كانت تشكِّل حتى وقتٍ سابق جزءًا مما يعرف سياسيًّا بالمملكة المتحدة، إلى جانب الأقاليم الأربعة الأخرى (انجلترا، اسكتلندا، ويلز، وأيرلندا الشمالية) بينما بقي الجزء الشمالي تحت سيادة المملكة.

وكانت النخبة السياسية في لندن، في مسعى منها لاحتواء الأزمة، قد طرحت مشروعًا سياسيًّا يقضي بإنشاء إقليمين في جزيرة أيرلندا يتمتعان بحكم ذاتيٍّ ويحظيان ببرلمانيين منتخبين محليًّا  مع بقائهما تحت حكم التاج البريطاني. وفي حين قوبل هذا المشروع بالترحيب من جانب الإقليم الشمالي (ألستر) الذي يهيمن عليه البروتستانت، فقد رفضه الجنوبيون (الكاثوليك) بقيادة حركة «الشين فين» القومية وجناحها العسكري «الجيش الجمهوري الأيرلندي»، ولم يعد أمام البريطانيين، بعد عجزهم عن سحق المتمردين والانفصاليين، سوى الانصياع لرغبة الجنوبيين واظهار نوع من الاستجابة لمطالبهم، كي تتجنب البلاد الغرق في مهاوي الحرب الأهلية، وحتى لا تفقد المملكة استقرارها السياسي أو تتعرض سمعتها الدولية للحرج بوصفها دولةً ليبراليةً.

بيد أن انفصال إيرلندا (الحرة) عن التاج البريطاني لم يكن كافيًّا لنزع فتيل العنف، فلقد تصاعدت الدعوات المطالبة بتوحيد شطري الجزيرة الأيرلندية تحت راية الجمهوريين، فأخذ القوميون المتطرفون في بداية سبعينيَّات القرن الفائت، بدعم من الجيش الجمهوري، يمارسون عمليات التخريب ضد المنشآت الحكومية والقوات البريطانية المتمركزة في إقليم إيرلندا الشمالية، وفي المقابل عمدت قوات الأمن التابعة للحكومة اللندنية إلى استخدام القوة ضد الأقلية الكاثوليكية الداعمة للانفصال، الأمر الذي زاد من حدة الاحتقان السياسي بين حكومتي دبلن والمملكة المتحدة، وباتت معه نذر الحرب تلوح في الأفق.

قادت مفاوضات السلام في تسعينيَّات القرن العشرين، والتي جرت بين ممثلي الحكومتين البريطانية والأيرلندية وبمشاركة الفصائل السياسية في أيرلندا الشمالية، إلى توقيع اتفاق “بلفاست” أو ما يعرف أيضًا باتفاقية “الجمعة العظيمة” التي أنهت عقودًا من النزاع الطائفي والسياسي في أيرلندا الشمالية. وبمقتضى الاتفاقية وُضعَ إطار عام للسلام تتشارك جمهورية أيرلندا بموجبه في رسم بعض جوانب السياسة العامة في الإقليم الشمالي، على أن تظل السلطة التنفيذية بيد الحكومة البريطانية، في مقابل ذلك تخلى الجيش الجمهوري الأيرلندي عن مطالبه بتوحيد الجزيرة، كما نصَّت الاتفاقية على أن أية محاولات مستقبلية لتغيير الوضع السياسي لأيرلندا الشمالية أو تقرير مصيرها لابد وأن يتم وفقًا لرغبة المواطنين أنفسهم وبالوسائل الديمقراطية.

تمثل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن أيرلندا الموحدة خروجًا عن نهج الحياد التقليدي الذي طبع السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الملف الأيرلندي تحت حكم الإدارات السابقة، خاصةً وأن واشنطن قد اضطلعت بدور الوسيط في مفاوضات السلام التي انتهت بتوقيع اتفاق الجمعة العظيمة عام 1998. ورغم مساعي البعض التقليل من خطورة هذه التصريحات كونها لا تعكس الموقف الرسمي لواشنطن، فقد أثارت حالةً من الاستياء والغضب البالغين في الداخل البريطاني، حتى بين زعماء اليمين الشعبوي الذين يدعمون سياسات ترامب وتوجهاته خصوصًا فيما يتعلق بقضايا الهجرة غير الشرعية، فقد كتب “نايجل فراج” زعيم حزب الإصلاح، في مدونةٍ على وسائل التواصل الاجتماعي “ستظل أيرلندا جزءًا لا يتجزأ من المملكة المتحدة، ونحن فخورون بذلك”.

ولا شك أن هذه التصريحات الأمريكية ليست عفويةً، بل يحمل توقيتها دلالات واضحة. حيث تأتي في مرحلة تشهد توترًا نسبيًّا وتباعدًا في الرؤى بين الحليفين التقليديين حول بعض القضايا الخلافية، إذ تشعر الإدارة الأمريكية بالإحباط تجاه المملكة المتحدة بعدما رفضت هذه الأخيرة التدخل في الحرب التي تقودها واشنطن في الشرق الأوسط ضد إيران والتي يبدو أن إدارة ترامب عاجزة حتى الآن عن إيجاد مخرج لها بعد أكثر من ستة أشهر، في ظل تعنت النظام الإيراني ورفضه إبرام اتفاق للسلام وفقًا للشروط الأمريكية. كما يعكس هذا التوتر استياء الولايات المتحدة من الموقف البريطاني إزاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والذي تجلى أولًا في قرار لندن التاريخي الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر 2025، قبل أن يبلغ التصعيد البريطاني إزاء إسرائيل ذروته في سبتمبر الجاري (2026) عندما أعلنت حكومة “أندي بيرنهام” العمالية فرض عقوبات على تجارة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية دعمًا لحل الدولتين، وردًا على ما أسمته الخارجية البريطانية بمواجهة سياسات التطهير العرقي التي تمارسها تل أبيب بحق الفلسطينيين.

تكمن خطورة التصريحات الأمريكية بشأن توحيد أيرلندا في أنها تخلق ضغوطًا متزايدةً أمام الحكومة البريطانية الجديدة التي تشكَّلت قبل أقل من ثلاثة أشهر، وتواجه جملة من الأزمات الداخلية المعقدة، إذ يعاني الاقتصاد البريطاني حالةً من الركود وتباطؤ النمو، ولا تزال البلاد تتخبط جراء خروجها من الاتحاد الأوروبي (البريكست) قبل ست سنوات، وما أدى إليه هذا الخروج من تضاؤل حجم تجارتها الخارجية مع القارة الأوروبية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أما على الصعيد السياسي، فإن التصريحات الأمريكية تهدد بتغذية النزعة الانفصالية لدى القوميين الأيرلنديين، وما قد يرتبه ذلك من تقويض لاتفاقية الجمعة العظيمة وعودة الصراع المسلح، علاوةً على ذلك، فإن إثارة ملف توحيد أيرلندا قد يجدد بدوره طموحات اسكتلندا الانفصالية، خاصةً وأن نتيجة الاستفتاء الأخير الذي شهدته اسكتلندا عام 2014 والذي انتهى برفض الاستقلال عن بريطانيا بنسبة 55 بالمائة، لا تعكس التوجهات الراهنة للرأي العام الاسكتلندي الذي بات أكثر استياءً بعد البريكست، مما يؤشر إلى احتمالية كبيرة بأن يدعم الاسكتلنديون خيار الاستقلال هذه المرة إذا اتيحت لهم فرصة الاستفتاء من جديد.

ختامًا، فإن المصير السياسي لأيرلندا الشمالية يخضع لإطار قانونيٍّ مركب، يحدده نظام ويستمنستر الدستوري الذي ينظم شؤون المملكة المتحدة استنادًا إلى مبدأ السيادة البرلمانية، واتفاقية الجمعة العظيمة المبرمة عام 1998. من ناحية أخرى، فإن مسألة تنظيم استفتاءات شعبية في أيرلندا الشمالية، أو في الأقاليم الثلاثة الأخرى، لتقرير مصير هذه الشعوب وقبلها مصير المملكة المتحدة، ستواجه بقيودٍ قانونيةٍ وسياسية معقدة، إذ ليس بمقدور حكومات هذه الكيانات أن تنظم استفتاءً، من الناحية الدستورية، إلا بعد موافقة برلمان المملكة المتحدة وحكومتها، ومن غير المرجح أن تقبل الحكومة البريطانية بهذه الخطوة في ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى