
الجغرافيا البحرية كأداة للقوة غير المتكافئة: التحول الحوثي وتداعياته على أمن السعودية والبحر الأحمر
د حمدي محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
تكشف التطورات المتسارعة في اليمن والبحر الأحمر خلال سبتمبر 2026 عن تحول يتجاوز حدود التصعيد العسكري التقليدي، إذ باتت الجغرافيا البحرية نفسها عنصرًا فاعلًا في إنتاج القوة وإعادة توزيعها. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي لليمن، بالتزامن مع استمرار الهجمات باتجاه السعودية، يطرح معادلة أمنية جديدة تقوم على توظيف الموقع الجغرافي والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة والقدرة على تهديد الملاحة في إطار واحد يسمح لفاعل من غير الدول بالتأثير في حسابات قوى إقليمية ودولية تمتلك موارد عسكرية واقتصادية أكبر بكثير.
وتنبع أهمية هذا التحول من أن باب المندب لا يمثل مجرد ممر جغرافي يصل البحر الأحمر بخليج عدن، وإنما يمثل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها التجارة والطاقة والأمن البحري وسلاسل الإمداد. ولذلك فإن امتلاك القدرة على التأثير في درجة أمن هذا الممر يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة يتجاوز الحدود الجغرافية لليمن. وقد أظهرت الدراسات الحديثة حول الأمن البحري الخليجي أن أزمة البحر الأحمر كشفت عن تحديات كبيرة أمام بناء سياسة بحرية خليجية مشتركة، في ظل اختلاف تصورات التهديد والاعتماد بدرجات مختلفة على الترتيبات الأمنية مع القوى الخارجية. (1)
ولا تكمن أهمية هذه المسألة في احتمال السيطرة المباشرة على باب المندب بقدر ما تكمن في القدرة على تهديد أمنه. فالقوة غير المتكافئة لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة على البحر حتى تحقق تأثيرًا استراتيجيًا؛ فقد يكفي أن تجعل الملاحة أكثر خطورة، أو ترفع تكلفة التأمين، أو تدفع شركات النقل إلى تغيير مساراتها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما جرى في البحر الأحمر بوصفه انتقالًا من استخدام الجغرافيا كساحة للصراع إلى استخدامها كأداة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية.
وقد أظهرت الهجمات الحوثية على السفن التجارية أن الاضطراب البحري يمكن أن يتجاوز أثره المباشر إلى إعادة تشكيل أنماط الملاحة والاستجابة الأمنية الدولية. فالهجمات لم تنتج مجرد مخاطر موضعية، وإنما ساهمت في ظهور ترتيبات أمنية بحرية جديدة وتداخل متزايد بين التهديدات البرية والبحرية، وهو ما دفع إلى إعادة التفكير في طبيعة النظام الأمني الناشئ في البحر الأحمر. ويصف Donelli هذه البيئة بأنها تتجه نحو تشكل «نظام هجين» للبحر الأحمر، تتداخل فيه الدولة والفاعلون من غير الدول والمنافسة الجيوسياسية والتهديدات البحرية. (2)
وتصبح هذه المعادلة أكثر وضوحًا عند النظر إلى الساحل الغربي اليمني. فالموقع الساحلي يمنح الجماعة المسلحة مجالًا أوسع للربط بين المجال البري والمجال البحري، كما يسمح بتوظيف الصواريخ والطائرات المسيّرة ووسائل المراقبة والاستطلاع في بيئة جغرافية قريبة من واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. لكن ينبغي هنا التمييز بدقة بين السيطرة على باب المندب وبين امتلاك القدرة على تهديد أمن باب المندب؛ فالأولى تتطلب شروطًا عسكرية وبحرية ولوجستية وسياسية معقدة، بينما يمكن تحقيق الثانية بوسائل أقل تكلفة بكثير.
وتشير دراسة Arellanes إلى أن الحوثيين تطوروا إلى فاعل هجين يمتلك قدرًا من الاستقلالية، مستفيدًا من تفكك الدولة اليمنية ومن التكنولوجيا العسكرية منخفضة التكلفة ومن الموقع الاستراتيجي لباب المندب. وتكمن أهمية هذا التوصيف في أنه يفسر كيف يستطيع فاعل غير دولتي أن ينتج تأثيرًا جيوسياسيًا يتجاوز قدراته المادية التقليدية. (3)
ولا يعني ذلك اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية، كما لا يعني تجاهل الدعم الإيراني الذي ساهم في تطوير قدراتهم العسكرية والتقنية. فالتفسير الأكثر دقة هو النظر إلى القوة الحوثية باعتبارها نتاج تفاعل بين أجندة محلية، وخبرة قتالية تراكمية، وبيئة يمنية شديدة التفكك، ودعم إقليمي، وقدرة على استثمار التكنولوجيا منخفضة التكلفة. ومن ثم فإن القوة الحوثية لا تستمد أهميتها من حجمها المادي فقط، وإنما من قدرتها على استثمار نقاط الضعف في بنية خصومها وفي البيئة الجغرافية المحيطة بها.
وتتجلى إحدى أهم خصائص هذه القوة في اختلال معادلة التكلفة. فتكلفة استخدام طائرة مسيّرة أو صاروخ قد تكون محدودة نسبيًا مقارنة بتكلفة أنظمة الدفاع المستخدمة لاعتراضه، فضلًا عن تكلفة الدوريات البحرية وحماية المنشآت والسفن ورفع مستويات التأمين. وهكذا يمكن لهجوم محدود ماديًا أن ينتج أثرًا اقتصاديًا واستراتيجيًا واسعًا. وهذه إحدى أهم سمات الحرب غير المتكافئة في البيئة البحرية المعاصرة.
كما أن الهجمات على السفن التجارية أوجدت إشكالات قانونية تتجاوز الحسابات العسكرية. فقد اضطرت الدول التي شاركت في عمليات حماية الملاحة إلى التعامل مع سؤال معقد يتعلق بالأساس القانوني لاستخدام القوة ضد الهجمات المنطلقة من أراضي دولة تعاني من نزاع داخلي، وبحدود الدفاع عن النفس عندما يكون مصدر الهجوم فاعلًا من غير الدول. وتناقش الأدبيات القانونية الحديثة هذه المسألة في إطار عمليات حماية السفن الأجنبية من الهجمات الحوثية، وما تثيره من أسئلة حول مفهوم الدفاع عن النفس الجماعي واستخدام القوة في المجال البحري. (4)
وتكشف هذه التطورات عن تغير مهم في مفهوم الأمن البحري. فلم تعد القوة البحرية تقاس فقط بعدد السفن الحربية وقدرتها على السيطرة على المياه، وإنما أصبحت تشمل القدرة على ضمان استمرار حركة التجارة في ظل بيئة تهديد غير تقليدية. ولذلك فإن امتلاك قدرات عسكرية متقدمة لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة كاملة على منع التأثيرات الاقتصادية الناتجة عن التهديد البحري.
وهذه النقطة ذات أهمية خاصة بالنسبة للسعودية. فالتعامل مع التهديد الحوثي لا يقتصر على حماية الحدود والمنشآت الحيوية، وإنما يرتبط كذلك بحماية الموانئ والبنية التحتية للطاقة وخطوط التجارة والاقتصاد الوطني من تداعيات التصعيد. وكلما نجح الحوثيون في الربط بين الضغط على الأراضي السعودية والضغط على المجال البحري، أصبحت المعركة ذات طبيعة اقتصادية واستراتيجية إلى جانب بعدها العسكري.
وتزداد صعوبة هذه المهمة في ظل استمرار الانقسام داخل اليمن. فغياب سلطة مركزية قادرة على إدارة الأراضي والموانئ والسواحل بصورة موحدة يمنح الفاعلين المسلحين فرصًا أكبر لتحويل الجغرافيا إلى مورد للقوة. ويشير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اليمني لا يزال يعاني من آثار الانقسام المؤسسي والصدمات الخارجية، وأن الصراع والتوترات البحرية أثرت في التجارة والنشاط الاقتصادي ورفعت تكاليف النقل. (5)
ومن هنا يصبح التقدم الحوثي على الساحل الغربي قضية تتجاوز قيمة الأرض ذاتها. فالسيطرة على موقع ساحلي لا تكتسب أهميتها الاستراتيجية من مساحته، وإنما من موقعه بالنسبة إلى طرق الملاحة ومن إمكانية دمجه في منظومة أوسع للقدرات الصاروخية والمسيرة والاستخباراتية. وإذا نجحت الجماعة في تثبيت حضورها الساحلي وربطه بقدراتها النارية، فإنها ستكون قد قطعت خطوة إضافية نحو تحويل الجغرافيا إلى مصدر للضغط السياسي والأمني.
لكن تحويل المكاسب الجغرافية إلى قوة استراتيجية مستدامة ليس أمرًا تلقائيًا. فاحتلال مدينة أو جزيرة لا يعني بالضرورة القدرة على تأمينها أو الدفاع عنها أو تحويلها إلى قاعدة عمليات مستقرة. ولذلك فإن القيمة الفعلية للتقدم الحوثي ستتوقف على مدى قدرة الجماعة على بناء منظومة متماسكة للإمداد والحماية والاتصال والسيطرة، وعلى قدرتها على مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية المضادة.
وفي المقابل، تواجه القوى المناوئة للحوثيين مشكلة تتعلق بقدرتها على تحويل مواردها العسكرية والسياسية إلى قوة استراتيجية متماسكة. فالانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين لا يمثل مشكلة سياسية فقط، وإنما ينعكس مباشرة على القدرة على إدارة الساحل وتأمين الممرات البرية والبحرية وبناء استراتيجية موحدة تجاه التهديد الحوثي.
وتظهر هنا أهمية الانتقال من مفهوم الردع التقليدي إلى مفهوم المرونة الاستراتيجية. فالردع العسكري يظل ضروريًا، لكنه لا يكفي وحده عندما يكون الخصم قادرًا على استخدام وسائل منخفضة التكلفة ذات تأثير اقتصادي واسع. أما المرونة فتعني القدرة على امتصاص الضربة، واستمرار عمل المنشآت الحيوية، وتنويع طرق الإمداد والطاقة، ورفع كفاءة الإنذار المبكر، وتوزيع البنية التحتية الحساسة، بحيث لا يؤدي هجوم واحد إلى اضطراب واسع.
وتتجاوز آثار الأزمة اليمنية المجال الإقليمي إلى الاقتصاد العالمي. فالبحر الأحمر جزء من شبكة النقل البحري الدولية، وأي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يؤثر في حركة السفن وأوقات الرحلات وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد. وتشير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن التجارة البحرية تحمل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية في السلع، وأن التوترات الجيوسياسية وإعادة توجيه السفن حول طرق أطول يمكن أن تزيد تكاليف النقل وتضغط على استقرار سلاسل الإمداد. (6)
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، نظرًا للارتباط المباشر بين استقرار البحر الأحمر وحركة الملاحة عبر قناة السويس. فكلما ارتفعت درجة المخاطر في باب المندب، ازدادت احتمالات لجوء بعض شركات النقل إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية، وهو ما يمكن أن يؤثر في حركة السفن العابرة لقناة السويس وفي البيئة الاقتصادية المرتبطة بها. ولذلك فإن أمن البحر الأحمر يمثل بالنسبة إلى مصر قضية استراتيجية واقتصادية في الوقت نفسه، وليس مجرد ملف أمني بعيد جغرافيًا.
كما أن هذه التطورات تطرح تساؤلات حول مستقبل ترتيبات الأمن الإقليمي. فالحماية الخارجية يمكن أن توفر قدرات مهمة في مجالات المراقبة والدفاع الجوي والبحري، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة البيئة السياسية التي تنتج التهديد. كما أن استمرار الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية دون بناء قدرات إقليمية متكاملة قد يؤدي إلى بقاء بعض الفجوات التي يمكن للفاعلين غير الدولتيين استثمارها.
ومن هنا فإن التعامل مع التهديد الحوثي يحتاج إلى مقاربة متعددة المستويات: عسكريًا عبر تعزيز الردع وحماية المنشآت والممرات؛ وأمنيًا عبر تطوير الإنذار المبكر والاستطلاع البحري؛ واقتصاديًا عبر تعزيز مرونة سلاسل الإمداد؛ وسياسيًا عبر دعم مسار تسوية يمنية يعالج جذور الانقسام؛ وإقليميًا عبر تطوير ترتيبات أكثر تكاملًا لأمن البحر الأحمر.
وتكمن إحدى أكثر النتائج أهمية في احتمال تحول باب المندب من ممر معرض للتهديد إلى أداة تفاوض جيوسياسية. ففي الحالة الأولى يكون الهدف إحداث اضطراب في الملاحة، بينما تصبح درجة التهديد في الحالة الثانية ورقة يمكن توظيفها للحصول على مكاسب سياسية أو أمنية أو اقتصادية. وعندما يحدث ذلك، تتحول الجغرافيا من مجرد موقع إلى مصدر للنفوذ.
وعليه، فإن التحول الحوثي لا يعكس بالضرورة انتقالًا تقليديًا في ميزان القوة من دولة إلى جماعة مسلحة، وإنما يعكس تحولًا في طبيعة القوة نفسها. فالقوة في البيئة الاستراتيجية الجديدة لا ترتبط فقط بعدد الأسلحة وحجم القوات، وإنما بالقدرة على التأثير في خيارات الخصم ورفع تكلفة حركته وإجباره على إعادة توزيع موارده.
وتصبح هذه الحقيقة أكثر وضوحًا في البحر الأحمر، حيث يمكن لتهديد محدود من حيث الموارد المستخدمة أن ينتج تداعيات واسعة على التجارة والطاقة والتأمين والنقل. وهنا تتجسد القوة غير المتكافئة في صورتها الأكثر وضوحًا: طرف لا يحتاج إلى امتلاك القوة البحرية الأكبر حتى يستطيع التأثير في طريقة استخدام الآخرين للبحر.
وفي ضوء ذلك، فإن مستقبل أمن البحر الأحمر سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع تحول المكاسب الجغرافية إلى بنية دائمة للضغط البحري. فالمشكلة ليست فقط في منع السيطرة على مواقع استراتيجية، وإنما في منع تحويل هذه المواقع إلى منصات مستدامة لإنتاج التهديد.
والخلاصة أن التحول الحوثي الراهن يعيد تعريف العلاقة بين الجغرافيا والقوة في الشرق الأوسط. فالساحل الغربي اليمني وباب المندب ليسا مجرد مواقع عسكرية، وإنما عقدتان استراتيجيتان تربطان اليمن بالسعودية ومصر والخليج والتجارة العالمية. ومن ثم فإن السيطرة على الأرض تكتسب قيمتها الحقيقية عندما يمكن تحويلها إلى قدرة على التأثير في حركة البحر.
وعليه، فإن التحدي الأساسي أمام الأطراف المعنية لا يتمثل فقط في استعادة التوازن العسكري، وإنما في منع تحول الجغرافيا البحرية إلى أداة دائمة للقوة غير المتكافئة. وهذا يتطلب الجمع بين الردع العسكري والمرونة الاقتصادية والأمن البحري والتعاون الإقليمي والتسوية السياسية في اليمن، بما يحول دون انتقال البحر الأحمر من مجرد ممر تجاري استراتيجي إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الاضطراب الجيوسياسي.
الهوامش
(1) Albimani, S., & Kardaş, Ş. (2026). Common maritime security policy in the GCC: Revisiting the challenges in the wake of the Red Sea crisis. The Middle East Journal.
(2) Donelli, F. (2025). Maritime disruption in Yemen: The making of a hybrid Red Sea order. Middle East Policy, 32(4), 35-50. https://doi.org/10.1111/mepo.70018 7
(3) Arellanes, J. (2025). Los hutíes en el entramado geopolítico de Medio Oriente: La crisis del Mar Rojo como disrupción de la seguridad marítima internacional. Revista Mexicana de Ciencias Políticas y Sociales, 70(255), 121-152.
https://doi.org/10.22201/fcpys.2448492xe.2025.255 93957
(4) Cavalcanti de Mello Filho, E. (2025). Operations for the protection of foreign-flagged vessels at sea against Houthi attacks: A case of collective self-defence? Journal on the Use of Force and International Law, 12(1-2), 201-223.
(5) World Bank. (2025). Economic fragmentation and external shocks hamper Yemen’s recovery path. World Bank.
(6) United Nations Conference on Trade and Development. (2025). Review of Maritime Transport 2025: Staying the course in turbulent waters. United Nations.



