
«أودعتك الجزائر ومصر» حين يقف الأدب على أطلال أزمة الكرة
رانيا فرحان – الجزائر
لم تكن الأزمة التي اندلعت بين الجزائر ومصر في خريف عام 2009 مجرد فصل عابر في تاريخ كرة القدم العربية، فقد تجاوزت حدود الملاعب والنتائج، وأثقلت علاقة شعبين جمعتهما لعقود روابط الدين والتاريخ والثقافة واللغة، وبعد سنوات من انحسار ضجيج تلك المرحلة، تعود الكاتبة الجزائرية أمينة شرنيخ إلى أحداثها من بوابة الأدب، في روايتها «أودعتك الجزائر ومصر»، الصادرة سنة 2022، لتعيد قراءة الجرح بعيدا عن صخب الشعارات والانقسامات.
استغرقت الرواية سبع سنوات قبل أن ترى النور، لكنها لا تقدم نفسها بوصفها توثيقا لأزمة كروية، ولا تنشغل بإعادة ترتيب وقائعها أو البحث عن طرف منتصر وآخر مهزوم، فالكرة في الرواية ليست سوى المدخل إلى أسئلة أوسع تتصل بالهوية، والقومية، والذاكرة، والخوف، والصمت، وتأثير السياسة والإعلام في وعي الإنسان العادي.
في قلب الحكاية تقف «أمينة»، شابة جزائرية بسيطة، تتعرف إلى مصر قبل أن تطأ أرضها من خلال مكتبة مصرية، ومن خلال الكتب التي قرأتها لكبار الأدباء والمفكرين المصريين، من طه حسين إلى المنفلوطي والعقاد ونجيب محفوظ وأحمد أمين وغيرهم، بالنسبة إليها، لم تكن مصر بلدا بعيدا على الخريطة، بل كانت وطنا ثقافيا تشكل في وجدانها عبر صفحات الكتب.
وعندما تبلغ العشرين، تبدأ أمينة في الحلم بزيارة مصر، ولا تجد من يساند حلمها سوى والدتها، التي تقدم سوارها الذهبي الوحيد لتساعد ابنتها على شراء تذكرة السفر، غير أن الحلم يصطدم، قبيل موعد الرحلة، بأزمة الكرة التي تقلب المشهد كله، وتضع الشابة أمام تناقض قاس بين صورة مصر التي عرفتها من الأدب والفكر، وصورة أخرى فرضتها أجواء التوتر والخصومة.
ومن هنا تبدأ الرواية في طرح سؤالها الأهم: ماذا يحدث للإنسان حين تتصادم ذاكرته الثقافية مع واقع سياسي وإعلامي مشحون؟ لا تعتمد أمينة شرنيخ على المغامرة أو الصراع التقليدي في بناء شخصيتها الرئيسية، بل تجعل من القراءة وسيلة للمواجهة، ومن السؤال أداة لفهم ما يحدث، فبطلة الرواية لا تحمل سلاحًا ولا تدخل معركة، وإنما تحمل ذاكرة تشكلت من الكتب، وتحاول أن تفهم كيف يمكن للخطاب القومي والإعلامي أن يعيدا رسم صورة الآخر في لحظة واحدة.
وتكمن أهمية الرواية في أنها تقترب من الأزمة من زاوية الإنسان العادي؛ ذلك الإنسان الذي وجد نفسه، من دون أن يختار، داخل خطاب عام شديد الاستقطاب، فالأحداث الكبرى لا تقع في الرواية بعيدا عن الناس، بل تنعكس على أحلامهم وعلاقاتهم ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين. كما تستعيد الرواية، من خلال شخصية البطلة أمينة، جانبا من العلاقة الثقافية التي سبقت الأزمة، فمصر التي عرفتها أجيال من الجزائريين لم تكن فقط بلد كرة القدم، وإنما بلد الكتاب والأغنية والسينما والفكر، وبالمقابل، كانت الجزائر بالنسبة إلى المصريين جزءًا من ذاكرة عربية مشتركة، ارتبطت بمحطات تاريخية وثقافية وسياسية عديدة، لهذا تبدو الأزمة، في العمل، أشبه بصدع مفاجئ في جدار طويل من الذاكرة المشتركة. وتختار الكاتبة أسلوبا سرديا هادئا، يميل إلى اللغة الكلاسيكية المتأثرة بأدب النهضة، بعيدا عن اللهاث وراء التشويق التقليدي، فالرواية تراهن على الفكرة والأسئلة أكثر مما تراهن على الأحداث المتسارعة، وتمنح القارئ مساحة للتأمل في معنى الانتماء، وفي الحدود الفاصلة بين حب الوطن وتحويل الآخر إلى خصم.
ولعل أكثر ما يميز هذا العمل أنه لا يدخل في محاكمة تاريخية للأزمة، ولا يسعى إلى توزيع صكوك البراءة أو الإدانة، إنه يحاول، بدلا من ذلك، النظر إلى الماضي من مسافة زمنية تسمح بقدر أكبر من الهدوء، ويبحث عما بقي من أثر الأزمة في الذاكرة الفردية والجماعية. من هذه الزاوية، تصبح «أودعتك الجزائر ومصر» محاولة أدبية لترميم شيء من العلاقة التي تصدعت في تلك الفترة، فالرواية لا تستطيع تغيير ما حدث، لكنها تستطيع أن تسأل كيف حدث، ولماذا ترك كل ذلك الأثر، وكيف يمكن للثقافة أن تستعيد دورها في مواجهة الصور النمطية التي تصنعها لحظات التوتر.
وربما لهذا يبدو عنوان الرواية نفسه محملًا بدلالة وجدانية عميقة. فـ«الإيداع» هنا لا يتعلق بشيء مادي، وإنما ترك أمانة في الذاكرة؛ أمانة بلد في بلد، وذكرى في ذاكرة، ومشاعر في وجدان قارئ. لقد أودعت أمينة شرنيخ الجزائر ومصر في ذاكرتها قبل أن تتمكن من السفر، وأودعت الكاتبة بدورها تلك المرحلة في الأدب، لعل الكتاب يستطيع أن يقول، بعد سنوات من الصخب، ما عجزت عن قوله لحظة الغضب.
وهكذا تتجاوز الرواية حكاية مباراة وأزمة عابرة، لتصبح تأملًا في هشاشة الذاكرة حين تترك للضجيج وحده، وفي قدرة الأدب على إعادة فتح النوافذ التي أغلقتها الخصومة، فحين تعجز السياسة والرياضة عن إصلاح ما انكسر، قد يأتي الأدب ليمنح الإنسان فرصة أخرى: أن يصغي، وأن يتذكر، وأن يرى الآخر خارج الصورة التي صنعتها لحظة الغضب.
وفي هذا المعنى، تبدو «أودعتك الجزائر ومصر» أقرب إلى رسالة اعتذار أدبية مفتوحة، لا تنحاز إلى الجزائر ضد مصر، ولا إلى مصر ضد الجزائر، وإنما تنحاز إلى ذاكرة مشتركة كان يمكن لها أن تكون أكثر رحابة من خلاف عابر. إنها رواية عن جرح قديم، لكنها لا تريد أن تعيد فتحه؛ تريد أن تنظر إليه، تفهمه، وتضع فوقه طبقة جديدة من الذاكرة، وربما يكون ذلك هو المعنى الأعمق للأدب: ألا يمحو ما حدث، وإنما يساعدنا على فهمه، حتى لا يتحول الماضي إلى قدر يتكرر.



