
من يربح من الحروب؟ اقتصاد الدماء وتجارة الدمار وتحويل الإنسان إلى وقود للثروة والنفوذ
د.حمدي محمود – باحث متخصص في الشؤون الدولية والإستراتيجية المعاصرة
لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين الجيوش أو صراع على الأرض والنفوذ، بل أصبحت في جانب من بنيتها منظومة اقتصادية تتشابك فيها الصناعات العسكرية والتمويل والطاقة والتكنولوجيا والأسواق المالية. وبينما تدفع الشعوب ثمن القتل والتهجير وانهيار الخدمات وضياع المستقبل، قد تجد قطاعات اقتصادية بعينها في الصراعات فرصة لتوسيع أعمالها وتحقيق عوائد استثنائية. هنا تتجلى المفارقة القاسية: ما يمثل كارثة إنسانية لملايين البشر قد يتحول إلى فرصة استثمارية لآخرين لم تطأ أقدامهم ميادين القتال. ولا يعني ذلك أن الحروب تُشعل دائمًا من أجل الأرباح، أو أن كل مستفيد منها شارك في صنعها، وإنما يطرح سؤالًا أكثر عمقًا: كيف يمكن للمصالح الاقتصادية المرتبطة بالصراع أن تؤثر في القرارات السياسية، وأن تجعل استمرار التوتر مفيدًا لبعض الأطراف، حتى عندما تكون كلفته على المجتمعات باهظة؟
تبدأ الإجابة من إدراك أن الحرب لا تقتصر على لحظة إطلاق النار، بل تمتد عبر سلسلة طويلة من الأنشطة التي تسبقها وترافقها وتستمر بعدها. فهناك شركات تنتج الأسلحة والذخائر، ومؤسسات تمول الصناعات الدفاعية، وموردون يوفرون المعادن والمكونات الإلكترونية، وشركات للنقل والتأمين والخدمات اللوجستية، وأسواق تتفاعل مع اضطراب الطاقة والتجارة، ثم مؤسسات تدخل في إعادة الإعمار. وقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة حقيقية قدرها 2.9% على العام السابق، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، مسجلًا العام الحادي عشر على التوالي من النمو.¹ ولا تثبت هذه الأرقام أن التسلح يؤدي حتمًا إلى الحرب، لكنها تكشف حجم الموارد التي ترتبط بمنظومة الأمن العسكري، وتثير تساؤلات مشروعة حول كلفة سباقات التسلح، وأولويات الإنفاق العام، ومدى التوازن بين متطلبات الدفاع واحتياجات التنمية.
وتبرز الولايات المتحدة بوصفها حالة مهمة لفهم التداخل بين القوة العسكرية والمصالح الاقتصادية. فمنذ تحذير الرئيس دوايت أيزنهاور، في خطابه الوداعي عام 1961، من النفوذ المحتمل للمجمع العسكري الصناعي، ظل السؤال قائمًا حول حدود العلاقة بين المؤسسات العسكرية وشركات السلاح والسلطة السياسية.² فعندما تعتمد الشركات على العقود الحكومية طويلة الأجل، وتتشابك مصالحها مع الوظائف والاستثمارات والاقتصادات المحلية، يمكن أن يتجاوز تأثيرها حدود الإنتاج التجاري إلى النقاش العام حول الأمن القومي والإنفاق الدفاعي. وتزداد خطورة هذا التداخل عندما تتراجع الشفافية أو يصبح تضارب المصالح عصيًا على الرقابة. ومع ذلك، فإن إثبات أن شركة أو جماعة ضغط أسهمت في إشعال حرب أو إطالتها يتطلب أدلة على تأثيرها الفعلي في القرار، لا مجرد الإشارة إلى أنها حققت أرباحًا خلال الصراع. فالنقد الأكثر قوة هو الذي يكشف آليات النفوذ ويحدد المسؤولية، بدلًا من اختزال المشهد في اتهامات عامة.
ولا يقل دور رأس المال أهمية عن دور المصانع؛ فإنتاج السلاح يحتاج إلى التمويل والائتمان والاستثمار والبحث والتطوير، كما يحتاج إلى أسواق تضمن استمرار الطلب. ومن هنا تبرز مسؤولية البنوك وصناديق الاستثمار والمؤسسات المالية التي تمول الشركات المرتبطة بالصناعات الدفاعية. ولا يصح اعتبار كل استثمار في القطاع العسكري مشاركة في جريمة، لكن من الضروري التمييز بين النشاط الدفاعي المشروع، وبين التمويل الذي يرتبط بمخاطر موثقة لانتهاكات جسيمة أو باستغلال النزاعات. وتؤكد المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان مسؤولية الشركات عن احترام الحقوق الإنسانية وتحديد الآثار السلبية المرتبطة بأنشطتها ومعالجتها.³ وتصبح هذه المسؤولية أكثر إلحاحًا عندما تتوافر مؤشرات على استخدام المنتجات أو الخدمات في انتهاكات خطيرة. فالعائد المالي لا يعفي المؤسسة من التساؤل عن النتائج الإنسانية لنشاطها، كما أن الالتزام القانوني الشكلي لا يغني عن الإفصاح والرقابة والعناية الواجبة.
لكن الوجه الأكثر قسوة لاقتصاد الحرب يظهر في حياة البشر الذين يدفعون ثمن قرارات لا يملكون المشاركة في صنعها. فالجندي والمدني والطفل واللاجئ يفقدون أرواحًا أو منازل أو مصادر رزق، بينما تتعامل الحسابات الاقتصادية البعيدة مع جانب من هذه الخسائر بوصفه تكلفة يمكن تقديرها ماليًا. وتتحول هشاشة المجتمعات المتضررة إلى بيئة ملائمة لشبكات الاتجار بالبشر والعمل القسري والاستغلال الجنسي وتجنيد الأطفال، وقد تمتد الجرائم إلى الاتجار غير المشروع بالأعضاء البشرية في الحالات التي تستغل فيها الشبكات الإجرامية ضعف الضحايا وانهيار الرقابة. ويوثق تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2024 الصلة بين النزاعات والنزوح وضعف الحوكمة وتزايد مخاطر الاتجار بالبشر.⁴ ولا يجوز تعميم هذه الجرائم على جميع النزاعات أو تصويرها باعتبارها نتيجة حتمية لكل حرب؛ لكن وقوعها يكشف كيف يمكن لانهيار القانون والحماية الاجتماعية أن يحول حاجة الإنسان إلى النجاة إلى فرصة للاستغلال والابتزاز.
وفي الأسواق المالية، قد تتحول الحرب إلى مصدر لتقلبات واسعة في أسعار النفط والعملات والأسهم والسندات وتكاليف التأمين والشحن. فعندما تتعرض الإمدادات للاضطراب أو تتزايد المخاطر في الممرات البحرية، قد ترتفع أسعار الطاقة، وتستفيد بعض الشركات المنتجة، بينما تتضرر قطاعات النقل والصناعة والاستهلاك. وقد يتجه المستثمرون إلى الدولار أو غيره من الأصول التي يرونها أكثر أمانًا نسبيًا، لكن هذه الاستجابات ليست ثابتة؛ إذ تتوقف على طبيعة الصراع ومدته والسياسات النقدية والظروف الاقتصادية. وتكشف دراسة منشورة في American Economic Review عام 2026، اعتمدت بيانات تمتد عبر 150 عامًا و60 دولة، أن الحروب ترتبط بخسائر اقتصادية كبيرة في مناطق القتال، وبضغوط تضخمية وآثار سلبية تمتد إلى اقتصادات أخرى.⁵ وهذه النتائج تضع حدًا للتصور الذي يساوي بين أرباح بعض القطاعات وبين مكسب اقتصادي عام؛ فقد تحقق فئة محددة عائدًا من ارتفاع الأسعار، بينما يخسر المجتمع ثروته الإنتاجية ويواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الاستثمار.
وتتضاعف هذه الآثار في الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة والغذاء، أو تعاني ضعف احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع المديونية. فزيادة تكاليف الاستيراد تضغط على العملة المحلية والموازنة العامة، وترفع أسعار النقل والإنتاج، وقد تدفع الحكومات إلى الاقتراض أو تقليص الإنفاق الاجتماعي. وهكذا تنتقل الحرب من ساحة القتال إلى موائد الأسر، وإلى المدارس والمستشفيات وفرص العمل، ويصبح المواطن الذي لم يشارك في اتخاذ القرار أحد أبرز ممولي كلفته غير المباشرة. وفي المقابل، قد تحقق بعض الدول المصدرة للطاقة مكاسب مؤقتة من ارتفاع الأسعار، لكنها تظل معرضة لتقلبات الطلب والأسواق وتكاليف الاستيراد. ولذلك لا يتمثل السؤال في معرفة من استفاد من حركة سعرية معينة فحسب، بل في كشف التوزيع غير المتكافئ للمخاطر، وتحديد الفئات التي تملك أدوات الحماية وتلك التي تُترك وحدها في مواجهة الصدمات.
وعندما تتوقف العمليات العسكرية، تبدأ معركة أخرى حول إعادة الإعمار وتوزيع الموارد والعقود. فالمباني المدمرة وشبكات الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وهو ما يجعل إعادة البناء ضرورة إنسانية واقتصادية. غير أن هذه العملية قد تتحول إلى امتداد للاستنزاف إذا غابت الشفافية، أو احتكرت الشركات والوسطاء العقود، أو ارتبط التمويل بشروط تزيد التبعية والمديونية. وقدّر التقييم المشترك للأضرار والاحتياجات في أوكرانيا، الصادر عام 2025، احتياجات التعافي وإعادة الإعمار خلال عشر سنوات بنحو 524 مليار دولار، استنادًا إلى الأضرار حتى نهاية عام 2024.⁶ ويكشف هذا الرقم حجم العبء الذي قد يتركه الصراع على الدولة والمجتمع، لكنه يوضح أيضًا أهمية بناء منظومة إعادة إعمار تعطي الأولوية للسكان والخدمات واستعادة القدرة الإنتاجية، لا لمصالح المتعاقدين وحدهم. فالمجتمع الذي يدفع ثمن الدمار لا ينبغي أن يجد نفسه مضطرًا إلى دفع ثمن استعادة حياته عبر عقود غير عادلة أو ديون تستنزف مستقبله.
وتكمن إحدى أخطر الإشكاليات في احتمال تحول المصالح المرتبطة بالحرب إلى حوافز مؤسسية تعرقل التسوية. فالعقود العسكرية طويلة الأجل، والوظائف المرتبطة بالصناعات الدفاعية، ومصالح الشركات والمناطق الصناعية، قد تخلق مقاومة لخفض الإنفاق أو تغيير الأولويات. وقد يستفيد بعض المستثمرين من اضطراب الأسواق، لكن الاستفادة وحدها لا تثبت رغبتهم في استمرار الحرب. وهنا يجب التمييز بين تحقيق الأرباح بعد اندلاع الصراع، والتأثير في القرار الذي سبق اندلاعه، والعمل المتعمد على إطالة أمده. ولكل مستوى أدلته المختلفة. وتزداد أهمية هذا التمييز لأن الاتهامات غير المدعومة تضعف النقد، بينما يساعد التوثيق الدقيق على كشف تضارب المصالح ومحاسبة الجهات التي تتجاوز حدود مسؤوليتها. إن السؤال الجوهري ليس ما إذا كانت هناك أطراف تربح من الحرب، بل ما إذا كانت هذه الأرباح تتحول إلى نفوذ يحد من فرص إنهائها.
وقد يتسع هذا التحدي مع دخول الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية والأقمار الصناعية إلى قلب الصناعات العسكرية. فالحرب باتت تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والاستشعار والتنبؤ وتحديد الأهداف وحماية الشبكات الرقمية، بما يفتح أسواقًا جديدة أمام الشركات التقنية ويزيد اعتماد المؤسسات العسكرية على مزودي الخدمات من القطاع الخاص. ويثير ذلك أسئلة حول المسؤولية عن القرارات التي تتخذها الأنظمة الآلية أو تدعمها، وحدود الرقابة على استخدامها، ومدى قدرة القانون على مواكبة تطورها. وقد يؤدي خفض الكلفة التشغيلية لبعض الوسائل العسكرية إلى تسهيل استخدامها، بينما تبقى الخسائر البشرية والسياسية على المجتمعات المستهدفة جسيمة. ومن ثم، فإن مستقبل اقتصاد الحرب لن يتحدد بحجم الأسلحة وحده، بل أيضًا بمن يملك البيانات والتقنيات، ومن يراقب استخدامها، ومن يتحمل مسؤولية نتائجها.
إن مواجهة اقتصاد الحرب لا تعني إنكار حق الدول في الدفاع عن نفسها، وإنما منع تحول الاحتياجات الأمنية إلى مبرر لإضعاف الرقابة والمساءلة. ويتطلب ذلك شفافية العقود العسكرية، ومراقبة تضارب المصالح، والإفصاح عن جماعات الضغط، وتطبيق القوانين التي تحمي المدنيين وتجرّم الاتجار بالبشر، وتعزيز الرقابة على التمويل والاستثمارات المرتبطة بمخاطر الانتهاكات. كما يتطلب إخضاع الإنفاق العسكري لتقييم يوازن بين الضرورات الأمنية وكلفة إهمال التنمية، وتطوير آليات دبلوماسية قادرة على احتواء النزاعات قبل تحولها إلى كوارث طويلة الأمد. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أهمية احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في أنشطة الشركات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، بما يوضح أن النشاط التجاري لا ينفصل عن الالتزامات القانونية التي تحكم العمل في بيئات الحرب.⁷
في النهاية، لا يكفي أن نسأل من انتصر عسكريًا، أو من سيطر على الأرض، أو من فرض شروط التسوية؛ بل يجب أن نسأل أيضًا من موّل الحرب، ومن استفاد من عقودها، ومن حقق مكاسب من اضطراب الأسواق، ومن دفع ثمن القتل والتهجير وانهيار المستقبل. فالحرب قد تنتهي على الورق، بينما تظل آثارها حاضرة في الديون والفقر وفقدان التعليم وتفكك الأسر وضياع فرص الأجيال. وتبقى المفارقة أن من يملك القدرة على التأثير في القرار قد لا يكون هو من يتحمل عواقبه، وأن من يفقد بيته أو ابنه أو مصدر رزقه قد لا يكون له أي نصيب في الثروة التي تولدها بعض أنشطة الحرب. إن أخطر ما في اقتصاد الدماء ليس مجرد وجود رابحين وخاسرين، بل احتمال أن تصبح الخسائر الإنسانية تكلفة يتحملها الضعفاء، بينما تتركز المكاسب لدى فئات محدودة. ولهذا فإن معيار التقدم الحقيقي ليس مقدار ما ينتجه العالم من أسلحة، بل قدرته على بناء نظام يجعل حماية الإنسان أولوية، ويخضع القوة والمال للمساءلة، ويجعل السلام مصلحة سياسية واقتصادية قابلة للتحقق، لا فرصة ضائعة في سوق الدمار.
الهوامش والمراجع:
- Stockholm International Peace Research Institute (SIPRI). (2026). Trends in World Military Expenditure, 2025. SIPRI Fact Sheet.
- Eisenhower, D. D. (1961, January 17). Farewell Address. Dwight D. Eisenhower Presidential Library.
- United Nations. (2011). Guiding Principles on Business and Human Rights: Implementing the United Nations “Protect, Respect and Remedy” Framework. United Nations.
- United Nations Office on Drugs and Crime. (2024). Global Report on Trafficking in Persons 2024. United Nations.
- Federle, J., Meier, A., Müller, G. J., Mutschler, W., & Schularick, M. (2026). The price of war. American Economic Review, 116(3), 791–827.
- World Bank, Government of Ukraine, European Commission, & United Nations. (2025). Fourth Rapid Damage and Needs Assessment (RDNA4): February 2022–December 2024. World Bank.
- International Committee of the Red Cross. (2006). Business and International Humanitarian Law: An Introduction to the Rights and Obligations of Business Enterprises under International Humanitarian Law. ICRC.


