
عراب القارة السمراء وقاهر الاستعمار: كيف حفر جمال عبد الناصر اسمه في قلب الوجدان الإفريقي؟
سارة الحربي – باحثة في الشأن السياسي
ناصرُ الشعوب والقلوب، لم يكن مجرد رئيس حكم مصر في مرحلة دقيقة، بل كان زلزالاً سياسياً قوض عروش الاستعمار القديم، وملهماً كونياً قاد أحلام الشعوب المستضعفة نحو فجر الخلاص والحرية. ثمة رجال لا تصنعهم الأقدار، بل يصنعون هم وجه التاريخ، وتضيق بمآثرهم حدود الجغرافيا؛ والزعيم الراحل جمال عبد الناصر كان واحداً من تلك القامات الاستثنائية التي لم يقتصر صداها على وطنها، بل تغلغل في وجدان الإنسانية كأيقونة سرمدية للحرية والكرامة والعزة. وفي قلب هذا المشروع القومي التحرري، كانت القارة الإفريقية تنبض في فكره ليس كدائرة سياسية باردة أو عمق إستراتيجي فحسب، بل كشراكة مصيرية، وقضية وجودية، ومعركة كرامة خاضها بذراع مصرية وقلب إفريقي، ليتحول في الذاكرة السمراء من مجرد حليف إلى صانع التحرر الأول وأخ أكبر لقارة بأكملها.
فلسفة الدائرة الإفريقية في فكر عبد الناصر
لخص عبد الناصر رؤيته الإستراتيجية للقارة في كتابه الشهير “فلسفة الثورة”، حيث تحدث عن ثلاث دوائر رئيسية تدور في فلكها السياسة المصرية: الدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة الإفريقية. وكتب واصفاً الدائرة الإفريقية: “أننا لن نستطيع بأي حال من الأحوال، حتى لو أردنا، أن نقف بعيدين عن الصراع الدامي والمخيف الذي يدور اليوم في أعماق أفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومائتي مليون من الأفارقة.. إننا لا يمكن أن نقف بعيدين عنه لسبب هام وبديهي هو أننا في أفريقيا”. ومن هذا المنطلق، تحولت القاهرة في الخمسينيات والستينيات إلى عاصمة التحرر الإفريقي وملاذاً آمناً لكل زعماء القارة الباحثين عن الدعم لبلادهم.
كيف أصبح عبد الناصر رمزاً في الدول الإفريقية؟
تحول عبد الناصر في الوجدان الإفريقي إلى بطل قومي وأيقونة تتوارثها الأجيال. وصورته كانت ترفع في التظاهرات الشعبية من غانا إلى جنوب أفريقيا جنباً إلى جنب مع قادة القارة العظام. وسبب هذه الرمزية الطاغية يعود إلى الدعم غير المشروط الذي قدمه ناصر للشعوب الإفريقية؛ فلم يكتفِ بالخطابات الدبلوماسية بل قدم السلاح، والمال، والتدريب العسكري للمقاتلين من أجل الحرية، وارتبط بعلاقات صداقة وثيقة وتاريخية مع قادة التحرر الأفارقة مثل: كوامي نكروما في غانا، وأحمد سيكو توري في غينيا، وموديبو كيتا في مالي، جوليوس نيريري في تنزانيا، وباتريس لومومبا في الكونغو، ونيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، والذين رأوا فيه الأخ الأكبر والسند الإستراتيجي لقارتهم.
إنجازات عبد الناصر للقارة الإفريقية
الدعم العسكري والسياسي لحركات التحرر: فتحت مصر في عهد عبد الناصر أبوابها لتأسيس مكاتب لحركات التحرر الإفريقية بالقاهرة، ووفرت لها الدعم المالي واللوجيستي وحصانة دبلوماسية للتحرك الدولي. كما قدمت مصر الدعم العسكري المباشر بالسلاح والتدريب لثوار الجزائر، وثوار كينيا (حركة الماو ماو)، وثوار أنغولا وموزمبيق، وجرى التنسيق الكامل مع المؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة نيلسون مانديلا لمكافحة نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا.
الدعم الإعلامي والثقافي ونشر الوعي: تأسست إذاعة “صوت إفريقيا” من القاهرة، والتي كانت تبث بأكثر من لغة من لغات إفريقية محلية (مثل السواحيلية، والهوسا، والأمهرية) لتوعية الشعوب الإفريقية بحقوقها وتحريضها ضد المستعمر وفضح الممارسات الاستعمارية. كما فتحت الجامعات المصرية والمعاهد العسكرية أبوابها لاستقبال آلاف الطلاب الأفارقة عبر تقديم منح دراسية كاملة لتخريج كوادر قادرة على إدارة الدول الإفريقية الوليدة بعد الاستقلال، بالإضافة إلى الدور الكبير للأزهر الشريف في إرسال البعثات التعليمية والدينية.
التأسيس المؤسسي للعمل الإفريقي المشترك: كان لعبد الناصر دور محوري وصياغة تاريخية في تأسيس “منظمة الوحدة الإفريقية” (الاتحاد الإفريقي حالياً) عام 1963 في أديس أبابا، حيث عمل مع إخوانه من القادة الأفارقة على صياغة ميثاق يضمن وحدة القارة ويدعم تضامنها ضد أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي. كما دعمت مصر برؤية ناصر تأسيس “بنك التنمية الإفريقي” ليكون ذراعاً اقتصادياً وطنياً يساعد الدول الإفريقية على التنمية بعيداً عن شروط المؤسسات الدولية المهيمنة.
الدعم الاقتصادي والفني: أنشأت مصر الجمعية الإفريقية والشركات التجارية مثل “شركة النصر للتصدير والاستيراد” لفتح أسواق مشتركة وتبادل المنتجات والسلع بين مصر والدول الإفريقية لكسر الاحتكار التجاري الغربي. كما أرسلت مصر مئات الخبراء، والمهندسين، والأطباء، والمدرسين المصريين إلى الدول الإفريقية حديثة الاستقلال للمساعدة في بناء بنيتها التحتية ومؤسساتها الوطنية.
مواقف وشهادات قادة أفريقيا في حق عبد الناصر
لم يكن غريباً أن تنعى القارة الإفريقية جمال عبد الناصر بحزن عميق عند رحيله، حيث عبّر أبرز زعمائها عن مكانته الاستثنائية بكلمات تاريخية تلخص ما قدمه لهم:
نيلسون مانديلا (جنوب أفريقيا): أكد مانديلا في مذكراته أن عبد الناصر كان مصدر إلهام حقيقي له، ووصف زيارته للقاهرة عام 1962 بأنها كانت محطة فارقة في حياته؛ حيث قال إن الدعم المصري كان بمثابة القوة الإضافية التي عززت كفاحهم ضد نظام الفصل العنصري، واعتبر ناصر قائداً ليس لمصر وحدها بل لكل الشعوب التي تنشد الحرية.
كوامي نكروما (غانا): كان يرى في عبد الناصر شريكاً أساسياً في صياغة مفهوم “الجامعة الإفريقية”، وقال عنه: “عبد الناصر هو بطل أفريقيا الذي أعاد للقارة كرامتها وكبريائها أمام القوى الاستعمارية، وبدونه لكان مسار التحرر الإفريقي أكثر صعوبة”.
جوليوس نيريري (تنزانيا): عبّر عن مكانة الزعيم الراحل قائلاً: “كان عبد الناصر يمثل صوت المستضعفين، ولم تكن مصر في عهده تبخل بأي شيء لمساعدة الحركات التحررية في أفريقيا. لقد كان ناصر أباً روحياً لحرية القارة”.
أحمد سيكو توري (غينيا): أعلن الحداد الوطني في بلاده عند وفاة عبد الناصر وتولى بنفسه رثاءه بكاءً، مؤكداً أن أفريقيا خسرت أقوى مدافع عن حقوقها وسندها المتين في وجه القوى الإمبريالية.
إرث لا يغيب
إن الإرث الإفريقي لجمال عبد الناصر يظل واحداً من أنصع الصفحات في تاريخ العلاقات الدولية؛ فهو لم ينظر إلى القارة السمراء كمجال للنفوذ أو الاستغلال، بل كشراكة حقيقية في المعركة ضد الاستعمار والفقر والجهل. ولذلك سيبقى اسم عبد الناصر محفوراً في الوجدان الإفريقي الخالد كرمز للحرية والكرامة الإنسانية، وبطل ساهم بصدق في صياغة الهوية الإفريقية الحديثة.
سلامٌ على المجد الخالد.. سلامٌ على ناصر حرية أفريقيا
لم يكن رحيل جمال عبد الناصر مجرد غياب لجسد، بل كان ترجلاً لفارس صاغ بدمائه وأفكاره ملامح قارة بأكملها؛ وحين انطفأ هذا الجسد الطاهر، لم تنطفئ الشعلة التي أشعلها في وجدان القارة السمراء، بل بقيت حية نابضة في عروق كل شبرٍ حُر. إن عبد الناصر لم يرَ في أفريقيا مسرحاً للنفوذ، بل رآها نبض كرامته، ولذلك بادلوه حباً بحب، ووفاءً بوفاء. سيبقى عبد الناصر في الوجدان الإفريقي رجلاً تجسدت فيه عزة المستضعفين، وبطلاً استثنائياً علم القارة أن ترفع رأسها شامخة لتطاول عنان السماء. فسلامٌ على ناصر في الخالدين، وسلامٌ على الإرث الذي لا يموت، وسيظل اسمه نشيداً سرمدياً تردد جنباته جبال إفريقيا وسهولها وأنهارها: “ارفع رأسك يا أخي.. فقد مضى عهد الاستعباد”.



