
النظام السياسي الأمريكي: كيف يختبر الانقسام نظاما صمم لإدارة الصراع لا لإلغائه
د. مايسة خليل حسن – الأكاديمية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية
يُطرح السؤال عن النظام السياسي الأمريكي اليوم في لحظة مفصلية، ليس لأن الولايات المتحدة تغيرت فحسب، بل لأن الأدوات التي اعتدنا فهمها بها لم تعد كافية. فالنظام الذي صممه المؤسسون في نهاية القرن الثامن عشر لجمهورية بلا أحزاب قوية، وجد نفسه في القرن الحادي والعشرين أمام واقع لم يتوقعوه: حزبان يسيطران على كل شيء، واستقطاب بلغ حدا لم تعرفه البلاد منذ الحرب الأهلية، وضوابط دستورية تعمل، لكنها تعمل في اتجاه الشلل لا في اتجاه التوازن. فهل ما نشهده اليوم هو أزمة عابرة في نظام عريق، أم أنه بداية إعادة تشكيل بنيوية لنظام سياسي فقد القدرة على إنتاج الإجماع الذي كان يجعل ضوابطه تعمل؟ هذا هو السؤال الذي تحاول هذه الورقة الإجابة عنه، لا من خلال وصف الأعراض، بل من خلال تحليل البنية.
والفرضية المركزية التي تنطلق منها الورقة أن النظام الأمريكي ليس نظاما فاشلا، بل نظام صُمم ليدير الصراع لا ليلغيه. فالميزة الحقيقية لهذا النظام لا تكمن في كونه ديمقراطيا بالمعنى المثالي، بل في كونه نظاما صُمم لإدارة التناقضات لا لإلغائها. فالمؤسسون لم يبنوا نظاما يقوم على الإجماع، بل على افتراض أن الصراع بين المصالح أمر حتمي، وأن وظيفة النظام هي احتواؤه لا إنهاؤه. وقد صاغ جيمس ماديسون هذا المبدأ في الفيدراليست رقم 51 حين قال إن الأمن الحقيقي ضد تركيز السلطات تدريجيا في قسم واحد يتمثل في منح كل قسم الوسائل الدستورية الضرورية والدوافع الشخصية لمقاومة تعديات الآخرين. لكن هذا التصميم لم يكن مصمما لعصر الأحزاب القوية، فقد كان المؤسسون يخشون الانقسامات الحزبية، وتصوروا نظاما تتنافس فيه الفروع نفسها، لا نظاما تتنافس فيه الأحزاب على السيطرة على الفروع.
فماذا حدث عندما دخلت الأحزاب على خط التصميم الدستوري؟ الإجابة أن الأحزاب لم تعد وسيطا بين الناخب والمؤسسة فحسب، بل أصبحت هي التي تحدد من يجلس في الكونجرس، ومن يفوز بالرئاسة، ومن يعين في المحكمة العليا. والنتيجة أن الضوابط والموازنات الدستورية لم تعد تعمل بين الفروع، بل بين الحزبين. وعندما يسيطر حزب واحد على الرئاسة والكونجرس، تختفي الضوابط، لأن الحزب هو الذي يملك أغلبية في الفرعين. وعندما ينقسم الحكم، تتحول الضوابط إلى أداة صراع حزبي، لا إلى آلية توازن مؤسسي. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: أن النظام الأمريكي لم يفقد ضوابطه، بل فقد الإجماع الذي كان يجعل هذه الضوابط تعمل في اتجاه التوازن لا في اتجاه التعطيل. والفرق بين الأمرين جوهري، ففي العقود السابقة كانت الضوابط تعمل في إطار توافق وطني على الأولويات وشرعية الخصم، أما اليوم فهي تعمل في إطار استقطاب حزبي يجعل كل قرار موضوع صراع. وفي بيئة كهذه، تصبح الضوابط أداة في يد الأغلبية لتعطيل الأقلية، أو في يد الأقلية لتعطيل الأغلبية، بدل أن تكون آلية لتصحيح المسار. وهذا يعني أن أزمة النظام الأمريكي ليست أزمة دستورية بالمعنى القانوني، بل أزمة إجماع بالمعنى السياسي. والدستور لم يتغير، لكن السياسة تغيرت، وأصبحت الضوابط تعمل في بيئة من الاستقطاب الحاد، حيث لا يوجد إجماع على الحقائق، ولا على شرعية الخصم.
ولاختبار هذه الفرضية، تقترح الورقة تحليلا لستة أبعاد متداخلة، لا يمكن فهم إحداها بمعزل عن الأخرى.
البعد الأول هو البعد المؤسسي، حيث تحولت الرئاسة الأمريكية من شريك تشريعي إلى مركز قرار شخصي، وانتقل مركز الثقل في صنع القرار من المؤسسة البيروقراطية إلى القيادة الشخصية للرئيس. والنتيجة أن الكونجرس، الذي كان يوما ما الشريك التشريعي للرئيس، أصبح اليوم مجرد حلبة للصراع السياسي، حيث لا ينتج التشريع إلا في لحظات الأزمة، ولا تمارس الرقابة إلا حين يكون الحزب المعارض هو من يملك الأغلبية. وفي ظل هذا الجمود، يلجأ الرئيس إلى أدوات تنفيذية تتجاوز الكونجرس، من الأوامر التنفيذية إلى إعلان حالات الطوارئ الوطنية. وهذا ليس انتهاكا صريحا للدستور، لكنه اختلال في الممارسة، حيث أصبح الرئيس هو المشرع الفعلي في كثير من الملفات، والكونجرس هو المشرع النظري.
ولا يمكن فهم هذا البعد المؤسسي دون النظر إلى ما يحدث داخل الكونجرس نفسه. فالكونجرس ليس مجرد رقم، بل هو مؤسسة معقدة تحكمها قواعد إجرائية صارمة، من نظام اللجان إلى صلاحيات الرئاسة الحزبية إلى أدوات التأخير. وخير مثال على ذلك أداة التعطيل في مجلس الشيوخ، التي تتطلب ستين صوتا لإنهاء النقاش وتمرير التشريع، وهو ما يعني أن الأغلبية الديمقراطية، حتى لو بلغت أربعة وخمسين مقعدا، لا تستطيع وحدها تمرير أجندتها التشريعية. وهناك أيضا صلاحيات رؤساء اللجان في تحديد ما يطرح وما يؤجل، وأدوات التأخير الأخرى التي تمنح الأقلية قدرة على تعطيل الأغلبية. والدرس التاريخي أن الأغلبية العددية لا تعني بالضرورة أغلبية تشريعية، لأن قواعد الإجراءات يمكن أن تعطل الأغلبية أو تؤخرها أو تجردها من فعاليتها.
البعد الثاني هو البعد المالي. فالنظام الأمريكي، رغم كل ما يقال عن ضوابطه وتوازناته، يعمل في إطار نظام مالي ضخم يضخ فيه المال بلا حدود تقريبا، حيث أصبحت تكلفة الحملات الانتخابية تتجاوز المليارات، وأصبح المانحون الكبار قادرون على التأثير في مسار الانتخابات وفي سلوك الممثلين بعد فوزهم. وهذا النظام المالي لا يعيد إنتاج الاستقطاب فحسب، بل يجعل السياسة الأمريكية رهينة لمصالح المانحين، ويقوض فكرة أن الانتخابات تعكس إرادة الناخبين.
وهنا يبرز دور أيباك كأحد أبرز تجليات هيمنة المال على السياسة. ففي انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، أنفقت أيباك ولجانها المرتبطة بها ما يقرب من 84 مليون دولار، حسبما تشير تقارير لجنة الانتخابات الفيدرالية، مع تقديرات أخرى ترفع الرقم إلى أكثر من 120 مليون دولار عند ضم اللجان المختلفة، وهو تباين يعود إلى اختلاف نطاق اللجان المشمولة في كل تقدير. لكن المفارقة أن هذا الإنفاق الضخم لم يحقق النتائج المرجوة، إذ ذهب ما يقرب من ثلثي هذا الإنفاق، أي نحو 55 مليون دولار، إلى سباقات خسر فيها المرشح الذي دعمته. والأهم من الأرقام أن أيباك تحولت في هذه الانتخابات من جماعة ضغط تمارس نفوذها من خلف الكواليس إلى قضية انتخابية بحد ذاتها، فبعض المرشحين بدأوا يتفاخرون بمعارضة أيباك، ويرفضون تبرعاتها، ويجعلون من رفضها جزءا من هويتهم السياسية. والسبب في ذلك مباشر: مع تصاعد الغضب الشعبي من الحرب الإسرائيلية على غزة، أصبحت أيباك رمزا للدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، والناخب الذي كان غاضبا من ارتفاع تكاليف المعيشة وجد في أيباك تفسيرا يجمع بين الغضب الاقتصادي والغضب الأخلاقي.
البعد الثالث هو البعد غير المؤسسي. فالنظام السياسي الأمريكي لا يتكون من فروع رسمية فقط، بل من شبكة معقدة من الفاعلين غير المؤسسيين، من وسائل الإعلام المنقسمة إلى مراكز الفكر وجماعات المصالح واللوبيات وشبكات التواصل الاجتماعي. وهؤلاء جميعا يلعبون دورا في إعادة إنتاج الانقسام، وفي جعل أي توافق مستحيلا. فالإعلام المنقسم يخلق فقاعات معلوماتية مغلقة، ومراكز الفكر تنتج أطرا فكرية متعارضة، وشبكات التواصل الاجتماعي تعيد إنتاج الخطاب الأكثر تطرفا. والنتيجة أن الناخب الأمريكي لا يتعرض لرأي واحد فقط، بل لرأي واحد يرى فيه الحقيقة المطلقة، ويرى في الرأي الآخر تهديدا وجوديا.
البعد الرابع هو البعد الزمني. فلماذا يحدث هذا الآن، وليس قبل عشر سنوات أو بعد عشر؟ الإجابة تكمن في تراكم تحولات اجتماعية عميقة، من التحول الديموغرافي إلى صعود الأجيال الجديدة إلى تراجع الطبقة الوسطى. فالأجيال الجديدة، التي نشأت في ظل العولمة والانترنت والأزمات الاقتصادية المتتالية، لم تعد تقبل الخطاب التقليدي عن الأمن القومي، وترى في الحروب الخارجية إهدارا للموارد كان يمكن أن تذهب إلى التعليم والصحة والبنية التحتية. والطبقة الوسطى، التي كانت يوما ما حجر الزاوية في الاستقرار الأمريكي، تراجعت قدرتها الشرائية، وفقدت ثقتها في النظام الذي وعدها بالرخاء.
البعد الخامس هو البعد الاجتماعي. فالناخب الأمريكي لم يعد يصوت بناء على برنامج اقتصادي أو سياسة خارجية، بل بناء على هويته، وعلى انتمائه إلى جماعة، وعلى رؤيته لما تعنيه أمريكا نفسها. والنتيجة أن أي توافق سياسي يصبح مستحيلا، لأن الخصم ليس منافسا يمكن التفاوض معه، بل عدو يجب هزيمته. وهذا هو الفرق الجوهري بين الاستقطاب السياسي العادي والاستقطاب الاجتماعي العميق، حيث الأول يمكن إدارته بالتفاوض، والثاني لا يمكن إدارته إلا بإعادة بناء الثقة.
البعد السادس هو البعد الأخلاقي. فالثقة في النظام لم تعد تبنى بالخطاب، بل بالأداء. والنظام الأمريكي، رغم كل عيوبه، أنتج لحظات تصحيح تاريخية لم تأت من خطاب أخلاقي، بل من ضغط مؤسسي أجبر النظام على تصحيح مساره. وهذا يعني أن أزمة الثقة في النظام الأمريكي ليست أزمة خطاب، بل أزمة أداء مؤسسي.
وتجتمع هذه الأبعاد الستة معا لتجعل التحليل مكتملا، لأنها تفسر لماذا لا تنتج الانتخابات الأمريكية توازنا، ولماذا يعاني النظام من شلل، ولماذا تبدو إعادة التشكيل ممكنة لكنها ليست حتمية. فالنظام الأمريكي لا يعاني من أزمة دستورية بالمعنى القانوني، بل يعاني من أزمة إجماع في بيئة مؤسسية ومالية واجتماعية وزمنية معقدة.
وهذا كله يقودنا إلى السؤال الذي يعنينا كعرب. فما الذي يمكن أن تتعلمه الدول العربية من هذه التجربة؟ هنا يجب أن نكون دقيقين، فالتجربة الأمريكية لا تقدم نموذجا جاهزا للنسخ، لأن ظروفها التاريخية والاجتماعية مختلفة جذريا، لكنها تقدم دروسا في المنهج لا في الشكل.
الدرس الأول أن بناء نظام يستوعب الصراع لا يلغيه هو الأولوية. فالمشكلة في كثير من التجارب العربية ليست في غياب الديمقراطية كشكل انتخابي، بل في غياب آليات مؤسسية لإدارة الصراع بين مكونات المجتمع. والنظام الأمريكي لم يلغ الصراع بين الشمال والجنوب، ولا بين العرقيات، ولا بين الطبقات، لكنه بنى آليات قضائية وفدرالية وتشريعية تجعل هذا الصراع يدار دون أن يتحول إلى حرب أهلية.
والدرس الثاني أن المرونة المؤسسية أهم من النصوص الجامدة. فالدستور الأمريكي لم يمنع العبودية في البداية، ولم يمنح المرأة حق التصويت، لكنه سمح لاحقا بتصحيح هذه الأخطاء عبر آليات مؤسسية. والدول العربية لا تحتاج إلى نصوص مثالية، بل إلى آليات تصحيح تسمح بتعديل المسار عندما يظهر الخطأ.
والدرس الثالث أن النظام يبنى من الداخل. فالتاريخ الأمريكي نفسه يثبت أن النظام لم يبن بوصفة خارجية، بل بصراع داخلي طويل. والدول العربية التي تنتظر نموذجا جاهزا من الخارج ستنتهي إلى نسخ شكلية لا تعمل.
والدرس الرابع أن الثقة لا تبنى بالخطاب بل بالأداء. فالنظام الأمريكي أنتج لحظات تصحيح تاريخية لم تأت من خطاب أخلاقي، بل من ضغط مؤسسي. والدول العربية تحتاج إلى بناء هذه الضغوط المؤسسية، لا إلى خطابات تطلب الثقة دون أن تستحقها.
وفي ضوء هذا، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لمستقبل البنية الدستورية الأمريكية. السيناريو الأول هو استمرار الجمود، حيث يظل الكونجرس والرئيس في حالة صراع دائم، وتتعطل السياسات الكبرى، وتدخل أمريكا في مرحلة من الشلل التشريعي. وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحا في المدى القصير، لأنه يتوافق مع بنية النظام الحالية. والسيناريو الثاني هو إعادة التوازن عبر الممارسة، حيث ينجح الكونجرس في فرض رقابته عبر أدواته الدستورية، وينجح الرئيس في الحفاظ على صلاحياته في السياسة الخارجية، وينتج النظام توازنا جديدا عبر الصراع لا عبر التوافق. وهذا السيناريو ممكن، لكنه يتطلب أن يتحول الكونجرس من الخطاب إلى الفعل. والسيناريو الثالث هو إعادة التشكيل الدستوري، حيث يؤدي استمرار الجمود إلى أزمة شرعية أعمق، تدفع إلى إصلاحات دستورية أو تغييرات في النظام الانتخابي، أو إلى صعود قوى سياسية جديدة تتجاوز الحزبين التقليديين. وهذا السيناريو هو الأكثر جذرية، لكنه ليس مستبعدا في ضوء تراجع ثقة الأمريكيين في مؤسساتهم.
وأيا كان السيناريو الذي ستسلكه أمريكا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا نحن في المنطقة ليس ما سيحدث في واشنطن، بل ماذا يعني ذلك لنا. فالنظام السياسي الأمريكي، في مرحلة إعادة التشكيل، سيكون أقل قدرة على الالتزام بتعهدات خارجية، وأكثر انشغالا بأزماته الداخلية، وأكثر عرضة لتقلبات الرأي العام. وهذا يعني أن من راهن على الخارج، سيجد نفسه في مرحلة من عدم اليقين الممتد، لا لأن أمريكا انهارت، بل لأنها لم تعد قادرة على أن تكون الحامي الذي كانت عليه. وهذا هو الدرس الدستوري الأهم: أن الضوابط والموازنات، حتى في أعرق الديمقراطيات، لا تحمي من ينتظر الخارج، بل تحمي فقط من يملك القدرة على أن يحمي نفسه.


