
أمينة العناني: هنعيشها مرة واحدة
“يا عم كفاية نكد.. احنا هنعيشها كام مرة.. فكك من اللي بيحصل.. اعمل اللي يبسطك ويريحك.. أنت هتعيش كام مرة يعني..” كلمات بسيطة نتداولها بتلقائية فيما بيننا باستمرار وغالبا غير مدركين لمعناها المروع.. وتدفعنا هذه الكلمات لإنتهاج سلوكيات قد يكون بعضها غير مستحب، ونتدافع باستمرار لنهل كل ملذات الحياة الحلال والمحرمة.. وتكون دائما حجتنا أن الحياة قصيرة وأننا سنحيا مرة واحدة فقط..
شخصيا تؤلمني هذه الكلمات جداا عندما استمع إليها من بعض من حولي.. فالحياة التي نعيش فيها ما هي إلا فترة اختبار طال أو قصر، قد ننجح أو نرسب فيه.. فالأمر يعتمد على مقدار اجتهادنا واهتمامنا وآدائنا.. أما الحياة الحقيقية التي سنستمر فيها للأبد وسنحياها مرة واحدة فهي الآخرة.. هي تلك التي تستحق أن تبذل كل غالي للوصول إليها.. هي تلك الحياة التي سييسر الله فيها كل أمر صعب ومحال.. هي التي سيغسل فيها قلوبنا من كل حقد وحسد وغل وألم وحزن.. سوف يستبدل الله قلوبنا بقلوب بيضاء شفافة لا تشوبها شائبة..
هل الوصول إلى النهاية السعيدة صعب يحتاج إلى مجهود وشقاء وتعب ومثابرة.. نعم يحتاج إلى ذلك.. لكن من الممكن أن ننتهجه في حياتنا كأسلوب بسيط سهل التعامل معه والتعايش به.. ردد معي هذه الأية أيها القارئ العزيز، بسم الله الرحمن الرحيم” ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ آل عمران: 185
طالبنا الله سبحانه وتعالى أن نتمتع بكل متع الحياة ” الحلال” وننهل منها كيف شئنا.. أن نكون سعداء ننعم بالراحة مهما كانت الصعاب وأعطانا سبحانه كلمة السر وهي ” الرضا”.. أن نتحمل المصائب الجلل التي نمر بها بمفتاح ” لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.. أن ندعوه ليلا ونهارا بحسن الخاتمة.. وهي توفيق من الله بأن يموت العبد على الطاعة والإيمان.. وهي تعد علامة كبرى وبشرى عظيمة على رضا الله تعالى..
هل يختار من الله من عباده من يحسن خاتمته.. نعم وهذه بعض العلامات الدالة..
يعلم الله بصدق النوايا، حيث يوفق الله العبد الذي يملك سريرة صالحة وقلباً صادقاً وإن قصر في بعض الأعمال الصالحة، كأن يهديه لتوبة نصوح وعمل مبرور قبل وفاته، يمن عليه بالقبول في الأرض، فيضع الله للعبد المختار القبول والمحبة بين الناس ويثنون عليه خيراً بعد موته، أن يجعله من الصابرين على البلاء، حيث يطهر الله بعض عباده بالمرض أو الابتلاء لتكون وفاتهم تكفيراً للذنوب ورفعاً للدرجات.. وفقني الله وحضراتكم إلى حسن الخاتمة.
انتهى من آداء ركعتي الصبح وارتدى ملابسه.. توجه إلى عمله، طاف بين مكاتب زملائه.. يلقي عليهم تحية الصباح، ثم توجه إلى مكتبه.. بعد تناوله إفطاره، شرع في آداء عمله، في موعد انتهاء العمل، انصرف من عمله إلى منزله، حاملا بعض أكياس من الفاكهة التي اشتاقت إليها أمه، كم كانت فرحتها غامرة عندما رآتها.. قضى يوما حافل بين أفراد أسرته.. استسلم للنوم في فراشه.. استيقظ على صوت آذان الفجر.. قام بأداء ركعتي الفجر والصبح جماعة مع والديه.. جمعتهما أكواب الشاي وأعواد البقسماط.. استعد للذهاب إلى عمله.. كان هناك في طريقه حادثة مروعة، ميكروباص ممتلأ بالركاب طار في الهواء ليسقط في النيل.. قفز في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الركاب.. تمكن من إنقاذهم جميعا.. لفظ أنفاسه الأخيرة مع آخر راكب تمكن من إنقاذه..
كانت تضع اللمسات الأخيرة من المكياج أمام المرآة، انتهت من ضبط ملابسها.. نظرت إلى نفسها راضية عن مظهرها، توجهت إلى باب الشقة.. ألقت السلام على والدتها وغادرت إلى المستشفى التي تعمل بها.. كانت تشعر بالسعادة، فاليوم العديد من المرضى سيغادرون المشفى بعد انتهاء فترة علاجهم.. شعرت بالراحة بعد المجهود الكبير الذي بذلته معهم والذي انتهى بشفائهم.. استيقظت من غمرة فرحتها على أبواق سيارة مسرعة صدمتها بعنف لتطير في السماء وتسقط على الأرض جثة هامدة..
يختار الله من يوفقه إلى حسن الخاتمة ويجعلها الله لحظات لاتنسى من بعده، ربما بالغ في الدعاء بحسن الخاتمة، ربما كانت حياته زاخرة بالخير الذي ينشره حوله.. ربما أراد الله أن يكرمه على حياة كانت مليئة بالشقاء والظلم، فاختار أن يكون مثال وعبرة لأقرانه ومن حوله.. إن الله سبحانه وتعالى إذا اعطى فلا تسئلن عن السبب.
” اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ” “اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين”
“اللهم إني أسألك حسن الخاتمة.. اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه، وخير أيامي يوم ألقاك”..



