مقالات

إيران ما بعد المواجهة.. تفكيك التصورات ( 1)

لسنا ندّعي أننا بصدد سبر كل مسارات المنطقة، ولسنا ندّعي أننا نستطيع الإحاطة بنتائج المعركة الحالية التي ما تزال قائمة (وهي لن تدوم إلى الأبد على أيةحال)، فتلك مرتبطة بحسابات القوى التي تخوضها. إنما نحاول، من خلال مقدمة بسيطة، أن نضع النقاط على الحروف في محاولة لاستشراف أوضاع المستقبل القريب في إيران.
ولا بد لنا من الإقرار، قبل استعراض بعض التصورات، أن التغيير السياسي في إيران قد وقع، وهو يرتبط بشكل أو بآخر بطبيعة المواجهة، وبآليات العمل السياسي والداخلي، ونوع التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة في إيران.
وبالعودة إلى التصورات الأولية، نلاحظ ما يلي:
١.) ليس الشعب الإيراني معجبًا بنماذج الثورات والديمقراطيات المستوردة، ويعزز هذا التوجه المستوى الثقافي العالي للإيرانيين، والأهم من ذلك الأوضاع التي سادت الدول الإقليمية بعد التدخل الخارجي العنيف، وخاصة العراق الجار الغربي الذي تجمعه مع إيران أطول حدود. (ويجب في هذا الإطار التمييز بين مجموعة البراغماتيين الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة في العراق، وبين الشعب الإيراني الذي يدرك أهمية الجار المستقر). يضاف إلى ذلك التجربة الديمقراطية وحيوية العملية السياسية في إيران، التي عاشتها منذ الثورة الدستورية عام 1905، في حين أن شعوب المنطقة، وباستثناء الحالة اللبنانية، عايشت حالات من الديمقراطية الرثة، منخفضة المستوى والشكلية.
٢. )يشكل الإسلام أو التدين بعدًا من الأبعاد المتعددة في إيران، وليس البعد “الوحيد”. وعلى أهميته الوظيفية، فهو موضوع نقاش في الميدان السياسي، وقد يتخذ أشكالًا في المراحل الأولى تتراوح بين توظيف بعض نقاط التراث الديني الشعبي وإعادة النظر في مفهوم السلطة الدينية والسياسية، وتتبلور في هذا المجال عدة طروحات (سيتم استعراضها في تفصيل لاحق).
٣. )تشكل نموذج التنمية الاقتصادية في إيران، ضمن آليات رأسمالية وفي إطار الليبرالية الاقتصادية، ما ساهم في نشوء أقلية تتمتع بثروة وافرة في بلد يعاني من تبعات الحصار القاسية. وبالتالي، فإن الطرح الاقتصادي لن يغير في جوهره الكثير، بل سينفتح بشكل أكبر على آليات العولمة وفق ما يسمح به النظام العالمي القائم.
٤.) مشروع الطاقة النووية والبرنامج البالستي من الأمور التي اتخذت طابعًا قوميًّا، وتحظى بالشرعية عند أغلبية القوى الإيرانية، سواء الموالية أو المعارضة لنظام الحكم. وهو يشكل حالة خاصة في التعاطي عند أي قوة سياسية تطرح مشروعها السياسي، وعند أي خصم يتقدم للتعاطي مع الحالة الإيرانية.
٥.) شكلت أحداث 7 أكتوبر 2023، وسقوط النظام السوري الحليف منذ 1979، إضافة إلى الإجهاد الناتج عن المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والتكاليف المترتبة عن رعاية العديد من الحركات، والأثر الناتج عن العقوبات، دافعًا لإعادة التفكير في الحفاظ على هيكلية الدولة الإيرانية على حساب التوسع الخارجي والسلطة الإقليمية وحسابات الزعامة على الأقل في الفترة الحالية الحرجة.
٦ ).يشكل الشباب الإيراني فئة واسعة من المحتجين والمعارضين، وهي فئة لم يتح لها بعد التعبير عن رؤيتها في قيادة أو مجموعة قيادات محددة ضمن إطار تنظيري شبه موحد.
٧ ).يخطئ الكثير من المتابعين في تصوير مؤسسة الحرس الثوري؛ فهذه المؤسسة، المصنفة إرهابية في العديد من دول العالم، هي نتاج الكفاءة التي نجحت في إدارة مشاريع ضخمة ومنتجة في إيران، وفي بناء شبكة واسعة من المصالح الداخلية والإقليمية والخارجية، وليست مجرد مؤسسة عسكرية. وبالتالي، فلا بد لأي دارس للحالة الإيرانية من مراعاة هذا الاعتبار.
٨. )الجيش الإيراني هو واحدة من المؤسسات الأكثر أهمية التي تنظر إليها القوى العالمية في تعاطيها المستقبلي مع إيران.
٩ ).التيارات السياسية في إيران متعددة، وليست في الوقت الحالي على رأي واحد إلا في ما يتعلق برفض تدمير بنية الدولة ومقوماتها، بغض النظر عن وجود فئة قليلة لا تعارض ضرب النظام الحالي.
١٠ ) .يملك الإيرانيون، بحكم تاريخهم الطويل وبحكم البنية الثقافية العميقة، الأدوات اللازمة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي ووظيفة الدولة الإيرانية الحديثة والفلسفة المعاصرة، مستندين إلى الإنتاج التاريخي للثقافة الفارسية كغطاء وفن إدارة الدولة كبناء.

إن التصورات الهوليوودية عن الحالة الإيرانية تظل غير صحيحة إذا نظر إليها من زاوية العقل الخاص، خاصة المذهبي والمتجرد من أي مشروع. إن التصورات المعروضة سابقًا ليست الوحيدة، لكنها تساعد في الدخول إلى محاولة تحليل القادم، وما ينتظرنا كعرب من الإطاحة بشبه التوازنات القائمة في محيطنا وعلى أرضنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى